الكتاب
The New Dark Ages
المؤلف
دار النشر
The Bodley Head / Vintage Publishing
الطبعة
(1) 2026
عدد الصفحات
190
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
08/19/2026
التصنيف
الموضوع
هل بدأ حقاً عصر ما بعد القراءة؟
درجة التقييم

The New Dark Ages

ليس بالضرورة أن تُحرق مكتبة أو يُمنع كتاب كي تبدأ عصور مظلمة جديدة، فقد يكفي أن تبقى الكتب فوق الأرفف بينما يفقد البشر شغف قراءتها.

تثير هذه الفكرة في حد ذاتها القلق لدى مؤلف الكتاب كما يبدو من عنوانه (العصور المظلمة الجديدة: نهاية القراءة وفجر مجتمع ما بعد القراءة)، وهو يتتبع سير التحول من حضارة شيّدتها الكلمة المكتوبة، إلى عالم تهيمن عليه الشاشات، ويتشتت فيه الانتباه، وتتراجع القدرة على متابعة الأفكار العميقة.

يضع (جيمس ماريوت) كتابه حديثاً، وهو كاتب عمود إنجليزي في صحيفة The Times، كما يكتب نشرة Cultural Capital، وقد قدّم لإذاعة BBC Radio سلسلة تناولت تاريخ القراءة والكتابة، وعمل قبل دخوله الصحافة في تجارة الكتب النادرة. وُلد ونشأ في مدينة Newcastle upon Tyne، ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد.

يفتتح ماريوت كتابه بما عُرف في القرن الثامن عشر بـ (ثورة القراءة)، حين اتسعت دائرة القراء وانتقلت الكتب والصحف من عالم النخب إلى طبقات اجتماعية أكثر تفاوتاً وتنوعاً، وهو الانتشار الذي أثار آنذاك مخاوف أخلاقية تشبه المخاوف التي تحيط بالتقنيات الجديدة في الحاضر. بيد أن تبعات هذا الانتشار تجاوزت حد الترفيه، حيث نشأت بفضله ثقافة أصبحت قادرة على تداول الأفكار ومراجعة السلطات الموروثة ومناقشة الدين والعلم والسياسة.

يشرح المؤلف أولاً في فصل (العقل القارئ) دور القراءة، كمهارة ثقافية مكتسبة، في إعادة تنظيم بعض دوائر الدماغ لخدمة غرض لم تُصمَّم له تطورياً، حيث يصبح العقل مع استمرارية الممارسة، قادراً على تتبع تسلسل طويل من المفاهيم، وتشكيل الصور الذهنية، وربط النتائج بالأسباب، مع تفهم وجهات نظر لا تتفق بالضرورة مع رؤيته. عليه، يحاول المؤلف التأكيد على أهمية القراءة العميقة التي تكتسبها من صعوبتها، فليست هي سوى تدريب متواصل على الصبر والتركيز والتجريد.

أما في فصل (صعود القراءة)، فيتطرق المؤلف إلى الأثر الحضاري للكلمة المكتوبة، حيث يتتبع انتقال الكتابة من مرحلة احتكار رجال الدين والكتبة إلى انتشار الطباعة وبروز “جمهورية الآداب”، حيث استطاع العلماء والمفكرون والقراء تبادل المعرفة عبر الحدود. إن هذا الانتقال مهّد لتحولات لاحقة كبرى، ارتبطت بالتنوير والعلم والثورة الصناعية وحقوق الإنسان والديمقراطية الحديثة، فالكتاب الذي يحفظ الأفكار، يتيح في الوقت نفسه فرص فحصها ومجادلتها والاعتراض عليها، بل يجعل السلطة باختلاف أشكالها عرضة للمساءلة.

ثم يبدأ المسار المعاكس مع فصل (صعود الشاشة)، والذي يجد فيه المؤلف التلفاز وقد أعاد جدولة الحياة المنزلية وأوقات الفراغ، وأسهم في تراجع القراءة والأنشطة الاجتماعية الأخرى، حتى يهل زمن الأجهزة الأكثر ذكاءً وعلى رأسها الهاتف، ليحوّل شارة الاستحواذ على الانتباه إلى نموذج اقتصادي كامل. فمع اعتماد المنصات الرقمية على الخوارزميات التي تفهم اهتمامات المستخدم، يبقى هذا أسيراً لشاشاتها أطول مدة ممكنة، والذي بمرور الوقت يعتاد عقله الإثارة اللحظية، ويصبح النص الطويل -وإن كان نسبياً- عبئاً يصعب تحمّله.

وفي فصل (اللاتنوير)، يناقش المؤلف التبعات الثقافية لهكذا تحول، والتي تتراءى ابتداءً في سطحية اللغة، وتراجع القدرة على التعاطي مع الحجج المركبة، انتهاءً بانتشار الخرافة ونظريات المؤامرة والعداء للخبرة العلمية! يضع المؤلف هذه الظواهر ضمن ما يسميه “التبسيط العظيم”، حيث تميل الكتب والأغاني والخطابات السياسية إلى القصر والمباشرة والتكرار، فيما تُستبعد المناطق الرمادية التي تتطلب بطبيعتها درجة من التأمل والتفكّر.

ثم يستعيد المؤلف في فصل (القوة السياسية للكتب) دور القراءة في خلق المجال العام وتنشيط الحس الأخلاقي وفضح المظالم، حيث يستحضر قضية جان كالاس وحملة فولتير ضدها، وحركات إلغاء العبودية، وصعود الصحافة التي سمحت للمواطنين رؤية السلطة من خارج الإطار الذي صنعته لصورتها.

يتابع المؤلف هذه الفكرة في الفصل الأخير (نهاية الديمقراطية)، محاولاً ربط تراجع الصحف المحلية، واختزال الخطاب السياسي إلى شعارات، وهيمنة الصورة المرئية والانفعال المفرط، بصعود زعماء يجيدون صناعة المشهد واستثمار الغضب على حساب تقديم الحجج.

لعل أهم ما يميز الكتاب هو إعادة القراءة إلى موضعها الصحيح كبنية تحتية للعقل! فالقلق الذي قدمه المؤلف يتجاوز في ثقله حجم الكتب المبيعة، ويمتد إلى نوعية الإنسان الذي تخلقه ثقافة العصر، من حيث تأنيه، وقدرته على الشك، ومقاومته للتلاعب، واستعداده لفهم الآخرين، كما تبرز مهارة المؤلف في الجمع بين التاريخ والأدب وعلم الأعصاب والسياسة ضمن سرد حيوي، أبقى على أسلوبه الممتع رغم قتامة طرحه.

رغم ما سبق، يتخلل الكتاب بعض المآخذ، أولها يتعلق بالشواهد التي بدا بعضها أشد حسماً مما يتفق والأدلة. حيث المؤلف وهو يضع الهاتف الذكي موضع المتهم الأكبر، يدع عوامل أخرى مثل (تراجع التعليم العام، إغلاق المكتبات، ضغوط العمل، انعدام المساواة، ارتفاع التكاليف) تمر دونما تمحيص، بينما يكشف في الوقت نفسه عن أهمية العامل الطبقي، حين يلاحظ قدرة الأسر الميسورة على حماية أطفالها من الشاشات وتوفير الكتب والمدارس والوقت الهادئ. يبدو هذا دليلاً مهماً على أزمة القراءة التي تصطدم بمشكلة توزيع الوقت والموارد والفرص أيضاً.

كذلك، تبدو المقابلة بين الصفحة العقلانية والشاشة الانفعالية متطرفة! فقد خدمت الطباعة الدعاية والتعصب والأنظمة الشمولية أيضاً، في حين استطاعت الشاشات في المقابل إتاحة المعرفة وتوثيق الانتهاكات وربط جماعات كانت معزولة، كما أن القدرة على القراءة لا تمنح المجتمعات بالضرورة حصانة تلقائية ضد الاستبداد! وعن الذكاء الاصطناعي فقد بدا حضوره غيابياً رغم أهميته في فتح مرحلة جديدة، تتجاوز تراجع القراءة إلى تفويض الآلة بمهمتي القراءة والكتابة معاً.

كمحصلة نقدية، ينجح جيمس ماريوت في استقراء عصور القراءة المظلمة الجديدة، بتوسع وبقدرة لافتة على الإقناع، بينما تبقى الحلول المقترحة لتشخيصه أقل احتواءً لحجم الأزمة، والتي تركزت في وصايا على طريقة: حماية وقت القراءة وركن الهاتف واستعادة مهارة التركيز. ما من شك أنها خطوات ضرورية، غير أن القضية تتطلب تظافر جهود منظومة كاملة من مدارس ومكتبات وصحافة وسياسات تقنية تحمي الانتباه من اقتصاد يقوم على استنزافه.

ختاماً، سيبقى هذا الكتاب المهم مثيراً للقلق حتى حين تتجاوز نبرته التحذيرية قدر من اليقين بضرورته الملحة، بل إنه يبدو كجرس إنذار فوق حضارة احتفظت بأولى كلماتها لكنها بدأت تفقد شيئاً من طرائق التفكير التي صنعتها القراءة ابتداءً.

ولدى بعض القراء، قد يصعب إغلاق الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، ثم العودة إلى تمرير شاشة الهاتف بنفس التلقائية السابقة .. ولعل هذه وحدها علامة على أنه أدّى مهمته!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (100) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، وهو تاسع ما قرأت في أغسطس ضمن (15) كتاب، وقد حصلت عليه خلال الشهر من مكتبة (London Review Bookshop) في Bloomsbury – London

من فعاليات الشهر: تطيب أجواء القراءة في مدينة الضباب …. لندن: من صخب أكسفورد، إلى عقل بلومزبري، ثم هواء هامبستد، انتهاءً بوقار ويستمينستر.

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: Homo Criminalis

تسلسل الكتاب على المدونة: 850

تاريخ النشر: سبتمبر 19, 2026

عدد القراءات:64 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *