الكتاب
موت سقراط ومبدأ العدالة
المؤلف
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2025
عدد الصفحات
106
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/12/2026
التصنيف
الموضوع
العدالة التي شربت السم
درجة التقييم

موت سقراط ومبدأ العدالة

في تاريخ الفلسفة على امتداده، يكاد أن يكون مشهد (سقراط وهو يتجرع السم بهدوء .. محاطاً بتلاميذه .. رافضاً الهرب من السجن) الأكثر فاعلية، وهو المشهد -رغم ذلك- الذي كثيراً ما يتم اختزاله في مشهد عاطفي يعبّر عن (استشهاد الفيلسوف) وحسب، في حين تتوارى خلفه علامات استفهام كبرى توصم القانون والعدالة والدولة والأخلاق والحقيقة التاريخية. لهذا، تحاول المؤلفة إعادة النظر في الأيام الأخيرة من حياة سقراط، وهي تستند إلى المصادر الإغريقية متسائلة عن أصل تلك التصورات التي استقرت طويلاً في الوعي الثقافي حول شخصيته ومحاكمته.

إنها أثمار عباس، باحثة وكاتبة عراقية معاصرة، تهتم بتاريخ الفكر وبالفلسفة اليونانية، وتعمل على تحليل الشخصيات الفلسفية الكبرى في ضوء المصادر التاريخية والنصوص الأصلية، مع التركيز على القضايا الأخلاقية والسياسية التي ساهمت في تشكيل إرثها الفكري.

يفتتح الكتاب بتقديم صورة عن أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد لا سيما ظروفها السياسية والاجتماعية بعد الحروب، ثم ينتقل إلى الفيلسوف سقراط، متناولاً شخصيته وأسلوب حواراته ومدى تأثيره على الشباب الأثيني، وصولاً إلى الاتهامات التي واجهها والمتمثلة أساساً في إفساد الشباب والتقليل من قدر آلهة المدينة. ثم تناقش المؤلفة ظروف المحاكمة ومنظومة القضاء الأثيني وطُرق إصدار الأحكام، معرّجة على الأسباب التي دفعت سقراط إلى رفض الهرب من السجن -رغم توفّر الفرصة- انطلاقاً من فهمه الخاص للقانون وللعدالة.

يتوقف الكتاب أيضاً عند مفهوم العدالة في الفكر السقراطي والأفلاطوني وتحديداً في مقارنة العدالة من ناحية الالتزام الأخلاقي ومن ناحية الممارسة القانونية، حيث تستعين المؤلفة بعدد من المحاورات الأفلاطونية وبروايات تاريخية أخرى، من أجل غربلة وجهات النظر في واقعة المحاكمة. غير أن عرض الواقعة لم يقتصر على تسلسل الأحداث وحسب، حيث امتد إلى توضيح أثر موت سقراط في تطور الفلسفة اليونانية، وفي تشكيل مشروع أفلاطون الفكري اللاحق.

يلفت الكتاب الانتباه في محاولته إعادة النظر لبعض الروايات الشائعة عن حياة سقراط الخاصة، لا سيما العائلية وعلاقته بزوجته أكزانثيب، إذ تشير المؤلفة إلى أن كثير من القصص التي رسخت صورتها كزوجة سليطة متسلطة تسببت في شقاء زوجها، تفتقر في الحقيقة إلى الأدلة التاريخية الكافية، أو تعود لفترة متأخرة عن عصره، الأمر الذي يدعو للتعامل معها بحذر، ومن ثم التمييز بين الرواية الأدبية والواقعة التاريخية.

من الناحية الأدبية، يمتاز الكتاب بسهولة أسلوبه وحرصه على تقريب موضوع فلسفي وتاريخي إلى القارئ العام دون إثقاله بالمصطلحات الجافة أو بالجدل الأكاديمي، كما يُحسب للمؤلفة اهتمامها بالعودة إلى المصادر القديمة، ومحاولة تصحيح بعض الصور المغلوطة والمتداولة عن سقراط، والتي انتقلت عبر التكرار أكثر مما استندت إلى التوثيق.

في المقابل، قد يُصنف الكتاب كدراسة تمهيدية غير متخصصة، حيث يتناول القضايا الرئيسة بإيجاز دون التوسع في مناقشة الإشكالات الفلسفية المعروفة .. كما أن بعض الأفكار كان بالإمكان تعميقها من خلال مقارنات أوسع مع قراءات حديثة لمحاكمة سقراط أو لفكرة العدالة في الفكر اليوناني. لا يمنع هذا من القول بأن الانطباع العام الذي قد يخرج به القارئ إيجابي، فهو يحقق غايته التعريفية، ويقدم معالجة جيدة للموضوع، دون أن يبلغ مستوى الدراسات المرجعية المتخصصة، وهو ما ينسجم مع اهتمامات القارئ العام.

ختاماً، يقدم الكتاب قراءة مبسطة -ومدروسة في نفس الوقت- لواحدة من أشهر الوقائع في تاريخ الفلسفة، ويفتح من جديد باب الأسئلة التي ما زالت ترافق محاكمة سقراط بعد عدة قرون، وتحديداً: هل كان الحكم قانونياً؟ وهل تتحقق العدالة دائماً عبر القانون؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يوازن بين قناعاته الشخصية وواجباته تجاه الدولة؟ إنها بلا شك الأسئلة التي تمنح هذه الحادثة التاريخية قدرة دائمة على استدعاء التفكير، الأمر الذي يجعل الكتاب مدخلاً مناسباً لكل قارئ يرغب في التعرّف من قرب على عالم سقراط وفلسفة العدالة.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (61) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو سادس ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب!

من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الأدب والغرابة

تسلسل الكتاب على المدونة: 811

تاريخ النشر: يونيو 27, 2026

عدد القراءات:94 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *