BOOK0753
الكتاب
شطحات العقل: بين الإبداع والجنون
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Un coup de hache dans la tête: Folie et créativité - Raphaël Gaillard
المترجم/المحقق
بديعة بوليلة
دار النشر
دار الساقي للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2023
عدد الصفحات
240
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/24/2026
التصنيف
الموضوع
حين يختل العقل .. يشتعل الخيال
درجة التقييم

شطحات العقل: بين الإبداع والجنون

هل ينتج العقل فناً حين يتصدع؟

بينما يوحي الطبيب النفسي والخبير القانوني في كتابه المعنون حرفياً في الفرنسية بـ “ضربة فأس في الرأس” .. وهو عنوان صادم بعمد .. يطرح سؤالاً حول (الجنون والإبداع): هل هما ثنائية متلازمة؟ أم أن الربط بينهما مجرد أسطورة رومانسية؟

يظهر الكتاب كمحاولة ذكية لتفكيك إحدى أكثر الأساطير رواجاً في الثقافة العالمية الحديثة، وهي (أسطورة العبقري الذي ليس له أن يبدع إلا إذا اختل عقله)، حيث ينطلق المؤلف من تساؤل ملّغم رغم البساطة التي يبدو عليها، حول المادة التي تجعل الإنسان قادر على الخلق، ومن ثم وضع هذه القدرة في مواجهة مع الجانب المظلم من الذهن، في اضطرابه وهلاوسه وأوهامه وهشاشته وانفصاله عن الواقع.

لا يكتفي المؤلف بسرد رواية رومانسية عن (الجنون) وبطلها (الفنان)، إنما يعيد ترتيب المسرح عبر ثلاث طبقات متداخلة: تاريخ الأفكار، خبرة العيادة، نتائج علم الأعصاب والوراثة الحديثة:

  • ففي الطبقة الأولى، يستعرض كيفية ترسّخ ذلك الرابط عبر القرون بين الجنون والإبداع، ابتداءً من تصورات الميلانخوليا عند الإغريق، إلى الاحتفاء الرومانسي بالعاطفة الجامحة، وصولاً إلى حركات فنية جعلت من (الاختلال) شرطاً للعبقرية. لا تأتي هذه الخلفية كزخرفة ثقافية بقدر ما تُظهر مدى قبولها إنسانياً كفكرة، حتى قبل أن يتم إثبات صحتها علمياً.
  • أما عند الطبقة الثانية التي تبدو أكثر إقناعاً، فيصرّ المؤلف -بمهنية لا بعاطفية- على أن المرض النفسي في صورته الفعلية هو غالباً ما يكون معطِّلاً للإبداع لا مولّداً له، وذلك باعتباره مشتتاً للانتباه، ومنهك للطاقة، ومستهلك لعزيمة الاستمرارية التي يحتاجها أي عمل خلاّق بطبيعة الحال! لذلك يفرّق المؤلف بين (ومضة الخيال) بوصفها قدرة إنسانية عامة، وبين (الاضطراب) بوصفه معاناة قد تسحق هذه القدرة بدل أن تُطلقها.
  • ومع الطبقة الثالثة -التي هي لبّ أطروحته- يقدم المؤلف تسوية علمية لفكرة طالما تم طرحها كحالة تناقضية، حول قدرة الاضطراب النفسي على الاستمرارية عبر التاريخ البشري رغم عدّه مؤلماً بعمق!؟ فيقترح تفسيراً يستمده من نظرية التطور. إذ ليست العبقرية -في نظره- كامنة في المرض نفسه، بل قد تكون كامنة في القرب الوراثي منه. بمعنى آخر: إن قابلية الإبداع قد تظهر -بحسب ما يعرضه من اتجاهات بحثية- أكثر عند أقارب المرضى (آباء، أبناء، إخوة) ممن يشتركون معهم في جزء من الاستعداد الجيني، دون أن يتسلّط عليهم اضطراب مدمّر! عليه، يتحول الربط بين الجنون والإبداع من (أسطورة عبقرية) إلى (صلة قرابة) .. جينات تمنح مرونة تخيلية واتساعاً في التشكّل والتجسد، لكنها في الطرف الآخر من المعادلة قد تفتح المجال لاختلالات نفسية قاسية.

وفي سياق هذا التفسير، يطرح المؤلف فكرة مركزية، ترى أن عملية التفكير نفسها هي فعل خلق، حيث التفكير أشبه بعملية بناء تمثّلات عن العالم داخل الذهن، وكلما ازدادت قدرة الإنسان على تشكيل تمثلاته وإعادة تشكيلها، ازدادت إمكانية الإبداع من ناحية، وازداد من ناحية أخرى خطر انفلات تلك التمثّلات من عقالها! على هذا، لا يعود السؤال: “هل الجنون ينتج فناً؟”، بل: “كيف تعمل آلة التمثّل في الدماغ، ومتى تتحول قوتها إلى هشاشة؟”.

خلاصته، قد لا يطرح المؤلف معادلة سهلة من نوع: (الجنون = إبداع)، بل يقدم رؤية أكثر تعقيداً وإن كانت عادلة، وهي أن الإبداع ليس ثمرة الألم، بل ثمرة قدرة ذهنية قد تتجاور الألم، فالمرض ليس عنصر جمالي بقدر ما هو كلفة إنسانية حقيقية، وأن ما يستحق الإعجاب بحق ليس (المعاناة) في حد ذاتها، بل (العقل) وما ينتجه حين يكون قادراً على التخيل دون أن ينهار تحت وطأة تخيله.

ختاماً أقول عن الكتاب الذي جاء في ترجمة مركّبة قليلاً من نصّه الأصلي (Un coup de hache dans la tête: Folie et créativité – Raphaël Gaillard) إنه كتاب عبقري يُسقط الوهم الأكثر ابتذالاً في اعتبار الجنون وقود مضمون للإبداع .. ومؤلفه الذي يعيد الاعتبار لفكرة أخلاقية قبل أن تكون علمية، عن الاضطراب النفسي كمعاناة إنسانية لا زينة عبقرية. غير أنني أجده، في هروبه من (رومانسية الفنان المجنون)، يكاد يقع في إغراء آخر أكثر حداثة، وهو (رومانسية الجين العبقري)، أي تحويل الإبداع إلى تفسير وراثي صرف، مريح، يمنح الاطمئنان، ويقلل من وزن التربية والبيئة والانضباط والعمل الجاد. رغم هذا، فأنا أجد قوة أطروحته تتمثل في: تعقيد العلاقة -كما هي بطبيعتها- بدل تبسيطها بسذاجة .. أما ضعفها فتتمثل في: الشق الذي تركه دون ردم لعودة أسطورة الجنون تلك، لا بوصفها بطولة فنية، بل بوصفها قدراً بيولوجياً. لذا، أجد أن القراءة الأكثر عدلاً للكتاب، تكمن في نبذ الإبداع كمرض خالص أو كمعجزة جينية بحتة، إذ أنه بحاجة لقدر من التوازن يقارب بين اتساع المخيلة وصلابة الواقع، بحيث مع اختلال هذا التوازن لا يصبح الإنسان مبدعاً بالضرورة، بل ربما متألماً فقط!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (3) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2024 ضمن (250) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو ثالث ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب!

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: أسرار أحلامكم

تسلسل الكتاب على المدونة: 753

تاريخ النشر: يناير 29, 2026

عدد القراءات:63 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *