إنه دفاع عن البلاغة إلى الحد الذي يتجاوز فيه حدود الدرس اللغوي، ليصبح في نهاية المطاف دفاعاً عن رؤية كاملة للغة والأدب والثقافة!
لقد حضر هذا الكتاب بقوته في مرحلة بدأ فيها بعض المثقفين ينظرون إلى البلاغة العربية كعلم متكلف فقد قيمته، حيث تصدى لهم أحمد حسن الزيات ليعيد أمامهم قراءة هذا التراث، ويبين بالدليل أن الخلل لم يكن يوماً في البلاغة نفسها، بقدر ما هي متوغلة في طرائق تدريسها، فضلاً عما أصابها من جمود عبر العصور.
إنه أحمد حسن الزيات (1885 : 1968)، أديب وصحفي ولغوي مصري، وأحد كبار كتّاب العربية في القرن العشرين، والذي أسس مجلة الرسالة الشهيرة التي أصبحت فيما بعد منبراً لأبرز أعلام الأدب والفكر، وقد عُرف بأسلوبه العربي الرفيع، وحرصه على سلامة اللغة وجمال البيان، وأسهم في ترسيخ الذائقة الأدبية لدى أجيال متعاقبة من القراء والكتّاب.
يفتتح الزيات كتابه بعرض أسباب الهجوم الذي تعرضت له البلاغة العربية في العصر الحديث، ثم يناقش تلك الاعتراضات واحدة تلو الأخرى مستعيناً بالشواهد من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي، والنثر القديم، إلى جانب نماذج من الأدب الحديث، وهو يؤكد على أن البلاغة نشأت في الأساس لفهم أسرار التعبير العربي وتذوق جماله، وأنها كانت في أصلها وسيلة لتربية الحس الأدبي قبل أن تتحول مع الزمن إلى مادة مدرسية يغلب عليها الحفظ والتلقين والتقسيم.
يتناول الكتاب مفهوم البلاغة ووظيفتها، وعلاقتها بالفكر والذوق، ثم يشرح تطور علوم المعاني والبيان والبديع، والمقصود بكل علم منها، مع بيان دورها في الكشف عن الفروق الدقيقة بين الأساليب، وكيفية اختيار الكاتب أو الشاعر عبارته بما يلائم المقام والمعنى والأثر النفسي الذي يريد إحداثه. إضافة إلى هذا، يقف الزيات عند عدد من القضايا البلاغية التي أثارت جدلاً بين القدامى والمحدثين، مثل قضية اللفظ والمعنى، والتكلّف اللغوي، والزينة اللفظية، والطبع والصنعة …..، محاولاً إعادة هذه المفاهيم إلى سياقها الصحيح.
كما يلفت الزيات الانتباه إلى أن البلاغة لم تكن يوماً منفصلة عن الحياة الفكرية والثقافية، بل ارتبطت بتفسير القرآن، ونقد الشعر، وفهم النصوص، وصناعة الخطابة والكتابة. ولهذا يرى أن تراجعها في العصر الحديث ارتبط بتراجع الذائقة الأدبية، وبهيمنة الدراسة الآلية التي فصلت القواعد عن النصوص الحية. لذا، تراه يقترح ضمنياً العودة إلى البلاغة عبر القراءة الواسعة للأدب الرفيع، بحيث تصبح القاعدة نتيجة للتذوق، لا بديلاً عنه.
من ناحية نقدية، لا يبدو الزيات مدافعاً عن البلاغة بدافع المحافظة على التراث وحسب، حيث كان يرى فيها أداة لفهم اللغة، الأمر الذي جعله يستشهد بالعديد من الأمثلة، بدلاً من الاعتماد على الجدل الخطابي في دفاعه.
لا يمنع هذا من القول إن الكتاب يحمل بصمة عصره، فقد انشغل الزيات بالرد على اعتراضات عنيفة لا سيما في مطلع القرن العشرين .. الانشغال الذي قد يجعل بعض نقاشاته تبدو أقل إلحاحاً عند القارئ المعاصر. كما أن أسلوب الزيات -رغم جماله ورصانته- يتطلب قارئاً معتاداً على العربية الكلاسيكية، إذ تكثر فيه الجمل الطويلة والتراكيب الأدبية التي قد تبدو ثقيلة على من اعتاد الأساليب الحديثة.
إنه كتاب رصين في حد ذاته، لا بد أن يستحضر شعوراً إيجابياً عند قراءته، لا سيما والعربية تبدو فيه عريقة خلافاً للعربية المتداولة حديثاً، حيث تبدو أن قيمته تكمن في محاولة مؤلفه الصادقة إعادة الاعتبار للبلاغة، كالفن القابل للتذوق لا العلم المثقل بالمصطلحات. لكن لا بد من القول أيضاً أنه كتاب يميل إلى المقالة الفكرية أكثر منه كتاباً مدرسياً في علوم البلاغة.
ختاماً، يقدم الكتاب قراءة واعية لمكانة البلاغة في الثقافة العربية، ومؤلفه الذي يذكّر القارئ بجمال اللغة التي تتجلى في قدرتها على التعبير الدقيق والمؤثر، لا كما يُعتقد في حصرها ضمن قواعد محفوظة عن ظهر قلب وحسب! لذا، لا بد من الإشادة بدور الزيات الذي حوّل قضية لغوية إلى قضية ثقافية عريضة، وثيقة الصلة بالأمة وبلغتها وبذائقتها الأدبية .. وهو بهذا قد منح كتابه حضوراً تجاوز زمن تأليفه، حتى مع تجدد الأسئلة التي يطرحها كل أوان وزمان.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (69) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو في الترتيب (14) ضمن قراءات يونيو التي بلغت (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: Diary of a Young Doctor
تسلسل الكتاب على المدونة: 819
التعليقات