الكتاب
حياتي في الإعلام
المؤلف
دار النشر
مركز الجزيرة للدراسات
الطبعة
(1) 2015
عدد الصفحات
95
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
05/25/2025
التصنيف
الموضوع
إعلامي متوحش في موسوعيته
درجة التقييم

حياتي في الإعلام

هنا إعلامي يبدو كـ “الوحش”* في موسوعيته .. والذي حين أراد أن يتبسّط لمتابعه الشغوف، أصدر كتاباً عدّه يسيراً -فضلاً عنه كتيباً في نظره- في سيرته المهنية، ضمّنه جلداً لذاته لا يخفيه .. غير أنه لا يقل ثراءاً عما يروي فيُطرب وعما يقول فيُسمع!

إنه بالضبط ذلك الإعلامي الذي تسع طلته الشاشة ومخارج أحرفه الأسماع وموسوعيته العَجب والإعجاب! إنه ببساطة (عارف حجاوي 1956) كاتب ومدرب وإعلامي من فلسطين، تنقّل في مهنته بين هيئة الإذاعة البريطانية وقناة الجزيرة الإخبارية ومحطة التلفزيون العربي، كما عمل مدرباً إعلامياً، إضافة إلى مؤلفاته التي اختصت باللغة والشعر والنحو، وغيرها من إصدارات أدبية وروائية وفكرية.

وفي كتابه هذا، يرصف كلماته بدقة .. كل كلمة في موضعها، فلا زائدة هنا ولا ناقصة، وهو الذي يصرّح بأنه يكتب بلغة المستمع لا القارئ أو المتحدث لا الكاتب .. أيهما أدق في المعنى! وقد جلس خالياً من فيسبوك وتويتر وواتساب، متفرّداً بحاسوبه الذي بلغ فيه قصارى ما بلغ، الضرب على حروفه.

ومع أن الكتاب يُقرأ في نَفَس واحد، فالقارئ يخرج بحصيلة معلوماتية ثرية، علاوة على أن الكاتب -حسب ما عنون وتحدث- فهو يحكي سيرة مهنته التي لم تكن عادية، حيث المحطات والاعترافات والأمنيات والرؤى والحكمة وخفة الروح، ونتف من سخرية، والكثير من رونق اللغة العربية وسحرها الذي لا يخبت أثره! كم كان مؤثراً -وقبل البدء بالحديث- أن يُطري والده الذي أبى أن يعمل حائكاً مثله ومثل جده، كصنعة وجدها تحتضر بعد أن هجم “الجاهز” حسب تعبيره … وكما قال: “وقبل أن يموت، كان قد وجهني مع أخوين وأختين لي إلى الهواية الفلسطينية المفضلة: التعليم الجامعي. وما مات حتى رآنا جميعاً قد حملنا الكرتونة” …… وما أعظمها من هواية!

وكأنني كنت فوق البساط السحري لم أرغب أن أترجّل .. والكتاب يقع فيما يلي من مواضيع، حصد بها رصيد أنجمي الخماسي كاملاً ولم يبق:

  • ‎التعليم
  • سيرة إعلامية أخرى: أندرو مار
  • ‎ما العمل؟ الصحافة
  • ‎رجع إلى رحلتي في الحياة
  • ‎زواج وعمل
  • ‎أنا وأنت واللغة الإنجليزية
  • ‎الأداء الإذاعي صوت وصمت
  • ‎الكتابة
  • ‎العودة إلى قصة حياتي
  • ‎في قناة الجزيرة
  • ‎رئيسا للتحرير
  • ‎مرة أخرى في الجزيرة
  • ‎أنا من ضيع في الأوهام عمره

ومنها، أدوّن ما راق لي وأقتبس شذرات (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، وقد اخترتها عن قصد لترسم للإعلامي ثلاثة أوجه: المتواضع تجاه نجاحه، والمهني تجاه الأداء الإذاعي، والمتأمل في مسيرته .. كما يلي:

  • بعد أن يعترف الإعلامي لنفسه مخادعتها أربعين سنة، يشتغل بالأخبار والصحف والإذاعات والشاشات وتشغله بدورها، “ولست برجل أخبار” كما قال في موضوع (التعليم)، يقدم عصارة تجربته كنصيحة يوجهها للقارئ قائلاً: “الناجح حقاً من يعرف قدر نفسه، فيضع هدفاً نصب عينيه ويسير نحوه بخط مستقيم، ولم أكن قط ناجحاً، فإن كنت مصرّاً على متابعة قراءة قصتي فاعلم أنك لن تتعلم منها كيف تنجح، ربما فقط كيف تتجنّب الفشل”.
  • يستمع إلى بعض المذيعين، فإذا بهم يجوّدون نشراتهم وهم لا يفهمون ما يقولون، ويستمع لنشرته الأولى التي سجّلها زميله وأسمعها له بعد حين، فيجد قراءته رديئة ملفوظة على “طريقة المدارس”. لذا، يقول في (الأداء الإذاعي صوت وصمت): “عرفت بالحدس أدوات الإلقاء، وجربتها على آذان من كان يستمع إلى إذاعة لندن، ثم إنني سترت عيوب صوتي بستر آخر، هو الثقافة”.
  • ومن مشرف على معهد الإعلام في جامعة بيرزيت، إلى مدير للبرامج في قناة الجزيرة، يستدعي من ذاكرته تداعيات حادثة سببّها مدير الجامعة أضرت بزملائه المدراء، لكنها منحته سبباً للانتقال! يقول في (العودة إلى قصة حياتي): “كنت دارساً ومدرساً في جامعة بيرزيت، ولا أحد أفضل منها في الدنيا، فهذه الجامعة التي هي أول جامعة عربية على أرض فلسطين حافظت على مناخ من النقاش والحرية ندر أن تجده حتى في جامعات أوروبا. لكن، كما قال أبو تمام:
    وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ        لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ
    فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً            إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَلَيهِم بِسَرمَدِ

ولأن السيرة المهنية تُكتب عادة بقلم صاحبها، فهي تتمتع بحرية الانتقاء التي يعاينها القارئ كما استعادها صاحبها لا كما لو كُتبت بقلم آخر محايد .. غير أن عارف حجاوي بما أشاع من تهكّم حول نفسه، واعتراف بإخفاق أو سوء تقدير عدّه هكذا، فهو يخفف من وطأة الذاتية، بل يبدو في بعض الأجزاء كالذي يقسو على عارف حجاوي أكثر مما قد يفعل قارئه! ما من شك أن هذه الجرعة من الصراحة تضفي قدر من المصداقية، وإن كانت السيرة قد اختزلت بعض التفاصيل التي ربما تاق القارئ لمعرفتها، لا سيما وهي تعكس تجربة إعلامية امتدت بين جهات وأزمنة وتحولات كبرى.

ختاماً أقول: يبدو أنها سيرة أعطت للإعلام أكثر مما أعطى الإعلام لصاحبها، كيف لا وقد دخل وهو يحمل إليه اللغة والثقافة والكثير من الفضول الشخصي، وخرج منه بحكايات وتجارب واعترافات لا تخلو من نبرة سخرية على الذات. فبين المدن والمحطات التي تخللها التعليم والكتابة والصمت والصوت، يقدم هذا الإعلامي درساً ربما لم يصرّح به، مفاده أن مهنة الإعلام قد تمنح صاحبها منبراً أمام شاشة، لا يبقى منها بعد اطفائها سوى ما أضاف هو إليها من عقل ولغة وذات متفرّدة .. ولعل صفة “الوحشية” التي استهل بها هذا الحديث، لا تكمن في غزارة معرفية وحسب، بل بالأحرى شراهة معرفية أبقته -بعد مرور كل تلك السنين- طالباً للمزيد من اللغة والحياة معاً.

* يأتي وصف (الوحش) كاقتباس من موقف واجهه الإعلامي وأفاد منه رغم قساوته .. فليقرأ الكتاب من أصابه الفضول!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (47) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2025 والذي حصلت عليه من معرض للكتاب، وهو في الترتيب (9) ضمن قراءات مايو التي بلغت (15)!

من فعاليات الشهر: صاحبت بداياته انعقاد معرض الكتاب الذي حرصت على حضوره بالطبع، وقد خرجت منه بحصيلة كتب تجاوزت (230) كتاب .. وذكرى طيبة في ملاقاة الأصدقاء من جديد!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: بالخلاص يا شباب / قبعات التفكير الست / الغرب المختطف / حياتي في الإعلام / فن الترجمة / كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف / هذا هو الإنسان / أميرة الأندلس

تسلسل الكتاب على المدونة: 647

تاريخ النشر: مايو 29, 2025

عدد القراءات:1125 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *