قد يكون من النادر حقاً أن يختار كاتب عاش عمره بين الكتب عنواناً يبدو معادياً لها! لا عجب إذاً أن يثير هذا الكتاب فضول القارئ منذ الوهلة الأولى، بل وحتى قبل أن يكتشف أن مقصده ليس الهجوم على القراءة، بل مساءلة العلاقة التي تنشأ بين القارئ ومكتبته مع مرور الزمن وطول العشرة، وحيث المساءلة لا تطال رفوف خشبية أو قائمة شراء، بل ويا للعجب تطال الشغف والذاكرة والكتب التي رافقت صاحبها، وتلك التي خذلته ……، والمكتبة بأكملها في تحوّلها مع السنين، إلى سيرة ذاتية مكتوبة بعناوين المؤلفات.
فمن هو القاضي؟ إنه خليل صويلح (1959)، روائي وصحفي وكاتب سوري، كتب في فن الرواية والمقالة، وعمل في الصحافة لسنوات طويلة، وتناولت مؤلفاته قضايا القراءة والذاكرة والمكتبات والهوية الثقافية.
يضم الكتاب مجموعة من المقالات والتأملات التي تتمحور حول عالم الكتب والقراءة والمكتبات، والصحفي يستند إلى تجربته الشخصية كقارئ وكاتب عايش الكتب سنوات طوال، حيث يتطرق هنا إلى هوس اقتناء الكتب، والمكتبات المنزلية، وعلاقة القارئ بكتبه، والكتب التي تُنسى سريعاً، وتلك التي تترك أثراً أطول ……، إضافة إلى الحديث عن دور النشر، ومعارض الكتب، والقراءة في العصر الرقمي، والصُدف التي تقود إلى اكتشاف الكتب، والكتّاب الذين شكّلوا جزءاً هاماً من ذاكرته الثقافية.
يتوقف الصحفي عند تأملات تتعلق بمصير المكتبات الشخصية، وحدود التملك المعرفي، وإغراء شراء الكتب أكثر من قراءتها، والكتب المؤجلة التي تتراكم عاماً بعد عام ….، وهي المواضيع الشائكة التي لا بد لكل قارئ شغوف أن واجه مثلها أو بعضها. وهو في عمله هذا، يتنقل بين المواضيع بحرية تامة مستعيناً بمواقف واجهها، وعناوين كتب وأسماء كتّاب من ثقافات مختلفة، ليقدم صورة عن الحياة اليومية لأي قارئ، بكل ما تحمله من شغف، وحيرة، ومفارقات صغيرة لا يدركها إلا من رافق الكتب طويلاً.
يميل الصحفي إلى ربط تجربته الخاصة بتاريخ القراءة نفسه، فيجعل من كل كتاب أو مكتبة أو لقاء مع مؤلف مناسبة لاستدعاء ذكريات وتأملات أكثر غنى، حيث يحوّل الكتاب إلى رحلة في عالم نخبوي من قرّاء شغوفين، أكثر من كونه كتاباً عن كتب وحسب!
قد يملك الكتاب ميزة خاصة تتأتى من مخاطبته كل قارئ حقيقي وإن لم يكن يعرفه، حيث لا يبدو الكثير مما يطرح، نظرياً، أكثر من حالات تحيط بمعظم عشاق الكتب .. ومن هنا يبدو أن خليل صويلح يوظّف قدرته ببراعة في تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة للتأمل، إضافة إلى سلاسة لغته التي تجمع بين الطابع الصحفي واللمسة الأدبية، ما يساعد في استرسال القراءة بخفة.
في المقابل، قد لا يسير الكتاب على خط تدريجي واضح، وذلك يعود لاستقلالية كل مقالة عن الأخرى وتفاوت مواضيعها وتباين تأثيراتها، كما أن بعضها يميل إلى استعادة الذكريات تارة، وإلى ضخ قدر من الانطباعات الشخصية تارة، الأمر الذي ينأى بها عن مناقشة معمقة لفلسفة القراءة أو تاريخ المكتبات! لذا، قد يترك هذا الكتاب للقارئ المرتبط بالكتب عاطفياً، أثراً أكبر من قرينه الجاد الذي يبحث عن دراسة منهجية في عملية القراءة أو علم المكتبات والمعلومات.
ختاماً، إنه كتاب يحتفي بالقراءة حتى وهو يراقب عادات كل قارئ، ويثير عدد من التساؤلات اللطيفة حول علاقته بالكتب التي يقرأها ويقتنيها بجانب تلك التي تبقى سنوات تنتظر دورها على الرفوف .. وهو عمل يكتب عن المكتبة باعتبارها ذاكرة صاحبها، وعن القراءة كتجربة حياة، مؤكداً على أن قيمة المكتبة لا تُقاس بعدد مجلداتها، إنما بالأثر الذي تتركه في صاحبها من خلال الرحلة الفكرية التي حملته بها عبر الزمن.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (65) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو عاشر ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الإنسان العاري: الدكتاتورية الخفية للرقمية
تسلسل الكتاب على المدونة: 815
التعليقات