الكتاب
Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza
المؤلف
دار النشر
Scribe US
الطبعة
(1) 2025
عدد الصفحات
182
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/30/2026
التصنيف
الموضوع
الطب تحت أنقاض غزة
درجة التقييم

Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza

رغم أن (المكان) ساحة دم فُقد فيه الطب وغاضت لغته، إلا أن (الزمان) أبى .. فبات فيه الصمت مستحيلاً!

لا يحاول هذا الكتاب المثقل بكل ما هو مؤلم، سرد الحرب ضمن طوفان السرديات أو توثيق أحداثها وفق تسلسل زمني معتاد، بقدر إصراره على إنقاذ ذاكرتها من التلاشي، وذلك عبر عين طبيب شاب وقلمه، وجد نفسه يستهل مهنته بينما تنهار المستشفيات من حوله ويغيب منها الدواء ويتحول الجوع إلى تشخيص يومي .. وحيث إيقاع الموت أكثر انتظاماً من نبض الحياة.

لقد كُتب الكثير عن العدوان على غزة وقيل أكثر، غير أن هذا الكتاب يسجلّ يوميات إنسانها حين جرّده مصير الحرب تدريجياً من كل ما يمنحه معنى الكرامة. تمتد اليوميات عبر أشهر الحرب الطويلة والتي تبدأ بعد عودة كاتبها إلى غزة بأيام قليلة فقط من اندلاع الحرب، حيث تتوالى التدوينات وفق تاريخ الأحداث اليومية، وحيث كل يوم يفتح نافذة على زاوية أشد من الحياة، داخل القطاع الصحي المنهار.

فمن هذا الذي “نقل إلينا -بهذا القدر من القوة- ذلك العار الذي لا يُحتمل: عار أن نكون في مأمن أو متواطئين أو صامتين، بينما تُقتل غزة وتُجوَّع وتُدمَّر” كما تقول إحدى إشادات الكتاب؟ إنه (عز الدين شهاب)، وُلد في جباليا شمال قطاع غزة عام 1995، ودرس الطب في جامعة أصفهان للعلوم الطبية في إيران، ثم عاد إلى غزة قبل خمسة أيام من السابع من أكتوبر 2023، فما لبث أن احتفلت به عائلته حتى ألفى نفسه وسط أعتى الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ومنذ تلك الظروف الاستثنائية، يواصل عمله طبيباً بلا مقابل تقريباً، وهو يصرّ في الآن نفسه على توثيق الحياة اليومية داخل القطاع في يوميات تحولت لاحقاً إلى هذا الكتاب. ولا يزال على قيد الحياة حتى تاريخ إعداد هذه المراجعة.

يروي د. عز الدين شهاب ابتداءً عودته بعد تسع سنوات من دراسة الطب خارج أرض الوطن محمّلاً بالطموحات يلوح أمامه أفق المستقبل الواعد، قبل أن يفقد خلال أيام عشرات من أفراد عائلته .. لحظة تبدلت بها ماهية الحياة بالكامل في نظره، فلم يعد منشغلاً ببناء مستقبله المهني أكثر من محاولته إبقاء الأحياء أحياءً لساعات إضافية.

ينتقل في يومياته بعد ذلك بين المستشفيات التي تتعرض للحصار أو للتدمير، وغرف العمليات التي تواصل عملها رغم نقص الكهرباء والوقود والأدوية، والطواقم الطبية التي تضطر إلى اتخاذ قرارات قاسية بسبب محدودية الإمكانات، وبقية تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسات الصحية التي يظهر فيها كل سرير وكل ضماد وكل جرعة دواء … كمورد نادر يخضع لحسابات قاسية!

لا تقتصر تلك اليوميات النازفة على المجتمع الطبي، إذ تتسع لتشمل تفاصيل المجتمع الأكبر بأكمله، فتبدو العائلات التي تُهجَّر مراراً، والأطفال الذين فقدوا مدارسهم ورفاقهم، والأمهات اللواتي ينتظرن طويلاً في طوابير من أجل كيس دقيق، والمرضى الذين لا يموتون متأثرين بإصابات مباشرة فقط، بل نتيجة سوء التغذية أو عدم توفّر العلاج أو انعدام أبسط مقومات الرعاية الصحية. وبينما يخصص د. شهاب مساحة واسعة للحديث عن المجاعة التي أصبحت تجربة جماعية يومية، يصف آثارها المميتة على المرضى من أطفال ونساء وشيوخ، وعلى الأطباء أنفسهم الذين أصبحوا يقيّدون الجوع كسبب طبي في كل تشخيص تقريباً. غير أنه حين ينتقل إلى البنية الصحية، فلا يتحدث سوى عن انهيارها تدريجياً، حيث المستشفيات تتعطل الواحدة تلو الأخرى، والعيادات لا يعود لها وجود، وسيارات الإسعاف تعجز عن الوصول، بينما يعمل الأطباء بما تبقى لديهم من أدوات وخبرات وإصرارا وروح.

يولي الطبيب اهتماماً خاصاً بالقصص الفردية، فالضحايا وإن كانت تقدمها نشرات الأخبار كأرقام مجردة، فهي لديه أشخاص لهم أسمائهم ووجوههم وحكاياتهم! ففي يومياته، تبدو هنالك طفلة تخاطب صورة والدها الشهيد كل ليلة تعاتبه لأنه لم يأتِ ليأخذها بعد، وأم ترى فيه ملامح ابنها الذي فقدته وبجانبه شاب فقد حلم دراسة الطب، وزميل آخر يفتح عيادة صغيرة بين جدران منزله المتهالك بعد خروج أغلب المرافق الصحية من الخدمة، محاولاً سد جزء ضئيل من الفراغ الطبي الهائل، ومن هنالك أب يضطر إلى التفكير في إحراق مكتبته كي يطهو الطعام لأطفاله، ونساء يعانين أمراضاً ما كان لها أن تصبح مزمنة لولا شح العلاج، وأسرة بأكملها تعيش فوق أنقاض منزلها وهي لم تتمكن من انتشال جثامين أفرادها بأسفله.

ويستمر الطبيب يروي أحاديثاً إنسانية لا تنتهي عذاباتها عن أثر الحرب، في التعليم وفي الذاكرة وفي معنى البيت وفي القدرة على الحلم وفي الإحساس بالزمن وفي مفهوم المستقبل، حيث المدرسة باتت ملجأ، والمكتبة تحوّلت إلى وقود، والحقيبة المدرسية أصبحت حقيبة نزوح، بينما يصبح السؤال الأكثر تكراراً دون جواب: إلى أين نذهب؟

ومع تقدم الصفحات تتغير نبرة اليوميات تدريجياً، حيث الطبيب وهو يحاول في البدايات التمسّك بالأمل، تبدأ علامات الإنهاك تتسلل شيئاً فشيئاً، قبل أن تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال المقاومة النفسية، وتغدو اليوميات كالمحاولة الأخيرة في حماية العقل من الانهيار التي هي بالأحرى محاولة إخبار العالم بما يحدث من قلب الحدث.

ورغم أن الأحداث تعنى بقطاع غزة، إلا أن مادة الكتاب تتجاوز حدود الجغرافيا لتتطرق إلى قضايا إنسانية تشمل هشاشة الإنسان أمام انهيار مقومات الحياة على مرأى ومسمع من مجتمع دولي يواجه أسئلة أخلاقية حول مسؤوليته، إضافة إلى حدود ممارسة العمل الطبي، وقدرة الشهادة الفردية على مواجهة النسيان، ودور الأدب في وصف ما تعجز عنه التقارير الإخبارية.

بيد أن تصريح الطبيب على غلاف كتابه بأنه “لم يعد طبيباً إنما شاهداً”، لا تحمل أي نبرة استعراضية تتشدق بالبطولة وتصنع صورة ملحمية لبطل خارق يتشّح بالبياض، بل إنه يُسفر عن نفسه مرهقاً وخائفاً وعاجزاً وحائراً، ورافضاً لأي شبهة عن بطولة مصطنعة، بل ويقف في بعض الأحيان أمام مريض يعلم أن العلم وحده لم يعد قادراً على إنقاذه .. الصراحة المتناهية التي تمنح اليوميات شرف الصدق الأدبي قبل صدق التوثيق.

ومن الناحية الأدبية، ولأن الكتاب ينتمي إلى ما يُعرف بـ (أدب الشهادة) المبني على توثيق التجربة من داخل الحدث، فهو لا يعتمد حبكة تقليدية أو سردية روائية، بقدر ما يتأسس على تراكم المشاهد الصغيرة التي تكتسب معناها من الاستمرار. كذلك، يبرع الطبيب في الجمع بين لغتين غير متجانستين بالضرورة: لغة الطبيب الموثوق، ولغة الإنسان المجروح، فبينما يصف الإصابات والأمراض والمجاعة بمفردات مهنية حيناً، ينتقل إلى تأملات إنسانية عذبة حيناً آخر، من غير أن يبدو هذا الانتقال مربكاً أو مفتعلاً، كما إن عدم اكتفائه بتوثيق موت الأجساد فقط، ورصد أشكال أخرى من الفقد، يُضفي على المذكرات الطبية لمسة عميقة من الإنسانية وإن كانت تتآكل من جذورها.

ختاماً أقول: قد لا يعني طي غلاف أي كتاب الانتهاء من قراءته بالضرورة، فبعضها يُضعف القدرة على مواصلة القراءة، وهذا الكتاب رغم إرهاقه الذي يكاد يعيق المواصلة، فهو كتاب يبقى مفتوحاً في الذاكرة حتى بعد طي صفحته الأخيرة .. وهو إن لم يطالب قارئه بالتعاطف بعد إثارة عواطفه، يفتح أمامه أفق من التأملات حول الإنسان حين يصبح (البقاء على قيد الحياة) عمله اليومي الشاق، وحول الطب حين تنتزع منه تلك الحياة كامل مقومات ممارسته.

قد تتباين الآراء حول القضايا التي يثيرها الكتاب، لكنه حتماً يترك للقارئ شعوراً بمضيه ساعات طوال، بجوار طبيب يحمل ضمادة في يد، وقلماً في الأخرى، محاولاً إنقاذ ما أمكنه من الأرواح ومن الذكريات معاً.

 

تم عرض الكتاب في جريدة الشرق

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (70) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو آخر ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب!

من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: القوة الخفية وراء حيواتك الماضية

تسلسل الكتاب على المدونة: 820

تاريخ النشر: يونيو 27, 2026

عدد القراءات:126 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *