BOOK0782
الكتاب
بركة النساء: الدين بصيغة المؤنث
المؤلف
دار النشر
أفريقيا الشرق للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2010
عدد الصفحات
206
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
04/11/2026
التصنيف
الموضوع
البركة والأنوثة والمقدس الشعبي
درجة التقييم

بركة النساء: الدين بصيغة المؤنث

ما حال الدين عندما تقتات به الذاكرة الشعبية؟ وهل للبركة أن تنطق فيها بلغة نسائية؟

ينتمي هذا الكتاب إلى حقل الأنثروبولوجيا الديني، الذي يتناول الحضور الصوفي النسائي كما هو عليه في المجتمعات الإسلامية، لا سيما في السياقين المشرقي والمغربي، مع التركيز على تمثّلات البركة والولاية والتدين الشعبي لدى النساء.

قد تبرز أهمية الكتاب في تطرّقه لموضوع شاءت المدونة الدينية أن تبقيه على الهامش، حيث النساء في علاقتهن بالمقدس خارج المؤسسات الرسمية والخطاب الفقهي، وداخل مقامات البركة والأسطورة والطقس والذاكرة الشعبية، وحيث المؤلف لا يتناول الدين كنسق عقائدي مجرد، بل كحياة اجتماعية تنبعث في الأجساد والقرابة والمكان والكرامة، والاحتياج اليومي للحماية والمعنى.

بعبارة أكثر وضوحاً، يعرض الكتاب ظاهرة التدين النسائي من خلال مقاربة أنثروبولوجية تهتم بالتصوف والبركة والولاية في المجال الديني، مع عناية خاصة بالنماذج النسائية للقداسة الشعبية، فيعرض حضور المرأة ضمن الممارسة الصوفية، وصور الولية الصالحة، وتجسدات الكرامة، والطقوس المرتبطة بالزيارة والتبرك، والعلاقة بين الجسد الأنثوي والمقدس كما تتشكل في المخيال الاجتماعي، كما يحلل الكتاب نماذج مرتبطة بوليات صالحات كمدخل لفهم كيفية عمل البركة في المجال الشعبي، والقداسة وهي تتحول إلى تجربة اجتماعية وروحية تتقاطع فيها الحكاية والطقس والحاجة والذاكرة.

لذا، يفتح الكتاب نافذة على تديّن من نوع آخر ظلّ خارج مركز الاهتمام طويلاً، بالأحرى تديّن النساء كما يتم تصوّره وروايته وممارسته .. وهذا ما يميّز الكتاب في المقام الأول! فالمرأة في هذا السياق لا تظهر كموضوع سلبي في الحقل الديني، إنما كعنصر فاعل في إحلال البركة وتمثّل الوساطة الرمزية والقدرة على إنتاج معنى ديني مغاير لما ينتجه الخطاب الديني عموماً، وحيث تاريخ الأديان في المجتمعات الشرقية يُكتب غالباً بقلم الغالب المتمثل في زمرة العلماء والفقهاء والزوايا الكبرى، وأصحاب السند والمشيخة، في حين تبقى التجارب النسائية منحصرة في الهوامش ضمن حيّز الزيارة والنذر والحكاية والاعتقاد الشعبي والعلاقة اليومية بالطقس المقدس.

يمنح المؤلف هذه الهوامش شرعية بحثية، وهذا في حد ذاته موقف معرفي مهم، حيث لا يتعامل في كتابه مع التدين الشعبي النسائي كغرابة فولكلورية، بل كظاهرة تكشف بنية المجتمع، وموقع المرأة، وأنماط السلطة الرمزية، وحاجة الجماعات إلى تخيّل قنوات بديلة للبركة والحماية والشفاء. ومن هنا يصبح الحديث عن الولية والزيارة والتبرك حديثاً عن المجتمع بقدر ما هو حديث عن الدين.

يأتي العنوان شديد الدلالة وهو لا يعني تأنيث العقيدة بقدر ما يرمي إلى معاينة الدين في التجربة النسائية: كيف تعيش النساء المقدس؟ كيف يقتربن منه؟ كيف يمنحنه لغة جسدية وعاطفية واجتماعية؟ وكيف تصير البركة أحياناً مجالاً لتعويض نقص المكانة أو ضعف الحضور داخل البنية الاجتماعية؟

يلتقط المؤلف هذه المفارقة بذكاء، فالمرأة المهمشة في المجال الاجتماعي قد تكتسب داخل المجال الرمزي سلطة من نوع آخر، أي (الولاية النسائية). في هذا المعنى، تعمل المرأة على إعادة ترتيب للمكانة داخل المخيال الجمعي، بجانب أعمالها الروحية، لكن على المدى الطويل، حيث تُصبح أكثر حضوراً بعد موتها مما كانت عليه في حياتها، وقد يصبح ضريحها أو حكايتها أو كرامتها فضاءً تلتقي فيه النساء بحثاً عن العزاء والشفاء والإنجاب والحماية والاعتراف.

قد تبرز أقوى نقاط قوة الكتاب في تناوله للدين كممارسة اجتماعية حية، ما يجعله قريباً من الأنثروبولوجيا الكلاسيكية التي تنظر إلى الطقوس والرموز والاعتقادات اليومية، والتي تُعد مفاتيح لفهم المجتمع، كما أن الخلفية البحثية للمؤلف في الأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي لاسيما في المحيط المغاربي والصحراوي تمنحه حساسية واضحة تجاه علاقة الدين بالبنى الاجتماعية والقبلية والرمزية.

ومن جملة مزايا الكتاب أنه ينأى بالقارئ عن التصورات الجاهزة للتدين النسائي، فبدل التعامل مع النساء كمجرد تابعات متلقيات للدين، يكشف عن مساهمتهن في إنتاج أنماط من المعنى والطقس والذاكرة. لا شك أن هذه الميزة تفيد أي قارئ يهتم بأدب النساء والجندر، والدراسات الدينية والأنثروبولوجية، والتصوف الشعبي.

وكملاحظات نقدية، قد يواجه القارئ غير المختص شيئاً من الجفاف بحكم طبيعة الكتاب البحثية، حيث أنه عمل أنثروبولوجي في الأصل لا يسعى لبناء سرد أدبي جذاب بقدر ما يسعى إلى تحليل ظاهرة، كما أن مادته تتطلب خلفية أولية في التصوف الشعبي والولاية والبركة حتى تظهر طبقاته كاملة.

هنالك ملاحظة أخرى تتعلق بالعنوان نفسه! إن قوته الإيحائية الكبيرة قد ترفع سقف توقعات القارئ حول معالجة نسوية واسعة للدين، بينما يميل أكثر إلى الأنثروبولوجيا الدينية وتحليل تمثلات البركة والقداسة. لذا، فالقراءة الأدق له تكون باعتباره دراسة في التدين الشعبي النسائي، لا بياناً نظرياً شاملاً حول المرأة والدين.

في مجمل القول: هو كتاب يمنح التجربة الدينية النسائية موقعاً بحثياً جاداً، لا تكمن قيمته وحسب في غرابة الطرح، بل في قدرته على كشف تلك المنطقة التي يلتقي فيها المقدس بالهامشي، والطقس بالحاجة، والأنوثة بالبركة، والذاكرة الشعبية بالبنية الاجتماعية.

ختاماً، إنه كتاب يرسم صورة الدين على لوحة الحياة اليومية بعيداً عن الصبغات الرسمية، وبفرشة خاصة لتصوير القداسة من الألم والأمل والرواية والانتظار! وفي زمنٍ تكثر فيه القراءات الجافة للدين، يأتي هذا الكتاب ليذكّر أتباعه بأن المقدس لا يعيش في النصوص الكبرى وحدها، إنما يعيش أيضاً في خطوات النساء نحو مقام .. في نذر صامت .. وفي يد تبحث عن بركة وسط عالم لا يمنح النساء ما يكفي من الاعتراف.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (32) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو سابع ما قرأت في شهر أبريل!

من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: العنصرية كما أشرحها لابنتي

تسلسل الكتاب على المدونة: 782

تاريخ النشر: أبريل 21, 2026

عدد القراءات:29 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *