BOOK0775 2
الكتاب
What Doctors Feel
المؤلف
دار النشر
Beacon Press
الطبعة
(1) 2013
عدد الصفحات
224
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/31/2026
التصنيف
الموضوع
عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث
درجة التقييم

What Doctors Feel

يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدر فيها النقاش حول كفاءة الطب، في الوقت الذي يُهمَل فيه سؤال أكثر حساسية: ما الذي يحدث داخل من يمارسه؟ فبينما ينجح الطب الحديث في نسخته التقنية المضطردة، من تحويل الجسد الإنساني إلى معادلة قابلة للتحليل، لا يحقق نجاحاً بذات القدر في احتواء تجربة الطبيب الإنسانية وهو يمارسه.. المعضلة التي تجعل من هذا الكتاب كاشفاً، وهو يفتح نافذة مغلقة على تلك المنطقة المظلمة التي تتقاطع فيها المعرفة مع القلق، وتُحاذى المسؤولية الخوف، ويرافق الإنجاز الشعور بالذنب!

ينطلق الكتاب من تصوّر غير معلن يعكس صورة الطبيب المثالي كوهم ثقافي أكثر منها واقعاً مهنياً ملموساً! فالطبيب كما تقدّمه التجربة المهنية، ليس كياناً محايداً مجرداً، بل كيان إنساني يعيش تحت ضغط مستمر يتزاحم بين متطلبات العلم المستجد واتخاذ القرارات وسقف التوقعات الاجتماعية. وحيث التكوين الطبي نفسه يساهم في خلق هذا التوتر كما تعتقد المؤلفة، فإن الأطباء يُدربّون ضمنياً على إخفاء مشاعرهم التي تبدو كعائق أمام القرار الحكيم، في حين أنها في الحقيقة جزء لا يتجزأ من هذا القرار! وبينهما تكمن المفارقة، إذ كلما حاول الطبيب التصرف بالعقلانية المتوقعة حيث الحيادية والموضوعية، ازداد خطر فقدانه للبوصلة الإنسانية التي تمنح قراراته معناها!

تستهل المؤلفة مقدمة كتابها فتقول: “بحلول الوقت الحاضر، يدرك حتى أكثر الأطباء تقليدية أن العواطف حاضرة في الطب على كل المستويات، لكنها غالباً ما تُدمج ضمن مفهوم عام يشمل التوتر والإرهاق، مع افتراض ضمني أن الانضباط الذاتي كفيل بضبطها. غير أن الطبقات العاطفية في الطب أكثر تعقيداً وانتشاراً مما نتصور. ففي الواقع، كثيراً ما تكون هي العامل المهيمن في اتخاذ القرارات الطبية، حيث تطغى بسهولة على الطب المبني على الأدلة والخوارزميات السريرية ومعايير الجودة، وحتى الخبرة الطبية.. وغالباً دون وعي من أحد! قد يُقال بسهولة إن الأطباء لا يختلفون عاطفياً عن المحاسبين أو السباكين أو فنّي إصلاح الكابلات، لكن محصلة سلوك الأطباء -سواء كانت منطقية أو عاطفية أو غير عقلانية- تحمل عواقب حياة أو موت بالنسبة للمرضى، أي بالنسبة لنا جميعاً”.

بيد أن الخوف يتوغل كقوة خفية في الممارسة الطبية كما تكشف المؤلفة (د. دانيللا أوفري)، وهي طبيبة الطب الباطني في مستشفى بيلفيو، وأستاذة في كلية الطب بجامعة نيويورك، والتي تنشر مقالاتها المتخصصة في المجلات والصحف الأمريكية المعروفة. فضمن أكثر أطروحات كتابها حدة، الخوف الذي يتوارى بين طيات المعطف الأبيض ويعمل كمحرّك خفي في البنية الطبية كاملة، حيث تأثيره الذي يمتد ليشمل التشخيص والفحص المطلوب والعلاقة مع المريض، خلافاً لما قد يتم اعتباره كاستجابة عاطفية عابرة! إن هذا الخوف في رأيها يتغذى من مصدرين رئيسيين: الخوف من الخطأ الطبي الذي قد يتحول من احتمال مهني وارد إلى تهديد وجودي، والخوف من المحاسبة القانونية الذي قد يعيد تشكيل الممارسة الطبية نفسها، وقد استحدث ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ (الطب الدفاعي)، حيث لا يعود الهدف الأول هو مصلحة المريض، بل تقليل المخاطر القانونية على الطبيب. ومن هنا، وبينما تتجاوز المؤلفة حدود السرد الشخصي، تقدّم نقداً بنيوياً للمنظومة الطبية ككل التي قد تكافئ الحذر المفرط أحياناً أكثر مما تكافئ الحكم الطبي الرصين.

ثم تنتقل المؤلفة لتضع العلاقة بين الطبيب والمريض في مخبر التحليل، فليست هي علاقة علاجية صماء بقدر ما هي علاقة معقدة ترتكز على عنصر الثقة كشرط أساسي -لا إضافي- لنجاح أي تدخل طبي! بيد أن هذه العلاقة تتعرض لتآكل مستمر بسبب عوامل متعددة، من ضمنها: ضغط الوقت، تدخل الأنظمة الإدارية، طغيان الطابع المؤسسي للرعاية الصحية، تنامي ثقافة الشك والمساءلة! في هذا السياق، يفقد اللقاء الطبي طابعه الإنساني تدريجياً، ويتحول إلى تفاعل تقني قصير يركز على الأعراض الصحية على حساب التجربة الإنسانية.

تصل المؤلفة بكتابها إلى ذروته الفكرية حين تميّز بحسم بين مفهومين غالباً ما يتم الخلط بينهما: (العلاج) أو القضاء على المرض، (الشفاء) والذي يعني مجازياً إعادة بناء المعنى الإنساني للتجربة. إن هذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، إنما فلسفياً في جوهره، فالطب الحديث رغم تقدمه الهائل، ينجح في تحقيق المفهوم الأول بدرجة عالية، بينما يترك الثاني في منطقة رمادية خارج نطاق القياس والتقييم، بحيث يزول المرض مع بقاء أثره النفسي والوجودي. ومن هنا، يتطلب دور الطبيب العلاجي تجاوزه نحو دور الشاهد على تجربة المريض ومرافقاً لها.

من ناحية أخرى، تتناول المؤلفة ما يمكن اعتباره أحد أكثر التحولات إثارة للجدل في الطب المعاصر، والذي يعني بترجمة جودة الطبيب إلى أرقام ومؤشرات، كمحاولة منها لنقد نظام القياس والجودة في المؤسسات الطبية. فهي تعتقد بأن هذه المقاييس رغم ضرورتها الإدارية، تعاني من اختزال مفرط، إذ تقيس ما يمكن قياسه بسهولة في حين تتجاهل ما يصعب قياسه مع أنه الأكثر تأثيراً.. الاختزال الذي يصدر معه الطبيب تقييم طبي وفق معايير جزئية، على حساب الحضور الإنساني المتمثل في التواصل مع المريض وفهم حالته الصحية بشكل أعمق. إن هذا الاختزال في حقيقته لا يؤثر على تقييم الطبيب وحسب، بل يعيد تشكيل سلوكه الذي قد يدفعه نحو نمط ممارسة يحابي النتائج القابلة للقياس على القيمة الإنسانية.

وخلافاً للمادة العلمية، تبرع المؤلفة في أسلوب الطرح والمنهج، حيث تضع بين يدي القارئ نصاً يمزج بين السرد الشخصي والتحليل النقدي، وهي لا تكتفي بعرض جملة من الأفكار، بل تُجسّدها من خلال حالات واقعية خبرتها أو عاينها أحد من زملائها، ما يمنح النص كثافة شعورية دون أن يفقد دقته الفكرية. رغم هذا، قد تميل المؤلفة في بعض الأجزاء إلى التعميم انطلاقاً من تجارب فردية، وهو أمر وارد في نمط الأعمال القائمة على الخبرة السريرية، إلا أنه أمر يستحق التنبه له عند القراءة النقدية.

في العموم، لا أجد هذا الكتاب يندرج ضمن كتب الطب التقليدية الموجهة للعوام، حيث يجمع بشمولية بين أخلاقيات الطب والسوسيولوجيا وعلم النفس المهني. بيد أن قيمته الأساسية لا تكمن في أي حلول جاهزة يقدمها -فهو لا يقدّم أي حلول- بل يطرح أمام الطبيب الأسئلة التي جالت بداخله وحار فيها، ويدفع المريض إلى إعادة النظر في افتراضاته حول الطب والمنتسبين له.

في الختام، قد لا يبدو أن هذا الكتاب يقدّم دفاعاً عن الأطباء أو يوجه نقداً لهم، بقدر ما يحاول فهم طبيعتهم الإنسانية التي تعمل عادة ضمن بيئة ضاغطة تفتقر أحياناً لما هو مطلوب من مظاهر إنسانية، الأمر الذي يؤكد على أن الطب في جوهره ليس علماً وحسب، بل ممارسة أخلاقية معقّدة تتطلب ما يتعدى العلم الصرف إلى الوعي بالإنسان في ضعفه وقوته!

وكسؤال ختامي يطرح نفسه في زمن ضاعف الاعتماد على الخوارزمية: هل يمكن للطب أن يبقى إنسانياً، دون أن يفقد قيمته العلمية؟

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (25) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي حصلت عليه من موقع (أمازون) في سبتمبر من عام 2024 ضمن مجموعة كتب باللغة الإنجليزية .. وهو آخر ما قرأت في شهر مارس ضمن عشرة كتب!

من فعاليات الشهر: يصادف العشرون منه عيد الفطر المبارك، الذي استأنف فيه القراءة كروتين يومي بعد أن كانت (ترفاً) في شهر رمضان المبارك.

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: سدهارتا

تسلسل الكتاب على المدونة: 775

تاريخ النشر: أبريل 5, 2026

عدد القراءات:57 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *