يُعد هذا الكتاب من أكثر أعمال الفيلسوف الألماني شوبنهاور إثارة للفضول وأوسعها انتشاراً خارج الدوائر الفلسفية المتخصصة. وهو إن انتشر عربياً بالعنوان الظاهر، فهو يُترجم أكثر دقة من نصّه الألماني إلى «فن الاحتفاظ بحقك» أو «فن الظفر في الجدل». ومما يثير الانتباه كذلك، اختلافه عن النمط التقليدي لفلسفة شوبنهاور التشاؤمية، إذ يظهر هنا مراقباً حاد الملاحظة للسلوك البشري، منشغلاً بآليات النقاش اليومية أكثر من انشغاله بالأسئلة الميتافيزيقية الكبرى التي دأب على مقارعتها!
يستعين شوبنهاور في مادة كتابه بملاحظات دوّنها حول الجدل والمناظرات، مستفيداً من التراث الأرسطي ودروس المنطق القديم تارة، ومن خبرته الشخصية في مراقبة البشر أثناء الخلافات الفكرية تارة أخرى، ساعياً في الأساس إلى فهم الكيفية التي يدافع بها الناس عن آرائهم، عندما تطغى رغبتهم في الانتصار على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة. لهذا، يبدو الكتاب أقرب إلى مختبر نفسي للجدال الإنساني منه إلى كتاب في المنطق بالمعنى العلمي الدقيق.
بشكل عام، يعرض الكتاب مجموعة من الأساليب أو بالأحرى الحيل الجدلية التي يستخدمها بعض الأفراد أثناء نقاشاتهم، حيث يعمد شوبنهاور إلى تصنيفها وشرح آلية عملها وتأثيرها في الخصوم، والتي تتضمن: تغيير موضوع النقاش، المبالغة في عرض رأي الطرف الآخر، استغلال الغموض اللغوي، إرباك الخصم، اللجوء إلى الاستفزاز الشخصي، استثمار نقاط الضعف النفسية لدى الخصم …….، إلى جانب عدد كبير من التقنيات التي قد تؤدي إلى كسب الجدل حتى عندما تكون الحجة الأصلية ضعيفة، وقد رتبها على هيئة قائمة متتابعة من الاستراتيجيات -أو بالأحرى “الحيّل”- التي يمكن ملاحظتها في الحياة العامة والمناظرات الفكرية والسياسية.
تكمن فرادة الكتاب في تسليطه الضوء على أحد جوانب الطبيعة البشرية التي عادة ما يتم تجاهلها في أمور الحوار وما يلزمه من عقلانية، فجلسات النقاش لا تبدو عادة وكأنها تُدار وفق قواعد البحث المشترك عن الحقيقة، إنما تتداخل فيها اعتبارات المكانة والهيبة والكبرياء والرغبة في إثبات الذات، في كثير من الأحيان! ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي يكشف الفجوة بين الحوار كما ينبغي أن يكون، والحوار كما يمارسه الناس في الواقع.
أما شوبنهاور -وهذه من أكثر الجوانب إثارة في عمله- أنه لا يكتب بقلم الواعظ الأخلاقي، حيث يبدو في نبرته أقرب إلى المراقب الذي يشرّح آليات لعبة تدور رحاها بالفعل، الأمر الذي يجعل من (وعظه) يبدو كدليل لتشخيص الخداع الجدلي أكثر من دليل لممارسته، بل إن القارئ مع استمرارية القراءة، يجد نفسه كالذي بدأ بالتعرف على أنماط مألوفة صادفها في النقاشات السياسية والإعلامية والثقافية، بل وربما في حواراته الشخصية كذلك.
رغم ما سبق، فالكتاب يحمل حدوده الخاصة! فمع تركيز الفيلسوف على جانب الصراع من الجدل، يبدو كالذي يقدم صورة متشائمة نسبياً عن التواصل الإنساني، كما أن بعض الاستراتيجيات -أو التي أسماها بـ “الحيل”- تبدو مرتبطة بسياق أقرب للسجال منه إلى حوار فكري. لذا، فإن قراءة الكتاب كدليل عملي للانتصار قد تفضي إلى إساءة فهمه، رغم أن قيمته الحقيقية تكمن في اعتباره دليلاً لفهم آليات التلاعب والمراوغة داخل النقاشات.
ختاماً، يبدو أن لهذا الكتاب حضوراً أكثر حيوية في عالمنا المعاصر، لا سيما ووسائل التواصل الاجتماعي الفعالة على مدار الساعة، والجدالات السياسية، والمناظرات الإعلامية …..، تكشف عن استمرارية الحيل التي وصفها الفيلسوف قبل قرنين من الزمان، والتي لا تزال تعمل بنفس الكفاءة. على هذا، يخرج القارئ من الكتاب بقناعة تتعلق بإشكالية النقاشات البشرية التي قد لا تنجم دائماً لضعف الأدلة، بل لصعوبة مقاومة الرغبة في الانتصار .. وهذا الانطباع تحديداً هو ما يمنح الكتاب راهنيته حتى اليوم!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (42) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو ثاني ما قرأت في شهر مايو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: بعد تجربة المشاركة في تظاهرة ثقافية حضارية -ظننتها كذلك بصفة المنتسبين لها- إذ بي أخرج منها بيقين مفاده: أن الروح الراقية، وإن ترفّعت عن الشر، فإن الابتذال المقنّع يُنهكها ……….. يا له من عالم منافق!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر لنفس الفيلسوف: فن العيش السعيد
تسلسل الكتاب على المدونة: 792
التعليقات