في الأزمنة القديمة كان الجسد يُعاش .. في الحداثة صار يُدار .. وفي الحاضر يُعاد تصميمه! وداخل هذه المسافة الفاصلة بين العيش والإدارة والتصميم، يمضي كتاب (Ten Medeniyeti: Modern Kültürde Beden ve Ötesi). إنه بالأحرى يتعامل مع الجسد بوصفه بنية ثقافية متحوّلة، تتداخل فيها الفلسفة وعلم الاجتماع، والدراسات الإعلامية والتطور التكنولوجي .. وحيث المؤلف لا يكتفي بسؤال: ما هو الجسد؟ يذهب أبعد من حدوده ليسأل: ماذا أصبح الجسد داخل الثقافة الحديثة؟ وكيف سيكون عليه في المستقبل؟
يتناول الكتاب -الذي حمل عنوانه الفرعي توصيف بـ: الجسد وما بعد الجسد في الثقافة المعاصرة- تحوّلات مفهوم الجسد في الثقافة الحديثة، مع التركيز على انتقاله من كيان بيولوجي إلى موضوع ثقافي وإعلامي وتقني، حيث يناقش العلاقة بين الجسد والهوية، والجسد والاستهلاك، والجسد والسلطة، والجسد والتكنولوجيا، مستعرضاً كيف تؤثر وسائل الإعلام والإعلانات ومنصات التواصل والتطورات التقنية في إعادة تشكيل صورة الجسد ومعاييره. من ناحية أخرى، يعالج موضوعات مثل الجسد المثالي، وثقافة اللياقة، وعمليات التجميل، والتمثيلات البصرية، والامتدادات الافتراضية للجسد، إضافة إلى العلاقة بين الجسد والذات في ظل التحولات الرقمية، فيعرض أمثلة من الثقافة الشعبية، والنظريات الاجتماعية الحديثة، ليبيّن كيف أصبح الجسد موقعاً للتفاوض بين الفرد والمجتمع.
تفرض الفكرة المركزية للكتاب الجسد كمشروع، حيث الجسد لم يعد معطى ثابتاً بل أصبح مشروعاً مفتوحاً في حد ذاته، وحيث الثقافة الحديثة لم تعد تطالب الإنسان أن يعيش في جسده وحسب، بل أن يطوّره ويحسّنه ويعرضه ويقارنه. وبينما يدخل الجسد في اقتصاد الصورة، واقتصاد الرغبة، واقتصاد القبول الاجتماعي، يتحول الإنسان تدريجياً إلى مدير لجسده، ثم إلى مُسوّق له.
ولهذا، يركز الكتاب على ربط الظواهر اليومية بالبنية العميقة لثقافة العصر: اللياقة البدنية، عمليات التجميل، الفلاتر الرقمية، صور التواصل الاجتماعي …..، وهي التي يتم اعتبارها جميعاً عَرَض لثقافة لا تكتفي بالجسد كما هو، غير أن تضمين الكتاب التطور التكنولوجي في التحليل، يمنحه طابع الحداثة، فالجسد لا تنتهي حدوده عند سطح الجلد، بل هو يمتد إلى الشاشة .. إلى الصورة .. إلى النغمة .. إلى الحركة .. إلى النسخة الرقمية التي قد تكون أكثر حضوراً من الأصل! إن هذا الربط المثير بين الجسد والتقنية هو الحد الأقوى الذي وقف عليه الكتاب.
غير أن نقطة ضعفه قد تميل نحو أسلوب التجريد النظري، حيث يطغى المفهوم في بعض المواضع على حساب التجربة، التجريد الذي يشعر معه القارئ أن الجسد أصبح فكرة أكثر من صفته تجربة معيشية. من ناحية أخرى، لا بد أن تكثيف الإطار النظري قد يجعل بعض الأجزاء تبدو مغلقة في فكرتها، خصوصاً لدى القارئ الذي لا يملك خلفية في الفكر الاجتماعي الحديث. ماذا عن النقد؟ بالطبع هو حاضر إلا أنه غير كافٍ عند بعض الأجزاء التي تستدعي مواجهة مباشرة مع ثقافة الاستهلاك الجسدي.
وكمحصلة، إن زاوية الكتاب الأعمق تكمن في تقلّب الجسد بين الحرية والكبت، فالكتاب يلمّح إلى مفارقة مهمة مفادها أن البشر يظنون أنهم أكثر حرية في التعامل مع أجسادهم، في حين أنهم واقعون تحت ضغط معايير أكثر تعقيداً. وبينما تبدو ثقافة الجسد أكثر انفتاحاً على كافة الاحتمالات، فالجسد في الوقت نفسه، محاصر بصور مثالية لا يمكنه بلوغها.
في الختام، يضع هذا الكتاب قارئه أمام مرآة مصقولة إلى حد مزعج، تكشف عن علاقته بجسده التي لا تبدو بريئة كما يتصور، وحيث أن ما يعتقد به (اختيار شخصي) قد يكون استجابة متحايلة على ضغط ثقافي ضمني …! إنه كتاب آخر يثير شكوك القارئ ويتركه حائراً أمام جملة أسئلة مفتوحة لم يُحر الكتاب لها جواباً.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (35) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو عاشر ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: مقال عن المنهج
تسلسل الكتاب على المدونة: 785
التعليقات