مع تكاثر المنابر، وازدحام المنصات، واختلاط صاحب المعرفة بصاحب الحضور، يصبح الحديث عن (المثقف) أكثر التباساً، لا سيما موقفه حين تتعارض الحقيقة مع السلطة، أو المبدأ مع الانتماء، أو الضمير مع الامتياز الممنوح!
يرسم إدوارد سعيد صورة المثقف هذا وهو يتخذ موقفاً عاماً، ويعمل على نقل المعرفة من المجال الأكاديمي إلى ساحة المجتمع، ويواجه الخطابات التي تعمد إلى تحويل السياسة أو القومية أو المؤسسة إلى حقائق فوق المساءلة .. وذلك من خلال ست محاضرات ألقاها ضمن محاضرات ريث سنة 1993، ثم جُمعت في كتاب يحمل عنوان (Representations of the Intellectual).
وعنه، فهو مفكر وناقد فلسطيني-أمريكي، وُلد في القدس عام 1935 وتوفي في نيويورك عام 2003، وقد عمل أستاذاً للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا، واشتهر عالمياً بكتابه «الاستشراق»، الذي كان له أثر واسع في دراسات ما بعد الاستعمار. وهو في مسيرته، جمع بين العمل الأكاديمي والكتابة السياسية والدفاع عن القضية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل حديثه عن المثقف متصلاً لا محالة بتجربته الشخصية والفكرية معاً.
يتناول الكتاب ستة محاور أساسية، تبدأ بتعريف المثقف ورسم صورته الاجتماعية، ثم توضيح علاقته بالأمة وتقاليدها، وتجربة المنفى، والصراع بين الاحتراف والهواية، ومسؤولية قول الحقيقة أمام السلطة، ثم خطر خضوع المثقف للأيديولوجيا أو الحزب أو الدولة. ولتعزيز مادته، يستعين المفكّر بأفكار أنطونيو غرامشي وجوليان بندا وأدورنو وغيرهم، والذي يقدّم المثقف من خلالهم كشخصية -رغم أنها عامة- تعمد إلى طرح الأسئلة المزعجة، ولا تنفك تدافع عن المعايير الأخلاقية، وتحرص على ترك مسافة نقدية عن الجماعة أو المؤسسة. من ناحية أخرى، يناقش المفكّر أثر التخصص المهني في تضييق دور المثقف، بحيث تصبح الروح الهاوية القائمة على الشغف والاستقلال، في نظره، بمثابة الآلية التي تساعده على تجاوز الحدود الوظيفية، في حين تتيح له تجربة المنفى رؤية المجتمع من موقع غير مستقر، وتكشف ما تخفيه العادة والألفة.
ومن ضمن كافة المواضيع التي يطرحها المفكّر، يبرز وبقوة موقفه الرافض للمثقف المستكين الذي يكتفي بأداء دوره المرسوم داخل المؤسسة الرسمية، حيث المثقف لديه يحمل بطبيعته قدراً من القلق يرافقه أينما حل، انطلاقاً من مهمته التي تفرض عليه مراجعة ما يعتبره الآخرون محسوماً، وتطبيق المعيار نفسه على الخصم والحليف. عليه، يتخذ المفكّر في اختباره قيمة المثقف، مدى استعداده لنقد ما ينتمي إليه من جماعة أو مؤسسة، ففي حين تأتي إدانة الخصم وأخطائه هيّنة، تتجلى نزاهته الحقيقية في توجيه النقد إلى الذات وإلى القوى التي تمنح صاحبها الحماية والاعتراف.
يحرص المفكّر على لفت الانتباه إلى خطورة «الاحترافية» وذلك حين تتحول إلى نظام للضبط والإحكام! ففي حين قد لا تمنع المؤسسة المثقف من الكلام الصريح، تدفعه تدريجياً نحو حصر موضوعاته ونبرته بما يحفظ موقعه، الأمر الذي يطبع المعرفة بصفة الأمان ويُفقدها قدرتها على إثارة الضوضاء المطلوب. لذا، وفي مقابل «الاحترافية»، يعرض المفكّر مفهوم «الهواية» التي بدورها تحفظ الشغف والفضول وحس المسؤولية العامة، رغم أنه مفهوم يتطلب الحذر من تحول الهواية إلى ذريعة للكلام في كل شأن دون معرفة راسخة، الأمر الذي يجعل الجمع بين التخصص الحقيقي والاستقلال الأخلاقي، هو الصيغة الأكثر اتزاناً.
بيد أن “قول الحق في وجه السلطة» يحتل قلب الكتاب رغم أنه جاء كخاتمته، وهو يواجه سؤالاً أصعب يتلخص في: “من يحدد الحقيقة”؟ فالمثقف قد يخطئ، وقد يختزل التعقيد في يقين شخصي، وقد يتحدث باسم جماعات لم تفوضه …..، وهي إشكاليات تتطلب من كل من يتبنى “قول الحق” ربط جرأته بالتواضع لا سيما المعرفي، حيث يبقى على استعداد دائم لمراجعة مواقفه حين تتغير الأدلة. إن القيمة الأهم في هذا الطرح يتمثل في الإصرار على الاتساق الأخلاقي، وعلى رفض ازدواجية المعايير التي تسمح للإنسان بإدانة الظلم حين يأتي من خصمه وتبريره حين يصدر عن حليفه.
رغم ما سبق، وعلى سبيل النقد، قد تبدو صورة المثقف التي يرسمها إدوارد سعيد مثالية التركيز، حيث يبدو مستقلاً وشجاعاً ومنفي روحياً ومقاوماً عنيداً للسلطة ومتحرراً من كامل الولاءات ….، وهي صورة يصعب تجسيدها ممارسة حية على أرض الواقع، لا سيما والمثقف -كإنسان- تحكمه المصالح والمخاوف والحاجة إلى القبول. من ناحية أخرى، يبدو المفكّر كالذي يولي اهتمامه للفرد صاحب الصوت العام، ويقلّص المساحة الممنوحة للأعمال الفكرية الجماعية والمؤسسات المستقلة التي قد تؤدي الدور نفسه بفاعلية أكبر.
مع ذلك، يبقى الكتاب حيوياً في مساءلة العلاقة بين المعرفة والضمير، والذي بدوره يدفع القارئ إلى رسم صورة المثقف من جديد وفق ما يرفضه وما قد يخاطر به، وما يحتفظ من مسافة تفصل بينه وبين السلطة والجمهور والجماعة.
وقبل الختام، وفي زمن يضج بأصوات تصدح من فوق منصات تتكاثر، تتراءى رؤية المفكّر إدوارد سعيد التي تفاضل بين صورة مثقف يتحدث لأمر حقيقي يدافع عنه، وبين صورة مثقف يتحدث كيفما اتفق، بعد أن أصبح الكلام مهنته وتلبّس صورته العامة!
ختاماً، إنه كتاب قصير يضع المثقف أمام محكمة ذاتية تحاول الموازنة بين ما تمنحه المعرفة من مكانة، وبين ما قد يطالبه الضمير أحياناً بالمغامرة بها!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (71) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو أول ما قرأت في يوليو ضمن (20) كتاب!
من فعاليات الشهر: لا شيء يُذكر سوى الروتين الصيفي المعتاد في مواصلة القراءة خلال النهار الطويل … مع شيء من الترقّب لرحلة الشهر القادم
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: صمت الكتابة
تسلسل الكتاب على المدونة: 821
التعليقات