يُعد هذا الكتاب من أكثر النصوص العربية جرأة في نقد السلطة المطلقة وآثارها في الإنسان والمجتمع والدين والعلم والأخلاق، حيث الكواكبي وهو لا يتناول الاستبداد كمجرد خلل سياسي ذو حدود، فهو يتصدى له كمنظومة كاملة تعمل على إفساد التفكير وتقويض الدين وإضعاف الأخلاق، فضلاً عن تحويل الشعوب إلى كائنات خائفة، بل ومتواطئة أحياناً مع قيدها.
ما من شك أنه كتاب سابق لزمانه ما يجعل من قيمته الأولى تكمن في أسبقيته هذه، لا سيما من خلال الوعي الثاقب بآليات السيطرة الناعمة، من خوف وجهل وتزييف، إلى صناعة الهيبة وترويض العلماء وتدجين العامة، انتهاءً بتحويل الدين إلى أداة طاعة! لا غرابة إذاً أن يكتب الكواكبي بلغة إصلاحية حادة، وبوعي سياسي عميق، وبغضب أخلاقي لا يزال منضبط.
بعبارة أكثر تفصيلاً، يتناول الكتاب ابتداءً معنى الاستبداد، وأثره في الدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والتربية والترقّي، الأمر الذي يقوده فيما بعد لبحث سبل مقاومته والخروج من دائرته ومحيط صانعيه. عليه، يبرع الكواكبي في رسم صورة المستبد كحاكم بأمره يستند هو بذاته إلى الجهل والخوف والمصلحة، فيوضح مدى حاجة المستبد بطبعه إلى أعوان، من علماء ممالئين وأصحاب مصالح ومتملقين كُثر، وعامة جرى إضعاف وعيهم بقصد، كما يناقش علاقة الاستبداد بتأخر الأمم، وانقلاب الدين حين يتم تسخيره لتبرير الطاعة الجمعية، وانهيار الأخلاق عندما يفقد الناس حرية القول والفعل!
عليه، ما من شك في أن فكرة الكتاب المحورية ترتكز على تنصيب الاستبداد كأصل لاعتلال الاجتماع الإنساني، حيث الاستبداد كما يراه الكواكبي لا يقف عند حدود الحاكم، بل يتسلل بخبث نحو العائلة والمدرسة واللغة والخيال والمؤسسة الدينية، وطريقة الناس في فهم أنفسهم. لا يتوقف الكواكبي عند هذا الحد، بل إن أشد ما يلتقطه بذكاء هو حكم المستبد الذي لا يقوم على القوة وحدها، فهنالك مسرح كامل التجهيز يعرض تلك الهيبة المصطنعة الممزوجة بالجهل الممنهج، والمدعوم باستعداد طبيعي من خوف متوارث، وصمت يوصف للناس على أنه حكمة! عليه، يضمن المستبد أن الاستبداد بات ثقافة يومية عامة لا مجرد قرار سياسي تحت نطاقه!
يبرع الكواكبي بالفعل في عرض الاستبداد كمرض ذو أعراض مركّبة، فالعلم يتراجع لأن المستبد يخشى العقول المستقلة، والدين يضعف حين يتحول إلى خطاب خاضع للسلطة، والأخلاق تنهار لأن الإنسان المقهور يتعلم المراوغة والخداع والتذلل، والمال يتركز في يد طبقة ملحقة بالحاكم، والمجد يتحول إلى زينة كاذبة يتفاخر بها المقهورون كي يخفوا ذلهم. بهذا المعنى، تتجلى قيمة الكتاب كنص عبقري يبرع في علم الاجتماع السياسي، وفي فلسفة الحرية، وفي نقد البنى الثقافية التي تصنع الطاعة، كيف لا وهو يصوّر العلاقة بين الاستبداد والإنسان من خلال التشويه الذي يصيب تركيبته الفطرية في مقتل، فيكفل مسخه إلى شخصية قلقة ومترددة ومشوّهة وعاجزة عن قول الحقيقة حتى في دواخلها.
من ناحية أخرى، يصيغ الكواكبي أطروحته في أسلوب خطابي حاد ومكثّف لا سيما مع بعض المواضع التي لا تتحمّل التليين، إلا أنه في المجمل يعتمد أسلوب المصلح الرامي لإنقاذ أمته، لا مجرد باحث يكتب من برج عاجي. إن لغته تجمع بين التراث البلاغي العربي والوعي السياسي الحديث، وتستعمل التقسيمات والمقابلات والتحليل الأخلاقي بطريقة تجعل النص قريباً من المقال الفكري الطويل. وبينما قد يلاحظ القارئ بعض عباراته التي تحمل أحكاماً عامة، فذلك لأنها كُتبت بلغة زمانها، لا سيما فيما يتعلق بالجماعات والنساء والطبائع البشرية، وهي ملاحظة بطبيعة الحال لا تمس قيمة الكتاب الذي وُضع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بحيث يصبح من الإنصاف قراءته ضمن لحظته التاريخية، مع الاحتفاظ بحق نقده عند الحاجة.
وعلى سبيل النقد، يظهر الكواكبي في بعض الأحيان كالذي يُحمّل الاستبداد معظم أسباب الانحطاط، وهو رغم موضوعيته إلا أنه أحادي، إذ أن التأخر الحضاري قد يتسبب به عوامل اقتصادية ومعرفية واستعمارية ومؤسسية وثقافية، إضافة إلى العامل السياسي الصرف. رغم هذا، يكشف الكتاب ببراعة سبّاقة عن بصيرة نافذة في نفسية الطغيان ونفسية المقهور.
في الختام: لا يحسن تصنيف هذا الكتاب -وهو تراثي- ضمن تلك التي تشيخ، فالاستبداد في حد ذاته يدأب على تغيير جلده أكثر مما يغيّر جوهره .. وقد تتبدل الأسماء والرايات والوسائل، لكن تبقى الآلية القديمة حاضرة، أضلاعها سلطة تخاف الوعي، وجمهور يُدفع إلى الخوف، ونخب تجد مصلحتها في الصمت. عليه، يكتب الكواكبي كمن يقرع جرساً لا يريد له أن يتوقف، فرسالته سليمة: لا حرية بلا علم، ولا إصلاح بلا شجاعة، ولا نهضة مع عقل مُستعبد!
إنه كتاب موجع بإلحاح، وباق الصلاحية حتى الوقت الحاضر، بل أنه يضع القارئ الحصيف على يقين، بأن أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي يسكن داخل الإنسان بعد أن يغادره سوط الجلادين!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (38) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو في الترتيب (13) ضمن ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: حضارة البشرة
تسلسل الكتاب على المدونة: 788
التعليقات