مقالات في صحيفة المشرق مارس 2022

قراءة في كتاب

…………………………

كتاب/ ابتسم أنت في بغداد – المؤلف/ د. طه جزاع

مقالات تخلق من الهموم طرفة

 

مع أولى قطرات الغيث
في أروقة (المشرق العراقية) الغراء
والشكر موصول
للزملاء الأعزاء أعضاء أسرة التحرير

(( مع وافر الامتنان للفاضل الأستاذ الدكتور طه جزاع في سعيه الكريم وإتاحة هذه الفرصة الكريمة ))

همى الغيث

 

 

كتاب يدعو عنوانه القارئ للابتسام، فما يلبث أن تخنقه مقالاته بالعبرات .. جاءت بقلم ابن الأرض الذي عاصر وقائعها كشاهد من أهلها .. وليس الخبر كالعيان!. إنه أ. د. طه جزاع، الأستاذ المحاضر في علوم الفلسفة، وكاتب الأعمدة الصحفية في الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية، والذي شغل منصب (رئيس التحرير) لعدد منها، وله عدد من الإصدارات الفكرية وقد فاز بالجائزة الأولى لمسابقة (ناجي جواد الساعاتي) في دورتها التاسعة عن عام 2018، عن كتابه الأخير في أدب الرحلات. يصدر هذا الكتاب عن (دار دجلة للنشر والتوزيع)، ويضم عدد من المقالات التي نشرها الكاتب في جريدة المشرق العراقية بعد انقطاع لردح من الزمان، وبعد مناورات لحوحة من أقرانه الصحفيين. وقد شبّه فترة انقطاعه تلك كحالة خرس روحاني لصوفي مخضرم، بين ما كان في حقبة من قرن مضى، وما استجد في حقبة من قرن جديد. وعلى الرغم من أن المقالات في مجملها تمسّ الواقع العراقي وفي الصميم، إلا أنه لن يضيرها استبدال (بغداد) بأي مدينة عربية على امتدادها من المحيط إلى الخليج، على طريقة أمير شعرائها أحمد شوقي في قوله: (كلنا في الهم شرق).

لقد أصبح الفرد العربي في معاشه اليومي بحاجة إلى تحويل واقعه المرّ في بعض أوجهه إلى طرفة، ليس على سبيل السخط أو السلبية أو السخرية، بل لأنها قد تكون (الأخف) تعبيراً فيما يحوطه من قسوة وبؤس وشقاء، كما كان يفعل الكوميدي العالمي شارلي شابلن، وكما كان يقول: (أنا أصنع من ألمي ما يضحك الناس، لكنني لا أضحك من ألم الناس).

يأمل الكاتب من خلال نشر مقالاته هذه أن يصل بمعاناة شعب العراق -الذي ما برح يقاسي ويلات الاحتلال الأمريكي الممنهج منذ ابريل 2003- إلى أخوته في الوطن العربي الفسيح، مؤكداً أن هذا الشعب في عراقته وشموخه وعزيمته -وقد فُقد منه الملايين بين مهاجر ونازح وقتيل- قادر على أن ينهض من جديد ليعمل ويبني وينتج، ويكون كما كان دائماً البدر المنير في الليلة الظلماء، وكما تغنّى شاعره العظيم مصطفى جمال الدين في رائعته الخالدة: (مرت بك الدنيا وصبحك مشمس .. ودجت عليك ووجه ليلك مقمر).

يعرض فهرس الكتاب تسعة عناوين رئيسية لعدد من المقالات في الأدب الساخر تتفرّع عنها، جادت من رشاقة الكلمة وغزارة المعنى ما يُعين على طيّ الجلدة الأخيرة للكتاب خلال سويعات. هي: 1. ابتسم أنت في بغداد / 2. مقبرة الشرف الرفيع / 3. بلاد العرب أوطاني / 4. لعنة الفراعنة / 5. صناعة التاريخ على سطح المريخ / 6. دع القلق وأبدأ الحياة / 7. لائحة حقوق الحمار / 8. (فيسبوكيات) وفضائيات راقصة / 9. باشوات الصحافة وثيرانها.

ومن المقالات المضحكة المبكية التي جاءت تترجم المأثور العربي الضاحك من شر البلية، اختار ما علق في ذاكرتي منها ما يلي:

  • تتخذ عملية تفتيش المركبات ذهاباً وإياباً صباحاً ومساءاً شكل من أشكال إثارة الغثيان، والإمعان في نكد المواطن الغلبان، إذ بين كل سيطرة بوليسية وأختها تتناسل سيطرات وتتوالد وتتكاثر، مضافاً إليها الوقت المهدر في استخدام أجهزة السونار لفحص المركبات، رغم ثبوت عدم جدواها في الكشف عما هو أدهى وأمر من حشوات الأسنان وطلاء الأظافر.
  • في مذكراتها عن بغداد الستينات، لا بد وأن يضحك القارئ على الجدة الهولندية (يوديت) وهي تمتلئ رعباً من أرطال اللحم في السوق الشعبي والذي كان لا يُرى أساساً وقد التف حوله سرب من الذباب. ويستمر في ضحكه وهي تصوّر عملية بيع اللبن الصباحية طازجاً على الطريقة البغدادية، إذ يحظى الزبون بزيارة البقرة الحلوب مع صاحبتها لتقف عند عتبة بابه برسم الخدمة على طريقة (التوصيل للمنازل) .. فيحلب ويشرب، في التو واللحظة.
  • الشقاوات العراقية .. أخوة الفتوات المصرية (في الكار)، قد شوّه التراث المنقول سيرتهم، إلا أنهم في حقيقة الأمر على مذهب الإنجليزي روبن هود .. أشداء على الطغاة رحماء على المستضعفين، يتتبعون الظالم حتى ينتزعوا منه حق المظلوم عنوة .. وبلطجة أحياناً. وقد كان (عبد المجيد كنه) أشهر الشقاوات البغدادية، إذ قاوم ورفاقه الاحتلال البريطاني، وساهم في الحركة الوطنية من خلال التهديد العلني بالقتل ضد كل من يتواطأ مع جيش الاحتلال، وقد نال شرف (شقاوته) بالإعدام شنقاً عام 1920، إذ شيّعته الجماهير ونصّبت له سرادق العزاء .. رحمه الله.
  • وبينما يفخر الكاتب بعلم بلاده المرفوع بيد العدّاءة البطلة (دانا حسين)، ومن خلفها الوفد الرياضي العراقي على أرض ملعب جزر العجائب بلندن عام 2012، تحت صيحات الحماس الجماهيري المنقطع النظير، ينتقد افتقار العراق نشيد قومي موّحد. ويسترجع في هذا التصنيف الذي جاءت به صحيفة التلغراف البريطانية عن النشيد الوطني العراقي كواحد من بين أسوأ عشرة أناشيد في تلك الدورة الأولمبية، والتي ضمّت 200 نشيد وطني للدول المشاركة. ومن جانب آخر، لا ينسى الكاتب ذلك المواطن الأصيل الذي اتصل بالإذاعة فرحاً مهنئاً بنتائج إحدى المباريات، رغم أنه شهد صباح ذلك اليوم تفجيرين في منطقته ببغداد، وردّ المذيع العراقي الأكثر أصالة ووطنية بـ: “عفية”.
  • وفي مقالته (العراق الأفريقي)، يقترح الكاتب نقل العراق إلى دول خط الاستواء الأفريقي بعد ثبوت تورّط عدد من الدول الكبرى في التلاعب بمناخه، إذ من المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة فيه لتصل إلى 70 درجة مئوية خلال الثلاث سنوات القادمة، وما سيترتب عليها بالضرورة من تغييرات ديمغرافية في الشكل واللون والسحنة، إضافة إلى التغيرات الطبيعية الأخرى.
  • وعلى غرار سخرية القدر، يتهكم الكاتب على الخبر الذي أورده مدير الزراعة لإحدى المحافظات وهو يُنبئ عن وصول أفواج من طيور الأروي الملونة والهاربة من صقيع سيبيريا، لافتاً الانتباه إلى ما تحمله (الهجرة) من رمزية البحث عن الدفء والرزق والأمن وسائر متطلبات الحياة .. المتطلبات ذاتها التي يهجر فيها العراقي أرضه إلى أرض الله الواسعة، بحثاً عنها!.
  • يسترجع الكاتب بعض القفشات التي وقعت حينما تم استقطاب عدد من الممرضات الهنديات في فترة من القرن الماضي، وما صاحب ذلك من صعوبة في التخاطب على الرغم من رواج الأفلام الهندية بين العراقيين آنذاك. إذ حرص البعض على تعلّم عدد من الجمل الهندية البسيطة لاستخدامها في بعض المواقف، مثل (ما اسمك) عند التعارف، و (أنت جميلة) كنوع من الكياسة، و (لن أنساك) وقت الوداع. إلا أنه يذكر تورّط أحدهم عندما لقّنه صاحبه مقولة: “موست شادي كارونجي” على أنها مرادفة لعبارات الشكر عند الوداع، وهو لا يعلم عندما قالها لأحدى الممرضات وقت خروجه من المستشفى بأنه يعرض عليها (الزواج).
  • ولا تزال جورجيا الاقتراح الأول عند العراقيين لقضاء إجازة صيف ممتعة واقتصادية، بعد أن دمّر الربيع العربي صيف وشتاء المنتجعات السياحية في معظم البلاد العربية وساكنيها من عرب عاربة ومستعربة.
  • وعن ظاهرة تفشي حبوب الهلوسة وأخواتها بين أفراد المجتمع العراقي، تشير القاضية العراقية أن الأمر تطور إلى درجة توفيرها كخدمة علاجية على هيئة حقن دوائية من خلال عيادات وعلى أيدي معاونين طبيين، في حين أن معظم بلاد العالم تقننّ عملية صرف الأدوية من خلال وصفات طبية، وإن كانت بسيطة كالبنادول والأسبرين.
  • وفي محاولة لاستنباط درس تاريخي يتقاطع بين الهند والعراق رغم البون الشاسع بينهما، يترحّم الكاتب على المناضل (غاندي) وقد اعتصر قلبه الألم لحظة ما أعلن رفيق دربه (محمد علي) استقلال الباكستان عن الهند عام 1947، وعلى أساس ديني محض، رغم تعدد الطوائف العقائدية والمذهبية بين أبناء الهند أجمعين. فكيف اجتمع الشامي بالمغربي؟ وما أشبه العراقي بالهندي!.
  • بينما لا تشجّع الأمم المتحدة عودة اللاجئين العراقيين إلى أرضهم في الوقت الراهن، يعتّصر قلب الكاتب ألماً وقهراً على ما آلت إليه أوضاع شعب كان عزيزاً فذل، فاصطف في طوابير طويلة مهينة أمام شبابيك سفارات بعض الدول يستجدي لجوء إنساني، في حين تصدّ أبواب السفارة العراقية عنهم -وبوجوه مكفهرة- أوسع أبوابها، وتصبح تصريحات -بل قل تطبيلات- الأمم المتحدة أصلح للنقع والعبّ.
  • تستوقف القارئ سيرة (شارل ديغول) الزعيم التاريخي لفرنسا .. مصلحها وواضع دستورها، وسياسته في التعامل مع معارضيه، إذ لم يذكر التاريخ أنه كمم أفواه أو صادر آراء أو اعتقل أو سجن أو سحل أو شنق أو حرق أو اغتصب أو سرق …، معتبراً أنه من الصعوبة بمكان إرضاء الناس جميعاً وعلى الدوام، مبرراً ذلك بمقولته الشهيرة: (كيف يمكنك أن تحكم بلداً فيه 246 نوعاً من الجبنة)؟
  • وفي تشبيه مبطّن، عقد الكاتب مقارنة ذكية بين سكان بلاد الواق الواق ونظرائهم في بعض بلاد الجوار! فالثروة الفائضة من الذهب جعلت لكلابهم وقرودهم أطواقاً من ذهب كما ذكر العالم (محمد بن زكريا الرازي) في مؤلفاته عن تاريخها، ولديهم من القواسم المشتركة الأصيلة في الدين واللغة والأعراف ما تكفل وحدتهم. غير أن السلطة الحالية تقبض على تلك الثروة بالدم والنار والحديد ومن يتنازع عليها من المتملقين، في حين أن القواسم المشتركة لبقية أفراد الشعب هي التشرذم والكذب والغدر والسرقة، والانغماس في شهوة الأكل والجماع والنوم والغناء والرقص وجمع المال، والنزوع إلى الثرثرة والخلاف والصراخ لأتفه الأسباب في كل حين. فلا غرابة أن يعاني سكان هذه الجزر الواقعة في بحر الهند والذين (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) من الفقر المدقع في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتكنولوجيا …الخ. رغم هذا، فهم يتميزون بعدم وجود هيئات ومفوضيات ومجالس ولجان ومداهمات واعتقالات ومظاهرات واغتيالات وإعلام …. تشنّها السلطة عليهم، خلاف ما يتميز به أهل سكان الجوار أولئك!.
  • في نقده لرضوخ المواطن العربي لبرمجة عقله وطلسمة فكره تجاه ما يُملى عليه من أعلى، وبما هو مدعاة للاستسلام والتسليم والخضوع والخشوع، يأتي مصطلح (الاستحمار) الذي استحدثه المفكّر (علي شريعتي) كتشبيه حرفي بليغ لا يحيد.
  • وبشيء من التعجب، يستعرض الكاتب رأي صاحبه الحماسي في الحاجة لتدريس مهارات الفساد الإداري والمالي كظاهرة عالمية، والتي تم تلخيصها في قصيدة (احترامي للحرامي) التي أذيعت على لسان شاعرها الأمير السعودي (عبدالرحمن بن مساعد)، ومُنعت عندما أنشدتها المطربة المصرية (آمال طاهر) في مدينة الدوحة!. تأتي هذه الحاجة الملحاحة لحماية المبتدئين وصغار الفاسدين الذين لا يزال يعتور ضمائرهم شيء من النزاهة وحسن النوايا، وللاستفادة أيضاً من خبرات سرّاق الأوطان وكبار المحترفين في الفساد والإفساد، لا سيما في الدول التي تتصدر تقرير المؤشر الدولي السنوي للفساد، كالصومال وأفغانستان وتشاد … والعراق.
  • يتحدث الكاتب بنبرة صادقة عن تفشي ظاهرة العنوسة بين النساء في الوطن العربي ككل، والتي جاءت كاختيار حرّ للمرأة العربية في سبيل علمها وعملها وكفاحها ونجاحها .. المجالات التي أبدعت فيها وأبهرت، مضحيّة بالفطرة البشرية في الارتباط والاستقرار. أشاطر الكاتب الرأي في أن هذه العنوسة “وردية” طالما أن الوعود قبالتها زائفة، وارفض معه كلية تشبيه المرأة الحرة الأبية بالرجل، سواء كان فرداً أو يشكّل من العدد عشرة .. فليس الرجل مضرب مثل عنتري ولا نموذج يُحتذى به في البطولة!.
  • يقرأ الكاتب على (الرجال) السلام، في أمة تنتحر فيه الفتاة اليافعة والمرأة الناضجة على حد سواء، كرد فعل أوحد أمام جبروت وطغيان وقهر الرجال -بل أشباه الرجال ولا رجال- المتفنن في كافة صنوف العنف والتمييز، كالزواج القسري، الحرمان من التعليم، الضرب، القذف، التهديد، الخطف، الاغتصاب … وغيرها من الكبائر المحصّنة بالقانون أو بالعرف العشائري.
  • على الرغم من اقتضاب المقال، فإن جرائم الشرف ضد المرأة التي لا تزال في اضطراد والتي لا تشمل تلك التي تم اقترافها تحت جنح الظلام، كفيلة بأن تجعل الحليم -وهو في الألفية الثالثة- حيران .. وكأنه مواطن جاء على غفلة من أمره متأخراً إلى عصور الظلام.

علاوة على ما ذُكر، يطيب لي أن اقتبس بعض ما ورد في الكتاب من جميل القول (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • في مقالة (يا طويل العمر) يعرض الكاتب من خلال إحدى الميثولوجيا الشعبية مدى جهل الإنسان المجبول على الطمع حين اختار أن يطيل الله في عمره خلافاً للحيوانات التي طالبت بتقليص أعمارها بعد أن وعت حجم الشقاء الذي ينتظرها، فينصح قائلاً: “الأعمار بيد الله لكن حذار من أن تسمح لأحد أن يدعو لك بطول العمر، فإنه إنما يدعو لك بطول المعاناة في حياة كلها منغصات ومخاوف ووساوس وهلوسات وفوضى ومفخخات وعبوات ولاصقات وكاتمات واغتيالات .. يا طويل العمر”.
  • يعرّي الكاتب في مقالة (زوجة صينية) سوأة العقلية الذكورية التي مسّها من نقصان العقل والدين ما جعلها تستميت في الحصول على زوجة آلية تطيعه إذا أمر بكبسة زر على جهاز الريموت كنترول، فيقول بعد أن انتشر مقطع فيديو طريف عن إعلان لها: “وانتشر هذا المقطع مثلما يقال انتشار النار في الهشيم في هواتف الرجال النقالة من العزاب والمتزوجين، وتداولوه بين هواتفهم نكاية بالزواج والزوجات، وانتصار للفكرة الأزلية التي تعشش في أذهان الذكور ولا أقول الرجال، عن زوجة مطيعة لا حول لها ولا قوة، ولا رأي لها ولا فكرة، تستطيع أن تطويها وتحتفظ بها في دولاب الملابس متى شئت، أو أن تبرمجها على كلمات محددة ….”. وأعقّب بدوري: لا حرج على رجولة عرجاء أرادت تجبير عاهتها بين الأمم فربضت فوق حق النساء!.
  • يختم الكاتب مقالة (ولم يغرق الحب) التي تطرّق فيها لقصة نجاح (سيلين ديون)، صاحبة الصوت الملائكي الذي ظل يتردد صداه رغم غرق التيتانيك واستقرارها في قاع المحيط، بكلمات من لؤلؤ: “الحب الصادق يبقى ويستمر إلى الأبد. هو سباح خرافي لا يغرق ولا يموت، حتى وإن غرقت جميع السفن والزوارق، وغرق كل من على متنها من عشاق مجانين وسباحين ماهرين”.

ختاماً .. لطالما شغفني العراق العظيم منذ صغري .. أرض الحضارات ومهد الأنبياء وموطن الأولياء .. سمائه وتربته، أنهاره وأشعاره، أطياف شعبه الممتزجة ألواناً وأسماءً وأعراقاً واعتقاداً ولهجة ولحناً وثقافة. شاء الله أن تصبح أحلك أحقاب أرض السواد نصيب أعمارنا التي كلما تقدمت بنا، تقدم الشر المحدق بها، ليحيلها من أرض سواد في تراصّ نخلاتها الباسقات، إلى أرض سواد في هرجها ومرجها، مدلهم نهارها كليلها. “وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس” .. ولأن (دوام الحال من المحال)، أرجو للكاتب الفاضل د. طه جزاع أن يمنّ الله عليه بمديد العمر، فيتحفنا بمقالات (مضحكة مبكية) جديدة .. تبكينا فرحاً ونضحك معها زهواً، وتدعونا لنبتسم من جديد أمام واقع أكثر جمالاً وسلاماً وتحديداً في بغداد .. مدينة السلام، كما خصّها الكاتب في عنوان كتابه.

سيبقى هذا الكتاب يحمل وجدانياً ذكرى مختلفة، فقد جمع بين كاتبه وكاتبة هذه السطور في صداقة توطدت بإهدائها مجموعة إصداراته الثرية التي نشرها بعد هذا الكتاب بسنوات طوال .. وهو الكتاب الأول الذي حظيت بنشره من خلال صحيفة المشرق العراقية الموقرة .. وأول الغيث قطرة.

يسعدني تواصلكم معي على: hma-algaith.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 9 مارس 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5070.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 10 مارس 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5071.pdf

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

 

كتاب/ أديان العالم – المؤلف/ د. هوستن سميث – المترجم / سعد رستم

الإيمان بالله وبتعدد كتبه ورسله .. مما قصّ علينا ومما لم يقصصّ

 

 

كتاب يُبحر بقارئه في رحلة روحانية متعمقة نحو أديان العالم الكبرى، ليكشف عن روح كل دين وجوهر الحكمة وراء فلسفته وطقوسه وتعاليمه، في لغة تخالف التقليد العلمي السائد القائم في الأساس على عرض كل دين في قالب أكاديمي صرف، بكتبه المقدسة ومعلميه ومعتنقيه ومذاهبه وتعاليمه الرئيسية ومدى انتشاره … الخ، والذي يكون في العادة معززاً بالبيانات والجداول والإحصائيات.

لا تأتي هذه اللغة المختلفة عن هوى أو من فراغ، إنما هي عصارة ممارسات إيمانية حيّة وعميقة لتعاليم تلك الأديان، انهمك فيها المؤلف نحو خمسين عاماً، وأخلص لها إخلاص المؤمن الحقّ. بهذا النهج المتفرّد، لا يعرض المؤلف شيء من آرائه أو انطباعاته الشخصية كباحث في هذا المجال على الرغم من اعتناقه لكل هذه الأديان وممارسة شعائرها طويلاً فوق أراضي معتنقيها، بل جاء عرضه حيادياً بالكلية. أيضاً، لا يعمد المؤلف إلى التجريح أو التهكم مهما حمل أي دين من معتقدات أو ممارسات غير مألوفة قد تدعو لذلك، بل يظهر متصديّاً في بعض الأحيان أمام ما يحوم حول كل دين من أقاويل وشبهات، فيعمد إلى تصحيحها منطقياً وفلسفياً. عليه، يتحلّى الكتاب بالصدق والمصداقية معاً، فالمؤلف تلقّى علوم كل دين من مصدره المباشر، وألّف مؤلَّفه بعد أن اعتنقه ومارسه!

يخصّ الكتاب في ختامه صفحتين لتسطير شيء من سيرة مؤلفه الذاتية. إنه الناسك الروحي البروفيسور د. هوستن سميث (1919-2016). وُلد ونشأ في الصين لأبوين أمريكيين نصرانيين يعتنقان البروتستانتية ويعملان في التبشير، البيئة التي تفتّحت عليها مدارك العالِم الصغير نحو تنوع الأديان وفلسفاتها، وهو الأمر الذي دعاه للالتحاق ببرامج الفلسفة في الجامعات الأمريكية بعد عودته لوطنه وهو في الخامسة عشر من عمره، ليتوّج مسيرته الفكرية بالحصول على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة شيكاغو عام 1945، ومن ثم الانخراط في سلك التدريس في عدد من جامعات بلاده العريقة. استمر في اعتناق المسيحية رغم إعجابه الشديد بالحكمة الشرقية، وقد تتلمذ على أيدي رهبان الهندوسية، ومارس الزن من خلال معلمي البوذية، وقد صرّح في إحدى المقابلات بأنه يُديم الصلاة خمس مرات يومياً باللغة العربية منذ ست وعشرون عاماً. عمل على إنتاج سلسلة من الوثائقيات المتلفزة خلال الستينات من القرن الماضي، وله العديد من المؤلَفات في نفس المجال، أشهرها الكتاب الذي بين أيدينا والذي لا يزال يُصنّف عالمياً بالمرجع العلمي الأول في الأديان، وقد وصلت مبيعاته إلى المليون والنصف نسخة كما تشير هذه الطبعة!.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة للكتاب الصادرة عام 2007 عن (دار الجسور الثقافية)، في ترجمة مباشرة للكتاب عن لغته الأصلية (The World’s Religions – By: Huston Smith) والتي عنيّ بها المترجم د. سعد رستم، وهو أكاديمي وباحث سوري حاصل على درجة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية بعد أن تحوّل في مرحلته الجامعية عن دراسة الطب البشري إلى هذا الفرع من العلوم. يعيش حالياً في تركيا، وله إسهام كبير في ترجمة الدراسات العلمية الإسلامية، العقائدية والمذهبية.

يعرض فهرس الكتاب عشرة مواضيع رئيسية، بالإضافة إلى مقدمتي المؤلف والمترجم، تبدو أهمها على الإطلاق: (الهندوسية، البوذية، الكونفوشية، الطاوية، اليهودية، المسيحية، الإسلام، الأديان البدائية) ويتفرّع عن كل منها عدد لا بأس به من المسائل التي لا تقل شأناً في الأهمية. من ناحية أخرى، تترافق أوجه الشبه بين مشروع المؤلف وبين أحد علماء التشريح الذي اعتاد أن ينبّه طلاب كلية الطب في اول محاضرة لهم قائلاً في بصيرة: “في هذه المادة سوف نتعامل مع اللحم والعظام والخلايا والأعصاب، وستأتيكم أوقات تبدو لكم فيها كل هذه الأشياء باردة لا حقيقة لها. ولكن لا تنسوا! إنها حيّة تتحرك”.

ومن عبق الروحانيات، أبثّ نفحات مما علق في روحي كما يلي:

  • في إسقاطات لمعنى تمثال ذو أذرع متعددة تعكس رمزياً براعة الإله الواسعة عند الديانة الهندوسية، يرى د. سميث أن فعّالية القصص والأساطير أقوى في أثرها على الإنسان من قوة القوانين والأحكام الرسمية، إذ تنطوي على قيم تنقل بقدرتها اهتمامه من العالم المادي المحيط إلى التفكر في الله وتمجيده والتضرع إليه والنظر في إبداعه .. ومحبته آخراً. من ناحية أخرى، لا يتردد المستشرق ماكس موللر في الإشارة إلى (الهند) كإجابة عن سؤال وُجه إليه حول الأرض التي شهدت أعمق التأملات العقلية وأتت بجملة من الحلول في مسائل الحياة تعني بالإنسان، وتثير كذلك اهتمام من درس فلسفتي كانت وأفلاطون! ولا يتردد من الإشارة إلى (أدب الهند) للإجابة عن سؤال آخر حول الأدب الذي صحّح مفاهيم تشرّبها الإنسان من الفكر اليوناني والروماني ومن ثم عمل على تغذية روحانيته، في سبيل حياة أكثر شمولية وعالمية وإنسانية، ليس في الحياة الآنية فقط بل في الحياة الأبدية كذلك.
  • وعن قوة الاعتناق، ينافس الهندوسي (سوامي) نظيريه البوذيين (دائي) و (لائي). ففي حين سيواصل الأخيران المقرفصان تأملهما اليوم ساعة استيقاظهما في الثالثة فجراً حتى الحادية عشرة ليلاً بغية سبر أغوار بوذا داخلهما، سيواصل الأول تأمله الذي ابتدأه منذ خمس سنوات مقرفصاً صامتاً في قعر داره الواقع فوق قمة جبل الهملايا، مستثنياً ثلاثة أيام في العام يتحدث فيها. وفي نفس هالة النور وعن أولئك الذين ترقوا روحياً في مراتب من الإدراك والوعي والتجلي، تأتي سيرتهم لتعكس نموذجاً أسمى في النوع الإنساني، فهم حكماء، متحررون، أقوياء الشخصية، فائقو السعادة، ما من شيء في الحياة كفيل بأن يعكّر صفوهم العقلي، أو يُقلق طُمأنينتهم، أو يقودهم للصراع، أو يأسرهم، أو يُرعبهم، أو يُحزنهم .. إنهم مبتهجون على الدوام، يجودون على من اختلط بهم بأنوار من قوة وطُهر وانبساط. لذا، ومن طرف آخر، يتصدى أحد اللا أدريين ليناكف أحد الهنود المتنورين، بأنه كان سيجعل للصحة عدوى بدل المرض .. لو كان ربا! فيفحمه الأخير بأن الشكّاك لا يمكنه استيعاب أن الفضيلة هي فعلاً معدية للرذيلة، والسعادة معدية للتعاسة .. كما العدوى بين الصحة والمرض.
  • تتجلى معاني الصيام الإسلامي في الانضباط الذاتي وكبح الشهوات، وفي تذكير الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى الله. كما يولّد عنده الشعور بالشفقة والإحساس بالآخرين، إذ لا يشعر بالجوع إلا من جاع فقط، ومن راض نفسه على الصيام تسع وعشرون يوماً يكون أكثر تسامحاً وتفاعلاً مع من يقصده من الجائعين. وفي استنباط لافت للنظر، يشير د. سميث إلى كلمة (القراءة) كمعنى مشتق لكلمة (القرآن)، وبأنه الكتاب الأكثر تلاوة وحفظاً وتأثيراً على مستوى العالم. فلا عجب أن يكون (معجزاً) كما سمّاه نبيه وأتباعه من بعده.

ومن عبق الروحانيات كذلك اقتبس شذرات تثري الروح (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يحفل الأدب الهندي بالاستعارات والتشبيهات والصور البيانية التي توجّه أنظار الإنسان نحو “الوجود المطلق اللانهائي” في الكون الفسيح، والكامن عميقاً بين ثنايا وجدانه. تقول إحداها: “إننا مثل شبل أسد فقد أمه بعد ولادته، فعاش صدفة بين مجموعة من الخرفان، فصار يرعى ويأكل العشب معهم ويثغو مثلهم، ظاناً نفسه خروفاً كأقرانه! إننا مثل العاشق النائم الذي يحلم في منامه أنه يجوب الدنيا بحثاً عن حبيبته دون أن يجدها، غافلاً عن كونها مستلقية على الفراش إلى جانبه”. وهو لا يزال في هذه الأجواء، ينتقد د. سميث ربط التماثيل الهندوسية بمعاني الوثنية أو الشرك أو تعدد الآلهة، بل يعتقد بإنها مسارات تتنقل خلالها الحواس البشرية نحو “الأحد” أو “تطير من الأحد نحو الأحد”. ويضرب في هذا مثلاً بكاهن القرية الذي يعتقد بأن حدود إمكانياته البشرية تسببت له بثلاث خطايا يرجو غفرانها، فيفتتح صلواته بدعاء: “يا رب! اغفر ثلاثة خطايا ناجمة عن حدودي البشرية .. أنك في كل مكان لكني أعبدك هنا .. إنك من غير شكل ولا جسم، ولكني أعبدك في هذه الأشكال .. أنك لا تحتاج إلى الثناء والمديح ولكني أقدم لك هذه الصلوات والتحيات .. رب! اغفر ثلاثة خطايا ناجمة عن حدودي البشرية”.
  • تتجلى معاني الوحدانية الإلهية في ترانيم الطاوية، فـ: “هناك كائن رائع وكامل .. وُجد قبل السماء والأرض .. كم هو هادئ .. وكم هو روحي .. يبقى وحيداً لا يتغير .. يوجد قريباً وبعيداً .. هنا وهناك .. ومع ذلك فهو لا يعاني من هذا التواجد .. يلف كل شيء بحبه كثوب يغطي كل شيء .. ومع ذلك فلا يدّعي شرفاً أو مقاماً ولا يطلب أن يكون سيداً .. أنا لا أعرف اسمه ولذلك اسميه (طاو) الطريق .. وأبتهج بقوته”. وفي لغة صوفية تحلّق بعيداً عن رحب ميدان رياضة اليوغا وتتقاطع مع العشق الرومي، تنساب الوصية عذبة بأن: “كل ما يجب علينا فعله في هذه اليوغا أن نحب الله حباً جما، لا مجرد أن نقول بلساننا أننا نحب الله، بل نحبه حقاً، ونحبه وحده، ولا نحب شيئاً غيره إلا لأجله، ونحبه لذاته لا لغرض آخر أو هدف أبعد، حتى ولا انطلاقاً من الرغبة بالخلاص والتحرر، بل نحبه للحب فقط. نجاحنا في ذلك يمنحنا بهجة وسعادة، لأنه ما من تجربة يمكن أن تقارن بتجربة من يعيش حباً تاماً صادقاً. علاوة على ذلك، كلما قوي تعلقنا بالله واشتد حبنا له، كلما ضعفت سيطرة العالم علينا. نعم قد يحب القديس العالم، بل هو يحبه فعلاً أكثر من محبة المدمن له، لكن حبه للعالم يختلف تماماً عن حب الآخرين له. إنه يحبه لأنه يرى فيه انعكاساً لمجد الله الذي يعبده”.
  • وفي إنصاف وحيادية معهودة، يؤكد د. سميث على الحرية الدينية التي تمتع بها اليهود والنصارى والهندوس إبان الحكم الإسلامي شرقاً وغرباً. وفي مقارنة بين سماحة المسلمين الأتراك مع النصارى عند فتح القسطنطينية، وبين جرائم محاكم التفتيش التي نصّبها الصليبيون الأسبان لتعذيب المسلمين بعد سقوط الأندلس، يعتقد المسلمين أن “سجل المسيحية هو السجل الأكثر سواداً في هذا الصدد”، بينما يتفق المؤرخون المنصفون بأن “سجل الإسلام في استخدام القوة لم يكن أبداً أظلم من سجل المسيحية”. وأختم في مسك بقول د. سميث عن لغة القرآن، حيث يقول مقتبساً بدوره: “لا يوجد شعب في العالم تحركه الكلمات، سواء المقولة شفهياً أو المكتوبة، كالعرب. من النادر أن يكون لأي لغة في العالم تلك القدرة على التأثير على عقول مستخدميها كالتأثير الذي لا يُقاوم للغة العربية” ثم يُعقب قائلاً: “يمكن للجماهير في القاهرة أو دمشق أو بغداد أن تُلهب مشاعرها وتُثار إلى أعلى درجات الإثارة العاطفية ببيانات، إذا ما تمت ترجمتها تبدو عادية”.

عجباً كيف تختلف الأديان برمتها، لكنها تصبّ انتهاءً في عبادة الله وحده التي تحقق السكينة الروحية كمطمح أزلي. إن هذا الكتاب يدفع بالفضول نحو المزيد من البحث حول كل دين، لا سيما أن الطرح يكتنفه قدر من الصعوبة قد يعود إلى النظرة التحليلية الفلسفية التي يتأسس عليها الكتاب في تناوله للأديان، أو الصعوبة المتعلقة بجوهر كل منها، أو للترجمة في أحايين قليلة. ومن جانب شخصي، لا يغفل المؤلف عن إسداء جزيل الشكر والعرفان لزوجه التي لم تدّخر جهداً في تنقيح ومراجعة كتاب زوجها بكل سعادة، الذي لم يكن متوقعاً له تحقيق أعلى نسبة في المبيعات قبل طرحه .. في لفتة شاعرية منه بل وروحانية.

إنه ليس كتاب ترويجي ولا تبشيري ولا مقارن ولا نقدي، بل روحاني بالدرجة الأولى، يقدّم للقارئ خلاصة ما اكتسبه مؤلفه من معرفة وجدانية وتجارب روحانية عاش بها ولها ومعها، يجود فيه على القارئ بأنوار من فكر وأبعاد من إدراك، ووعي وحكمة وبصيرة، وأفق أكثر رحابة، نحو تصور جديد للحياة وجوهر وجود الإنسان فيها، بما يحيطه من مصاعب وآلام وتحديات، وطرق مواجهتها من زوايا دينية أكثر اتساعاً من ذي قبل .. لتصبّ جميعها في نهاية المطاف في فضاء الحقيقة المطلقة: (الله الأحد).

ومسك الختام .. (لا إله إلا الله) بها نحيا وبها نموت وبها نلقى الله.

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 16 مارس 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5076.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 17 مارس 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5077.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

 

كتاب/ العرب: وجهة نظر يابانية – المؤلف/ نوبواكي نوتوهارا

صورة العرب من خلال مرآة يابانية

 

 

كتاب على قدر وافر من الحيادية بل والمصداقية يدور محوره حول أمة العرب، سُطّر بقلم وعين وقلب مستعرب ياباني أمضى ما يقارب الأربعين عاماً من عمره بين أبنائها وعشائرها، ويرى أن (عشرته) الطويلة تلك تعطيه نصيب من الحق في التحدث وبصدق عن قوم ألفهم وألفوه.

لذا، لا بد أولاً من التعريف بالكاتب كـ (مستعرب) لا كـ (مستشرق)، إذ أن (المستشرق) يكون عادة غربياً تناول الثقافة الشرقية كمادة للبحث والدراسة وهو قطعاً لا ينتمي للشرق لا عرقياً ولا جغرافياً ولا ثقافياً، كالإنجليزي آرثر جون آربري الذي عنيّ بترجمة معاني القرآن الكريم، والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان الذي درس سيرة الفيلسوف المسلم ابن رشد. بينما يكون (المستعرب) هو من تناول الثقافة العربية وتأثر بها وهو لا ينتمي لبني العرب لكنه جاورهم وساكنهم، مثل الأمازيغ والموريسكيين الأسبان في المغرب العربي والأكراد في مشرقه.

لا يتحدث المستعرب نوبوأكي نوتوهارا (1940) في مقدمة كتابه عن نفسه كثيراً، فيكتفي بعرض مسيرته مع اللغة العربية، حيث ابتدأها عام 1961 حين افتتحت جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية قسماً للدراسات العربية فيها، فالتحق وتخرج فيه بعد أربع سنوات. عمل بعد تخرجه كأستاذ مساعد في جامعة طوكاي، ثم معيداً في جامعته الأولى عام 1969، ليحصل عام 1974 على منحة خاصة من الحكومة المصرية للالتحاق بجامعة القاهرة كطالب مستمع، حيث استهل ابداعه الحقيقي من خلال الانكباب على القراءة والكتابة والترجمة، بالإضافة إلى الانخراط مع الفلاحيين في الدلتا. يتوّج مسيرته بعد ذلك في الارتحال إلى بادية الشام ومعاشرة البدو ردحاً من الزمان، في تجربة غنية لم يعايشها من ذي قبل كياباني تخلو أرض آبائه من بادية. يسترجع نوتوهارا في خاتمة كتابه وبحميمية ذكرياته مع أصدقاء مسيرته العرب الذين يكنّ لهم الكثير من الإعزاز والامتنان في مصر واليمن وسوريا والمغرب، وتجمعه بهم روابط مشتركة وذكريات دافئة رغم بون ثقافة مختلفة لا تشبهه في شيء!.

ينتقد المستعرب في الكتاب وبشكل رئيسي الأوضاع السلبية الجسيمة التي تعاني منها المجتمعات العربية في العموم، حيث القمع، الحاكم المعمّر، انعدام الديمقراطية، هدر حقوق الإنسان، السجناء السياسيين، تهميش المواطن، انعدام الشعور بالمسئولية، غياب العدالة الاجتماعية، حقوق المرأة، عدم توظيف الدين الإسلامي بشكل صحيح، تتبع النمط الأوحد، رهاب قول الحق، الطغيان وفوقية أصحاب السلطة على القانون ….. وغيرها الكثير. وما يضاعف من مرارة هذه الحقيقة الدامغة هو أن القارئ العربي (المحايد) لا يملك إلا أن يومئ برأسه -ولو على استحياء- إيماءة إقرار واعتراف لما عرضه (مستعربنا) من عار وشنار، في الوقت الذي يبرر موقفه مردداً: “رحم الله امرئ أهدى لي عيوبي”.

وفي منأى عن العاطفة التي تتملك المستعرب نحو أصدقائه العرب، فإنه يعزز قيمة الموضوعية التي حرص عليها في كتابه من خلال “تجربة صعبة ومريرة” واجهها كياباني مع قومه أجمعين! فعندما سيطر العسكر على مقاليد البلاد ورقاب العباد وزجّوا بهما في حروب طاحنة ضد دول الجوار، آلت اليابان إلى دمار شامل على يد الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لقد دفع الشعب الياباني الثمن باهضاً الأمر الذي دفعه لأن يكون أكثر وعياً وأن يعترف بالخطأ ويستفيد من الدرس، فأبعد العسكر عن السلطة، وبنى ما دمّره القمع السياسي، واستغرق الإصلاح أكثر من عشرين عاماً عانى فيها اليابانيون الأمرّين. فمن الدروس التي لا ينساها الشعب الياباني كما يقرّ المستعرب هي “إن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية وقتل الأبرياء ويؤدي إلى انحراف السلطة عن الطريق الصحيح والدخول في الممارسات الخاطئة باستمرار. لقد ضحى اليابانيون جميعاً بأشياء كثيرة تحت سلطة القمع العسكرية، ولكن كان هناك فئة تربح دائماً ولا تخسر شيئاً هي فئة التابعين للسلطة العسكرية، أعنى حاشية السلطة وأعوانها ومخبريها”. وإن اللبيب من الإشارة يفهم.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب والصادرة عام 2003 من منشورات الجمل، والتي يتطرق فيها الكاتب إلى سبعة مواضيع رئيسية في بلاد العرب. فيُثني على جمال الأدب العربي الذي تعلّمه وعلّمه ويطري عدد من الأدباء العرب، ويتحدث بإسهاب عن ثقافة البدو الذين عاش معهم فترة لا بأس بها من الزمن حيث يرى أن البادية العربية هي الموطن الأصلي للعرب، وهي الأرض الخصبة للتأمل والفلسفة ونشوء العقيدة، ويتفاعل ويتعاطف كذلك مع القضية الفلسطينية ويؤازرها بصدق حيث يرى أن الإعلام مضلل فيما يتعلق بها، كما يطري الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، ويمنحه لقب “الأديب الشهيد”. وبدوري، أتطرق في الأسطر القادمة مع شيء من التعمق إلى أبرز ما جاء في الكتاب من قول صريح موجع، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • يسود الشعب العربي حس منعدم بالمسئولية لا سيما تجاه مقدّرات الوطن، فإنما هي أملاك الحكومة لا أملاكه. ففي تلك المجتمعات التي يحرص فيها كل فرد على التميّز إما بكنية أو قبيلة أو منصب أو درجة علمية في ظل غياب العدالة وسيادة القمع وذوبان الاستقلالية الفردية، يُصبح غياب “الوعي بالمسؤولية” نتيجة حتمية وسمة بارزة. “ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسؤوليته عن الممتلكات العامة مثل الحدائق العامة والشوارع ومناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات، باختصار المرافق العامة كلها، ولذلك يدمرها الناس اعتقاداً منهم أنهم يدمرون ممتلكات الحكومة لا ممتلكاتهم هم”. إن غياب هكذا شعور بالمسئولية العامة يولّد مظهراً آخراً أشد خطورة، وهو غياب الشعور بالمسئولية تجاه أفراد المجتمع بعضهم ببعض. يضرب المستعرب في هذا مثلاً بالسجناء السياسيين في البلدان العربية الذين ضحّى بهم الشعب، رغم أنهم ضحّوا بمصيرهم وبشجاعة من أجله. يعقّب المستعرب مستنكراً: “فلم نسمع عن مظاهرة أو إضراب أو احتجاج عام في أي بلد عربي من أجل قضية السجناء السياسيين. إن الناس في الوطن العربي يتصرفون مع قضية السجين السياسي على أنها قضية فردية وعلى أسرة السجين وحدها أن تواجه أعباءها”. ومن ناحية أخرى، وعن التقديس الأبوي، يصف المستعرب (أبوة) الحاكم العربي (لأبنائه) من الرعية بـ “الظاهرة الغريبة”، إذ يعتبر اليابانيون كلمة “يا أبنائي ويا بناتي” التي يخاطب بها الحاكم العربي شعبه عادة “إهانة بالغة”. فيرفضها كياباني قائلاً: “نحن لا نقبل بهذه الصيغة! نحن نقول لرئيس الوزراء أنت حر في بيتك، ولكن خارج البيت نحن لا نسمح لك”. ومن جملة الاستنكار، يهزأ من ثقافة (مدح السلطان) الضاربة بجذورها في تاريخ العرب، حيث: “نحن نستغرب ظاهرة مديح الحاكم كما نستغرب رفع صوره في أوضاع مختلفة كأنه نجم سينمائي أو مطرب ذائع الصيت”.
  • يستمر المستعرب ليصرّح بأن فضيلة الحرية هي أساس الحياة الكريمة والبوابة إلى العمل والإنتاج والإبداع، ويشبّه القمع بداء عضال ينبغي قهره حتى لا تفقد البشرية الكثير من معانيها. فيقول ضمناً: “وفي سياق الكلام عن الحقيقة فأنني أضيف أن الناس في الوطن العربي يخبئون الحقائق التي يعرفونها حق المعرفة”. يستشهد في هذا بـ (سجن تدمر)، الذي وعلى الرغم من زيارته لمدينة تدمر خمس مرات وزيارة متحفها الشعبي هناك إلا أنه لم يكن يعلم بوجود سجن شهير فيها يحمل اسمها، ولم يكن بالطبع يعرف موقعه! ولهذا مبرر سيكولوجي، حيث “إن الخوف يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة، وهكذا تضيع الحقائق وتذهب إلى المقابر مع أصحابها”. ومع ذكر هذا المتحف، يُعرب الياباني عن استغرابه -ولا أستغرب- وهو يتجول في (السوق السوداء) للآثار العربية، حين يهمس له بالإنجليزية أحد موظفي متحف على حدود إحدى البوادي العربية بـ: “أن اشتري سراً بالطبع قطعاً أثرية. لم أصدق أذني في البداية ولكنه أكدّ لي بوضوح أنه يستطيع أن يؤمن لي قطعاً نادرة، ولم ينس أن يؤكد أننا لن نختلف على السعر”. يستهول المستعرب الياباني إثم خيانة الوطن والضمير والشرف، فيعقّب متعجباً: “شيء لا يصدق” .. غير أن أبناء العرب أنفسهم يصدّقون، بل وبإمكانهم تخمين في أي متحف أو (سوق) عربي كان يتجول!.
  • أما في ثقافة المجتمع العربي الذي يبدو إقطاعياً، فلا يُنكر القوم سلوك طفل ربط عنق عصفور بحبل يجرّه فوق التراب بينما العصفور يرفرف في بؤس مستنجداً، فهو مشهد طبيعي تألفه العين ويتكرر في الحياة اليومية، وإنما هو “طفل يتسلى بلعبة” أو مجرد “ضعيف تحت سيطرة قوي”. يكمل المستعرب قائلاً: “والناس يقبلون سلوك المسيطر القوي ويرضخون له، أي يسمح المجتمع أن تسيطر قوة على أخرى أضعف منها”. ومن المواقف التي شهدها المستعرب تصبّ في ثقافة الغالب والمغلوب، الفتى ذو العشر سنوات صاحب عربة الخردوات، والذي تصدمه بسيارتها إحدى معارف المستعرب وهي تقلّه بعد حضوره مؤتمر في ذكرى ميلاد الكاتب طه حسين، فيسقط وتتبعثر أشيائه الصغيرة في حين ترمقه تلك بشرارة حارقة وماطرة بوابل من شتائم كـ “الحيوان المتخلف الغبي”. يعتصر لحظتها قلب المستعرب ألماً ممزوجاً بالعجب ويقول: “أنا لم أتوقع منها هذا السلوك اللاإنساني الفظّ تجاه شاب فقير يسعى لكسب رزقه في ظروف صعبة وعلى عربة خشبية بسيطة! إني أرى سلوكها سلوكاً عنصرياً تجاه من هم أقل مرتبة في سلم الغنى لأنها تملك سيارة”. وفي خضم حديثه عن الجيل يتحدث عن التعليم، وهو حديث يجده المستعرب ذو شجن، حيث ينتهي المطاف بالفتيان والفتيات النوابغ في البادية إلى حال الأفراد العاديين في ظل غياب الاهتمام والرعاية الاجتماعية. فيتحدث عن ابن صديقه السوري، جاسم الهادئ الصامت، الذي “يشع من عينيه ذكاء خاص وشرود يشبه شرود المتأمل. كان دائماً يراقبني بهدوء ويتحدث معي بالطريقة نفسها. كل شيء في ذلك الطفل كان يوحي بأنه سيصبح كاتباً أو شاعراً لو كان طفلاً في اليابان. بعد عشر سنوات رمى جاسم موهبته كلها وأصبح راعياً نموذجياً كما يتوقع منه المجتمع”. وأتساءل بدوري في شجن أعمق: كم من عالم ومفكّر وكاتب وشاعر في وطننا الفسيح يقطن البوادي ويرتدي زي الرعاة ويرعى القطعان حتى الممات؟
  • ينتقل المستعرب بعد ذلك ليتحدث عن ظاهرة الفوضى الجماعية التي يدور رحاها يومياً عند مواقف الحافلات في المدن المصرية، حيث تكتظ الحشود ويختلط الحابل بالنابل في سعي حثيث نحو الركوب أو (الشعبطة) بأي ثمن كان، فيستنكر معقّباً: “وفي هذا الازدحام المحموم ينسى الكثير من الرجال والنساء السلوك المحتشم الذي يوجبه عليهم الإسلام كمسلمين”. وفي فطنة يابانية، يستغل المستعرب ثقافة (الحلال والحرام) ليواجه بها احتيال بعض العمّال أثناء إقامته الطويلة في مصر مقابل إصلاحات منزلية، فيتوعد هؤلاء قائلاً: “ألا تخاف الله؟ أنا سأطالبك بالنقود الزائدة التي أخذتها مني يوم القيامة”. ليخلص أن “الجميع كانوا يخافون فعلاً ويأخذون أجرهم في حدود ما كانوا يسمونه الحلال”. وهو لا يزال يتعرّض للسلوك الاجتماعي عند العرب، يفرّق المستعرب في شاعرية بين غضّ النظر وتذوق الجمال، مستشهداً بقول عنترة بن شداد: (وأغض طرفي إن بدت لي جارتي .. حتى يواري جارتي مأواها). ولا يزال يستنكر حجب المرأة بعد أن علم أن: “على المرأة أن تخبئ جسمها لأنه عورة أو لأنه فتنه. وفي الريف على المرأة الجميلة أن تختبئ هي أيضاً في البيت وكأن الجمال لعنة أو ملكية ضيقة ليست للظهور أبداً”.
  • وعن الازدواجية، وكإسقاط لشخصية (أحمد عبدالجواد) في (ثلاثية نجيب محفوظ) الثلاثي الأبعاد في البيت والحي والماخور، يتحدث المستعرب عن انطباعه حول معلماً مصرياً زار طوكيو لفترة، وقد كان رغم كونه لطيفاً واجتماعياً “لاهياً إلى أقصى الحدود ومنغمساً في الملذات انغماساً لا يعرف الارتواء”، ولم يكن يتورع عن التصريح بمذهب اللذة الذي كان يعتنقه. زاره المستعرب بعد ذلك في منزله في إحدى أحياء القاهرة الشعبية، وقد هاله “التبجيل المضخم” المقدم لـ (حضرته) من قبل زوجته وابنتيه، فيُعلق قائلاً: “ولقد بدى لي الأب الذي يمثل الاستقامة والأخلاق الصارمة والحفاظ على كل مظاهر الشرف”. وقبيل الغداء، لاحظ المستعرب صاحبه وهو يراوغ لسحبه خارج الدار خلسة نحو خمّارة، ليبدئا بشرب الخمر قبل الوجبة على عادة اليابانيين. وعودة على رواية (سي عبدالجواد)، فقد كانت مهمة تسمين البنات وظيفة الخادمة الأساسية باعتبار أن السمنة النموذج المرغوب به للزوجة الموعودة. عليه، كانت الزوجة والبنتان يرزحن تحت وطأة أرطال من الشحم واللحم، وقد اشتكت البنتان له صدمتهما الثقافية بعد انخراطهما في الجامعة وسط عالم النحيفات، وقد وجدتا النحافة بالنسبة لهما: “شبه مستحيل في ذلك البيت، لأنهم يحافظون على نظام الطعام المليء بالشحوم والدسم والمشويات ونظام القيلولة الطويل”. فيحذًر المستعرب بقوله: “وما لم يتغير النظام نفسه فإن البنات سيعانين من مشاكل السمنة اجتماعياً على الأقل”. ويكمل في صراحة مزعجة قد تثير عنصرية ذوي النزعات الذكورية، إذ يقول: “ليس صديقي وحده مزدوجاً! إن معظم الرجال العرب الذين قابلتهم لهم قيمتان، واحدة في البيت وأخرى في الحياة العامة. الرجل العربي في البيت يلحّ على تثمين قيمته ورفعها إلى السيطرة والزعامة، أما في الحياة العامة فأنه يتصرف وفق قدراته وميزاته ونوع عمله. وهذان الوجهان المتناقضان غالباً ينتج عنهما أشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع”.
  • ومن حافة بعيدة، كان البيت المتهالك على أطراف مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق يقطنه رجل خمسيني، وقد برّر تهالكه للمستعرب قائلاً: “هذا بيت مؤقت. بيتي الحقيقي هناك في فلسطين. نحن نسكن هنا بصورة مؤقتة وسنعود إلى ديارنا عاجلاً أم آجلاً، وإذا وضعنا سقفاً بشكل كامل فهذا يعني إننا نتنازل عن العودة”. استأذن العجوز ثم عاد يحمل معه مفتاح بيته في فلسطين وقد اعتبره شيئاً نفيساً، واستطرد قائلاً: “كلنا نحتفظ بمفاتيح بيوتنا. نحن هنا بصورة مؤقتة”.

وقبل الختام، لا بد لهذا الكتاب الناقد أن يحظى بشيء من النقد الأدبي لا سيما من قرّائه العرب وقد خصّهم. إنه كتاب سليم اللغة واضح المفردات، جاءت كلماته على سجيتها عكس ما تميل إليه بعض كتابات المستشرقين/المستعربين من استخدام ألفاظ ممعنة في الفصاحة استخرجوها من بطون قواميس لغة الضاد، تستعصي على فهم أبناء يعرب أنفسهم. وهو كذلك مسترسل بانسيابية في سرد الأفكار حول موضوعاته المختلفة، ومثير في أسلوبه الأدبي لعاطفة القارئ، سواء سلباً أو إيجاباً. غير أنه بالفعل جاء خصب الخيال في إيراد الكثير من الأمثلة لتوضيح فكرته وتعزيز رأيه، كما أنه مباشر وجذاب في عنوانه، حيث يُقرأ الكتاب منه، بل ويثير الفضول نحو قراءته فعلاً ولربما التحفظ بعد قراءته! بالإضافة إلى هذا، فهو كتاب موضوعي حيادي رغم العاطفة المتأصلة بين الكاتب والعرب الذين جعلهم موضوع كتابه، وكما كان يؤكد باستمرار “أنني أعطيت القضية العربية عمري كله، فمن حقي -ربما- أن أقول شيئاً”.

أخيراً، أختم في أسى وأنا أشاهد قومي العرب كما شاهدهم المستعرب من خلال مرآته اليابانية صامتون ذاك الصمت الذي يجهر مدوياً في جلّ حركاتهم وسكناتهم! وأتساءل معه تلك التساؤلات “البسيطة والصعبة” وقد طويت الكتاب لكنها رافقتني كما رافقته من ذي قبل: “لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطائهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ وكم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطائهم ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم؟” .. وما أشبه الليلة بالبارحة!.

كتاب يبدو أنه كان محظوراً عند إصداره، وقد وصل إلى مكتبتي من مدينة لندن حينها. وأنها لمفارقة أن يتطرق المستعرب في كتابه إلى التعسف السياسي العربي الواضح من خلال إحكام الرقابة، ومصادرة الكتب، وتكميم أفواه الكتّاب!.

قرأته .. وأعدت قراءته بعد أعوام للمرة الثانية .. وقد أقرأه للثالثة، علّ تاريخ العرب في الثالثة لن يعيد نفسه!.

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 23 مارس 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5079.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 24 مارس 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5080.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

 

كتاب/ الألم النفسي والعضوي – المؤلف/ د. عادل صادق

إن هنالك أبعاداً وجدانية للآلام الجسدية

 

 

هل يمكن للألم العضوي أن يُستثار فيتضاعف أو يُهمل فيخبت؟ إن هذا التفاعل المتناقض ليس سوى انفعالاً وجدانياً مصدره (العقل) وحده، يصبّ في حقيقة (الألم) كمعنى، أو بالأحرى معنىً خاص يتشكّل بصورة أو بأخرى لدى كل إنسان على حدة، حسب الشخصية أو الموقف أو التوقيت أو الاستعداد، وغيرها من عوامل في قائمة لا تنتهي. في هذا المعنى، يعرض المؤلف رأيه العلمي بلغة عذبة مستخدماً أسلوب السهل الممتنع رغم مادة الكتاب العلمية الخالصة، والتي تصل بالقارئ في نهاية المطاف إلى قدر عالٍ من التصالح النفسي والسلام الداخلي. غير أن الكتاب لا يصلح للقارئ “الموسوس” الذي قد تلحق به علّة ما من حيث لا يحتسب تعود لهواجسه وحسب، والتي تحيل كل مرض عضوي لسبب نفسي، ظاهر أو خفي!.

وعن المؤلف، فهو د. عادل صادق (1943 : 2004)، تعلّم وتخرج في كلية الطب عام 1966 نزولاً على رغبة والده، رغم ميله نحو الأدب والفن الموسيقى، ثم حصل على درجة الدكتوراة في الأمراض العصبية والنفسية عام 1973، وعمل أستاذاً للطب النفسي والأعصاب بكلية طب عين شمس. شغل مناصب أخرى منها رئيس تحرير مجلة الجديد في الطب النفسي، وأمين عام اتحاد الأطباء النفسيين العرب، وافتتح عام 2000 مستشفى يحمل اسمه لعلاج الإدمان والأمراض النفسية لا يزال تمتد شهرته على مستوى الشرق الأوسط. عُرف بالنبوغ منذ صغره وبدماثة الأخلاق وإخلاصه للعمل وسعيه الحثيث نحو رفع وعي المجتمع بالمرض النفسي وسبل علاجه، وذلك من خلال مؤلفاته وأبحاثه التي تجاوزت الثلاثين إصدار، والتي أهلّته عام 1990 للحصول على جائزة الدولة في تبسيط العلوم.

يعالج المؤلف من خلال كتابه القصير سبعة مواضيع رئيسية. فيبدأ في الفصل الأول -وبشيء من فلسفة- بالحديث إجمالاً عن الألم، كإحساس وكانفعال وكعقاب للذات وكوخز للضمير وكبديل للصراع وكتعبير عن العدوان وعن الحب أيضاً، لينتقل في الفصل الثاني إلى الحديث تفصيلاً عن الأمراض النفسية وارتباطها بالألم، كالقلق والهستيريا والفصام والاكتئاب والتوهم المرضي، في حين يعرض في الفصل الثالث أنماط الشخصيات من منظور علاقتها بالألم، كالشخصية القهرية والشخصية الهستيرية والشخصية القلقة. أما الفصل الرابع فيوّضح فيه المؤلف ماهية الأمراض النفسجسمية متطرّقاً إلى الآلام المصاحبة لها، كالصداع والروماتيزم وآلام الوجه وآلام أسفل الظهر، بينما يخصّ الفصل الخامس للمرأة وللحديث عن آلامها كأنثى وكأم، وعن آلامها المرتبطة بطفلها تحديداً وقد أسماها بـ (المحيّرة). وقبل الختام، يُفرد المؤلف الفصل السادس لطرق العلاج، ومن ثم يختم في الفصل السابع حديثه عن معنى الحياة، وكيف أن الحياة بلا ألم إنما هي حياة بلا معنى .. أو بكلمة أخرى هي (الموت).

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثانية للكتاب والصادرة عام 2015 عن دار الصحوة للنشر والتوزيع، وهي تستلهم من كنوز المؤلف المعرفية ما يبعث على الأمل، وتقتبس منها نزراً يسيراً بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • المخ مركز الإحساس بالألم، وبدونه لا شعور للألم .. وكأنه سيد الأعضاء، على الرغم من أن المخ لو قُطع بسكين لما شعر الإنسان بشيء “ومن العجيب أن نعرف بعد ذلك أن المخ هو الذي يدرك الألم الصادر عن أي مكان في الجسم”. ومن العجيب كذلك أن يتم إدراك الألم في عضو ما دونما أي استثارة لنهاياته العصبية، فقد يسمع إنسان ما صوت جرس دون وجود جرس حقيقي، كما يستشعر مريض ما ألماً في رجله رغم بترها. إذاً إن للعقل دور حيوي، إذ يتدخل فيجعل من الألم (عملية وجدانية)، إما أن يستشعر الألم ويضخّمه، أو أن يستبدله بشيء من الرضا والمرح، وكل هذا يعتمد في الأساس على استعداد الإنسان وعلى انفعالاته وتوقّعاته وتاريخه مع الألم. عليه، لا بد وأن يتعاطف الإنسان مع ألمه، فينحاز أو يميل، إذ أن حيادية المشاعر تعني التبلد .. تعني الموت، ولا يصاب بهذه الحيادية إلا المريض العقلي.
  • إن المسار الحقيقي للألم يبدأ من العقل وينتهي في الجسد .. من الوجدان إلى العضو، إما حقيقة أو وهماً، وقد تكثر الأوهام وقد يتمسك بها المريض طالما أنها تحقق له منفعة ما .. قد نكون فعلاً نحتاج لآلامنا! ومن هذه الحقيقة يرى المؤلف أن الألم يرتبط وبقوة بالحب، فقد يحتاج إنسان ما لحظة موته إلى الحب، فيبثّ عقله ألماً إلى جسده فوراً، فينادي على من يحب ليحصل على آخر جرعة حب .. الألم هو النداء، وهو استعادة لخبرة حب أو لحظة حب أو موقف حب .. وقد يموت شريك عمره أو رفيقه العزيز، فتزوره آلام في نفس الأعضاء التي تألم منها شريكه، كنوع من التعبير عن الأسى! يستمر المؤلف وهو يكشف جانباً من الإنسان يحرص على إخفائه، فقد يكبر أحدهم ويتعلم وينضج ويوصف بالمتزن والعاقل، غير أنه في لحظة ضعف إنساني واحدة كخوف أو وحدة أو تعب أو تهديد، يفزع الطفل في داخله فيصرخ منادياً على من يحب أن: “كن بجانبي وابعث الدفء في وحدتي”.. ألم داخلي يمتزج بألم خارجي! أيهما الأصل وأيهما الصورة يا ترى؟ لكنه يبدو من ناحية أخرى ألماً ضرورياً، حيث يأتي الألم أحياناً ليحمي الإنسان بشكل ما .. إنه حقاً ضروري كالأكسجين! فعند موت إنسان عزيز لا بد وأن تكون معاناة الألم عند شريكه أقوى من معاناة الفقد، وإلا فقد عقله، فمن غير الأكسجين تموت خلاياه ومن غير الألم تموت نفسه. لكل منا عزيز، يرقى ارتباطه به ليصبح كرباط الجسد، ويصبح موته كفقد جزء من هذا الجسد. يقول د. صادق: “إنه شكل من أشكال التوحّد التي لا غنى للإنسان عنها في رحلة حياته .. وإلا مات الإنسان”.
  • يتوقع المؤلف أن حياة بعض المرضى ستضطرب لو أن عقاراً سحرياً شفاهم كلية من أمراضهم التي عانوا منها سنيناً طوالا، حيث إن هذا الألم كان في حقيقة أمره (دعامة) وعامل استقرار لهم، فلما زال، زال الأمان، وأصاب حياتهم بالارتباك! يستطيع الجسد تحمّل آلاما جمّة، لكن النفس لا تستطيع حمل صراعات الهزيمة والفشل والموت، فيأتي الجسد ليحيط بالنفس كالمظلة. يقول د. صادق: “الجسد مظلة تحيط بالنفس .. مظلة تتلقى أشعة الشمس الحارقة فتكتوي بها وتمنعها عن النفس”. وفي حديثه عن الاكتئاب، يعترف له أحد أساتذته بأن الاكتئاب يسبح في دمه، ويحيله ناراً يشعر بلسعها في جسده وفي ملابسه، تكاد أن تصيبه بالجنون. يقول د. صادق: “معظم الناس تنسى أنها ستموت” ويستطرد ليقول: “المكتئبون يرحبون بالموت”. لذا، عادة يشير المريض العضوي إلى ألمه، لكن لا يستطيع المريض النفسي فعل ذلك! إن مرضه أفدح فتراه يشير إلى السماء.
  • يشرح المؤلف حالة أم لم تجد ابنتها في نهاية يوم دراسي وهي تنتظرها كعادتها عند بوابة المدرسة، فصعدت الدماء إلى رأسها عندما نهشتها أوهاماً مخيفة كاختطاف ابنتها أو قتلها، ما أصابها بالصداع المزمن من وقتها، على الرغم من أنها وجدت ابنتها أمامها في لحظة أوهامها تلك! لا تزال تلك الأم تعتقد أنها مصابة بورم في المخ بسبب هذا الصداع المزمن. وفي حالة أخرى يصف المؤلف صاحبها قائلاً: “ينفجر رأسه بالصداع أو يشتعل بطنه بالأوجاع” .. إنه صاحب الشخصية القهرية، حيث أن القلق هو أهم حالة نفسية تصيب الإنسان بالصداع، وقد يتزامن بتزامن القلق في حياة الإنسان، وفي أسوأ الحالات يصيب حياته بالشلل .. فلا تفكير ولا تركيز ولا عمل. يقول د. صادق: “وفي حالة القلق المزمن يألف الإنسان الصداع بحكم العشرة وتمضي حياته والصداع في رأسه أو على رأسه”. وعلى الرغم من أن أصحاب الشخصية القلقة ترعبهم فكرة الموت، إلا أنهم يعيشون زمناً أطول عن أصحاب الشخصيات الأخرى، وذلك حسب آخر (مفارقات) التقارير العلمية. ومن ناحية علمية كذلك، لم يُعرف حتى الآن سبباً قاطعاً للصداع النصفي، ويُعتبر الأذكياء والطموحين والمثقفين أكثر عرضة للإصابة به، وعندما يصيب الصداع الرأس، تتأثر الأوعية الدموية والأغشية والعضلات ماعدا المخ! عجباً له، فهو كالسيد، يصدر عنه الألم لكنه لا يشعر به. واستكمالاً لأنماط أخرى من الشخصيات، فإن الشخصية الهستيرية تقيم مجزرة ضد دبوس لا يرى بالعين المجردة قد اقترب منها عن غير قصد وأحدث جرحاً بريئاً، كما أن الويل والثبور قد يطول من حضر الحادثة الشنعاء ولم يبدِ تعاطفاً. تتأثر هذه الشخصية بالإيحاء، كما أن الافتقار إلى التحليل الموضوعي هو أحد سماتها، وهي شخصية تستمر بالصراخ حتى بعد انقضاء الألم. بعد كل هذا، يؤكد المؤلف أن عذاب الإنسان في حقيقته مركب، فيبدأ بنقطة باهتة تنتهي إلى جبل شاهق، وهو يستمر يخلق لنفسه سلسة من عذاب تلو عذاب يلفها بيديه حول عنقه، في حين يتصارع مع ذاته ومع رغباته التي قد تتعارض مع الدين والعرف، فتُكبت تلقائياً في اللاشعور.
  • يزداد الألم النفسي عندما يرتبط بألم المفاصل الذي يعوق الحركة ويعيق الحياة بأكملها، فيضيف الألم النفسي حملاً آخراً على المفاصل، ويزيد من حدّة ألمها. قد ينجم مرض الروماتيزم عن فورة غضب أو فقد عزيز أو خسارة صديق، فيؤثر هذا الانفعال على جهاز المناعة والذي يؤثر بدوره على المفاصل. ويحدث أن “يتيبس” أحدهم في مشاعره كما “تيبست” مفاصله، إذ يصبح أكثر حدّة وأكثر بعداً حتى عن المقربين منه. وفي صورة أخرى، قد تؤدي آلام أسفل الظهر إلى إصابة أحدهم بالعجز الجنسي، والعكس وارد أيضاً، فقد يؤدي العجز الجنسي في التسبب بالحرج الذي يصيب بالتالي أسفل الظهر بالألم، فيصبح هذا الألم شمّاعة عجزه وليس العكس. وفي حالات أخرى، قد تتفوق الزوجة علمياً وعملياً ومادياً واجتماعياً على زوجها، فيُقصم ظهره كحيلة لمداراة عجزه الجنسي الناشئ عن نفوره من زوجته، والذي هو في حقيقته نفور بسبب فشله أمامها.
  • وعن الأمراض النفسجسمية، تشير التقارير إلى أن 50% من المرضى الذين يعانون من آلام في البطن والصدر لا يعانون فعلياً من أي مرض عضوي، فهي آلام تعود لأسباب نفسية. وتسجّل التقارير أيضا 40% من الحالات التي تضطرب فيها وظائف الجهاز الهضمي لأسباب نفسية، دون العثور على أي مرض عضوي مباشر. غير أن للنفس أفاعيل أخرى، حيث ترتسم “كلمة الحب” على وجه المحب تلقائياً .. إنها أعصاب الوجه الخاصة بالعاطفة والتي تتغذى بالإحساس والوجدان. يقول الحبيب عندما قرأ كلمة “أحبك” على وجه حبيبته قبل أن تنطقها: “وحين امتلأ وجدانك حباً استرخت عضلات وجهك بالبهجة واتسعت عيناك بالسرور واجتمع الشوق مع الفرحة ليسيطرا على شفتيك فخرجت من بينهما الكلمات راقصة بفرح”. ويعقّب د. صادق قائلاً: “وما زال العلم عاجزاً عن تفسير ذلك النور الذي يملأ الوجه حين يشعر الإنسان بالحب والسلام والطمأنينة”. لكنه يقول في موضع آخر: “سالت دموعها فرحة أنه لم يعرف أنها تتألم، وسالت دموعه فرحاً أنه جعلها تشعر أنه لم يعرف أنها تتألم” …. في تعبير مؤلم لقصة أكثر إيلاماً أوردها في كتابه.
  • إن لحظات الولادة أشبه بلحظات تتويج ملكة! الألم هناك في رحمها فقط، لكن عقلها ووجدانها يهتزان فرحاً. تبكي وقد يبكي وليدها لبكائها، لكنها تستعجل ولادته لا للخلاص من آلامها بل ليكتمل زهوها به. وهناك ثمة علاقة سادية-مازوخية .. المعتدي هو الرضيع والمعتدى عليها هي أمه!.

يختم د. عادل صادق حديثه العذب عن الإنسان وهو يقطع طريقه بين الرجاء في الحياة وبين الموت المحتّم، فما الموت إلا (رحمة) في أحيان لا يُرتجى سواه، فيقول بيقين المؤمن: “وقد يجيء الموت في لحظة يتصاعد فيها الألم إلى أقصاه .. وفي ذلك رحمة، لأنه مع هذا الألم الشديد تهون الحياة ولا يشعر بالأسف لمغادرتها فقد كانت كلها حتى لحظاتها الأخيرة معه مصدراً لكل ألم”. وما الألم سوى (نعمة) يُعطي الإنسان -بعد أن يبرأ منه- دفقة جديدة للحياة وبمفهوم آخر عنها، فهي تستحق العيش مهما كان. فيقول: “إنه الرضى الذي يملأ النفس سروراً فيجعل للألم مذاقاً مقبولاً”.

وأختم بدوري بعبارة تستخلص الحكمة من قول الحكيم عن الألم، الذي وإن كان يُفسر علمياً كإنذار لخلل بيولوجي أصاب أحد أنسجة الجسم .. فإنه ألماً يعطي للحياة المعنى .. وأي معنى؟!

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 30 مارس 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/03/5084.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 31 مارس 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5085.pdf

 

عدد القراءات:29 قراءة