هنا الجسد حقل صراع، ينازع ما ينازع .. من الحشمة إلى الحرية!
تنشغل المؤلفة الهولندية في كتابها (Bloot of Bedekt – Mineke Schipper) بمنطقة ذات حساسية خاصة في الفكر الإنساني، حيث الجسد يغدو كنص ثقافي، سواء كان عارٍ أم مغطّى، وهو مشحون بتاريخ طويل من السلطة والمعنى، وهي تثير ما يثار حوله بغية إخفائه تارة وكشفة تارة، وعمن يملك حق القرار في كلا الحالتين!
وفي حين يقع الكتاب ضمن نطاق الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية المقارنة، فهو يعكس خبرة المؤلفة العريضة في تتبّع تمثّلات الجسد عبر لغات وثقافات متعددة، حيث الجسد لا يُعرض هنا كمادة بيولوجية، بل كساحة رمزية تُصاغ وتُعاد صياغتها وفق الدين والعُرف والجنس والسلطة!
في عبارة أكثر تفصيلاً، يستعرض الكتاب مفهوم الجسد العاري والمغطّى عبر مختلف الثقافات شرقاً وغرباً، وحيث المؤلفة تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الواردة في معايير الحشمة والحياء والجمال والسلطة المرتبطة مباشرة بالجسد وحده، تناقش تغيّر دلالات العري واللباس تبعاً للسياق الديني والاجتماعي، والنظرة المغايرة نحو جسد المرأة وجسد الرجل في هذه السياقات! ولهذا، تسوق الكثير من الأمثلة عبر الأدب والفن والأسطورة والممارسات اليومية، موضحة كيفية استخدام اللباس من عدمه كأداة للتعبير عن الهوية أو فرض السيطرة أو إنتاج معنى ما، وهي لا تغفل في الآن نفسه عن تناول العلاقة بين الجسد والرقابة الاجتماعية، وبين الجسد والحرية الفردية، في سياقات تاريخية ومعاصرة.
تبدو الفكرة المركزية التي تقود الكتاب واضحة، حيث الجسد لا يُرى كما هو، بل كما تشتهي الثقافة أن يُرى!
إن العري لا يعني التحرر دائماً ولا الستر يعني القمع دائماً .. فبينما يعكف الخطاب السطحي على الترويج لهذه الثنائية البسيطة، يتم تفكيكها هنا بأسلوب منهجي، من خلال دراسة مجتمعات تقبل العري كحالة طبيعية، وأخرى تعتبره تهديداً أخلاقياً، وسياقات أخرى يصبح فيها اللباس رمزاً للكرامة، وأخرى يتحول فيها إلى أداة ضبط وبطش. على هذه التناقضات، تعكف المؤلفة بذكاء دون إصدار أحكام مباشرة، حيث الحكم المسبق في أمر شائك كهذا، كفيل بأن يُفقده أساسه المعقّد بالضرورة.
قد تكمن قوة الكتاب -الذي حمل عنوانه الفرعي توصيف بـ: من خيط بسيط إلى بدلة بثلاث قطع- في موسوعية المقارنة التي تعمل عليها المؤلفة، حيث لا تكتفي بحالة واحدة في كتابها، بل تفرد شبكة من الحالات تحمل القارئ على التيقن بأن ما كان يعتبره طبيعياً، هو في الحقيقة نتيجة حتمية لسياق محدد، كما أن استخدام الأمثلة من الأدب والفنون والأساطير قد منح النص عمقاً رمزياً آخر، حيث الجسد لا يظهر كما هو في الواقع فقط، بل كما هو في الخيال الجماعي أيضاً، الأمر الذي يضيف قوة أخرى للكتاب من حيث وصف الثقافة كحالة يتم صنعها أكثر من روايتها. إنه كتاب يدرّب قارئه على الشك في البديهيات، وهذه وظيفة فكرية نادرة، بل إن هذا هو أخطر ما فيه!
وكمحصلة تتأتى من أعمق زاوية في الكتاب المثير: يبدو أن الجسد هو أداة للسلطة! إن ما يلمع تحت غلاف الكتاب هو هذه الحقيقة: ليس الجسد ملكاً لصاحبه بالكامل، حيث المجتمع، الدين، القانون، السوق، الإعلام …..، تتدخل بأسرها في تحديد ما يجب أن يُرى وما يجب أن يُخفى، المعضلة التي تنقل الموقف برمته من سؤال مشروع لكل فرد: “ماذا يرتدي؟” إلى “من يقرر ماذا يرتدي؟”. إن هذه النقطة هي الأكثر أهمية والتي قد تتجاوز بالكتاب من حدوده كدراسة ثقافية إلى نقد غير مباشر للسلطة!
في الختام، هو كتاب يفتح عين قارئه على حقيقة جسده الذي قد ظنّه بديهة، فيذكّره بأن ما قد اعتبره طبيعياً ليس إلا عادة متكررة، وأن ما عدّه أخلاقياً قد يكون مجرد اتفاق اجتماعي لا أكثر!
إنه لا يقدم إجابات نهائية، ولا يبدو أن مؤلفته قد سعت لذلك .. حيث تكمن قيمته فيما يترك من أسئلة معلّقة: هل يختار المرء ما يرتديه حقاً؟ أم أنه يرتدي ما اختارته له الثقافة مسبقاً؟
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (34) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك، بالأحرى كترشيح قوي من البائعة الشابة في دار النشر .. وهو تاسع ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: بركة النساء: الدين بصيغة المؤنث
تسلسل الكتاب على المدونة: 784
التعليقات