إن الكتابة في خضم الحرب عن الحرب، تبدو كمحاولة إنقاذ للذاكرة .. فالأحداث تُروى بشكل أو بآخر ولا عجب!
يقدم هذا الكتاب شهادة حية على واحدة من أشد المراحل التي شهدها تاريخ المدينة السورية، وهو يجمع بين التوثيق واليوميات والانطباعات التي ولّدتها سنوات الحصار والدمار.
في عبارة أكثر تفصيلاً، يتناول الكتاب القصير أحداث مدينة حمص خلال سنوات الحرب، وهو يوثق تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار والقصف والنزوح والخوف والخسائر البشرية .. فالمؤلف وهو ينتقل بين مشاهد تصف أحوال الأحياء، والعلاقات بين الناس، وآثار الحرب في البيوت والشوارع، مع استحضار شخصيات وتجارب عاشها أو عاصرها، يبدو كالذي يحاول رسم صورة حية عن المدينة المنكوبة خلال تلك المرحلة المضطربة، وما تركته من أثر في الإنسان والمكان.
يتميز الكتاب بسهولة اللغة وبأسلوب السرد المباشر، ما يتلاءم وطبيعته كشهادة أكثر منه كعمل أدبي، لا سيما والمؤلف يركز على نقل ما رآه وعايشه جهاراً نهاراً، وهو يمنح الأولوية لتسجيل الوقائع والانفعالات، ما جعل من كتابه أقرب إلى أدب اليوميات أو المذكرات الميدانية.
مع ذلك، لم أجد ما يميز الكتاب عما سواه من إصدارات كثيرة تناولت الحرب السورية من زاوية الشهادة الشخصية، فعلى الرغم من أن التجربة الإنسانية التي يعرضها مؤثرة بلا شك، إلا أن أسلوب العرض جاء متواضعاً أدبياً وفكرياً بحيث لم يُضف مستوى جديد من التحليل، أو قراءة مختلفة للأحداث، أو سردية تطبع النص بطابع مميز تبقى مع القارئ بعد الانتهاء.
من ناحية أخرى، يميل المؤلف إلى تسجيل الوقائع كما هي أكثر من تأملها، كما في أسلوب التوثيق الصحفي، بينما قد يتوقع القارئ من كتاب ينقل الحدث من قلب الحدث، أن يحظى بنص يعرض التحولات النفسية والاجتماعية التي صنعتها الحرب، والتي بدورها ساهمت في إعادة تشكيل المدينة وسكانها على المدى البعيد! إن هذه القيمة لم يكن لها أثر ملموس في النص الذي ظل محصوراً في إطار التوثيق ولم يتعدَ نحو قراءة التجربة الإنسانية من مستوى اعمق.
رغم ما سبق، يحتفظ الكتاب بقيمة توثيقية لا يمكن تجاهلها، فمثل هذه الشهادات لا بد وأن تشكل جزءاً من ذاكرة الصراعات الإنسانية، لا سيما وهي المادة التي غالباً ما يعود إليها الباحثون والمؤرخون من أجل وضع تصور للحياة اليومية خلال النزاعات المسلحة، بعيداً عن البيانات السياسية والعسكرية الجافة .. وهو التوجه الذي توليه الدراسات الغربية المعنية بأدب الحروب ويومياتها، أهمية كبرى، وذلك باعتبارها مصدراً موثوقاً يكشف أثر الحرب على الإنسان أكثر مما يكشفه التاريخ الرسمي.
ختاماً: إنه كتاب يضيف صفحة إلى أرشيف الذاكرة السورية، ويؤدي وظيفة التوثيق بوضوح، رغم محدودية قيمته الأدبية والفكرية نسبياً .. مع تقدير التجربة الإنسانية التي يعرضها. لذا، أعتقد أن إدراك قوة الحدث التاريخي لا تكفي وحدها لصناعة كتاب استثنائي، حيث الأدب يحتاج أيضاً إلى رؤية عميقة تمنح الشهادة عمراً أطول من زمن وقوعها.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (57) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو ثاني ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: المأدبة: فلسفة الحب
تسلسل الكتاب على المدونة: 807
التعليقات