كم يبدو هذا الكتاب كالمشهد الحي الذي لا يزال روّاده يتحاورون في مجلسهم، وهم في القرن الخامس قبل الميلاد، حول مأدبة الحب في أثينا القديمة!
إنه بالأحرى حوار فلسفي حلّ محل فاكهة المجلس بعد أن ارتدى حلّة الوليمة السخية، وتعاطى أسئلة ميتافيزيقية ضمن كؤوس الشراب، بين فرقعات الضحك والمنافسة البلاغية والغيرة المحمومة والافتتان غير الخفي .. والذي انتهى إلى واحدة من أعرق الصياغات في معنى الحب.
وبينما يكتب البعض عن الحب كقيمة عاطفية، أو كنوع من الميل الخاص نحو شخص بعينه، أو انشغالاً بفتنة جسد محبوب، فإن أفلاطون الإغريق يأبى إلا أن يصوغ الحب في قلب الفلسفة نفسها: النقص، الاستجداء، الصعود، الرغبة، الخلود، الجمال، الحكمة! على هذا تتجلى عظمة المأدبة التي بدأت في مستوى بشري عادي، وانتهت عند أفق كاد أن يلمس السماء.
يدور الحوار في بيت الشاعر التراجيدي أجاثون، بمناسبة احتفاله بالفوز في مسابقة مسرحية، حيث يجتمع عدد من الشخصيات الأثينية، ويقترحون على أن يقدّم كل واحد منهم خطاباً في مديح إيروس .. إله الحب والرغبة. فيتحدث ابتداءً الأديب فيدرس عن الحب من ناحية قوته الأخلاقية التي تدفع الإنسان بالضرورة نحو الفضيلة، ثم يتبعه بوزنياس، صديق أجاثون، فيفرّق بين حب جسدي شهواني وحب أسمى يتصل بالنفس والفضيلة، ثم يقدم الطبيب إريكسماخوس تصوراً كونياً يظهر فيه الحب طاقة منسجمة مع الجسد والطبيعة والموسيقى، ثم يتحفهم الشاعر الكوميدي أرستوفانز بأسطورته الشهيرة عن البشر الأوائل الذين كانوا كائنات مكتملة، فقسمهم زيوس إلى نصفين، فصار كل إنسان يبحث عن نصفه الضائع! ثم يأتي دور المضيّف أجاثون ليمتدح الحب بلغة شعرية وهو يصفه بالجمال والرقة والفضيلة، ليتدخل سقراط حينها بأسلوبه الجدلي المعتاد الذي ينقض فيه تصور أجاثون، فيروي ما تعلمه من ديوتيما، المرأة الحكيمة التي قالت له يوماً أن الحب رغبة في امتلاك الخير والجمال على الدوام، وأن الطريق الأعلى للحب يبدأ من جمال جسد واحد، ثم يرتقي إلى جمال الأجساد كلها، ثم جمال النفوس، فجمال القوانين والمعارف، حتى يبلغ تأمل الجمال في ذاته. وفي النهاية يدخل ألكبيادس سكراناً -وهو أحد رجال السياسة اللامعين- فيحوّل الحديث من مديح الحب إلى مديح سقراط، كاشفاً عن أثر الفيلسوف الغامض والفاتن معاً فيمن حوله.
هذا المعمار الفني يحيل «المأدبة» إلى نص فريد بامتياز، فكل إضافة للخطاب تبدو كدرجة في سلم، وكل متحدث يفتح باباً جانبياً لمعنى الحب، حتى يأتي سقراط بثقله ليعيد تصميم المعمار كله من جديد.
بيد أن الحب لدى تلميذه أفلاطون لا يتمثل في امتلاك المحبوب ولا الذوبان العاطفي فيه، حيث يمثلها كحالة ارتقاء من المحسوس إلى المعقول التي تجعل من الجسد مفهوم ينبغي تأويله، والرغبة وسيلة للمعرفة! بهذا المعنى، يصبح إيروس أكثر من فاعل فلسفي .. كالجوع الذي يدفع النفس إلى البحث عما يُشبعها.
وقبل الخوض في حوار المأدبة، من الجيد التعرف على الإطار الذي قدّم به أفلاطون. فالمأدبة التي شهدت على اختلاف آراء المدعوين دونه -حيث لم يكن حاضراً- فهو يسرده تدريجياً، مستهلاً بـ (أبولودرس) الذي يروي أحداث المأدبة لصديق مجهول سأله عنها، مستنداً إلى شهادة تلميذ سقراط (أرستديموس) الذي كان مدعواً. ومن خلال هذه الرواية المتواترة، يعمد أفلاطون إلى صياغة تلك الأمسية في قالب فلسفي وأدبي بالغ الإحكام، حيث يجتمع عدد من أبرز مفكري أثينا يتقدمهم سقراط، يتناوبون فيما بينهم على إلقاء خطب في تمجيد إيروس، إله الحب عند اليونان. ومن هذه المناسبة الاجتماعية البسيطة، يخلق أفلاطون أحد أعظم الحوارات الفلسفية في الإرث الإنساني، جامعاً بين الدراما الأدبية وعمق التأمل الفلسفي.
إن أجمل ما في حوار المأدبة قدرة أفلاطون -الذي لم يصرع الشعر لصالح الفلسفة- إثارة شهية الحديث بين أضداد، من شاعر وأديب وطبيب وسياسي وصديق ومتهكم وفيلسوف، كان كل واحد منهم يرى الحب بعيني مهنته ومزاجه. فبينما يراه الطبيب توازناً، يراه الشاعر جمالاً، وفي حين رآه الكوميدي فقداناً للنصف الآخر، رآه سقراط توقاً إلى الخير. إن هذه التعددية في زاويا النظر تمنح الحوار نفسه طابعاً مسرحياً ينأى عن الدرس الفلسفي بعرض مجموعة من الأفكار ترتدي كل فكرة منها زي صاحبها.
إن خطاب أرستوفانز يُعد الأكثر شهرة في العصر الحديث، لأنه يعرض أسطورة «النصف الآخر» التي تسربت إلى المخيلة الشعبية في الحب، غير أن قوة المأدبة لا تقف عند حد هذه الأسطورة على سحرها، فلو اكتفى القارئ بها يكون كالذي أخذ من المأدبة نصفها العاطفي وترك عمودها الفلسفي. لذا، يتجاوز أفلاطون عبر ديوتيما فكرة النصف الضائع إلى فكرة أعمق تجعل من الإنسان في بحثه عن شخص ما، لا ليكمله، بل ليمدّه بمعانٍ تمنحه امتداداً روحياً يتجاوز فناء الجسد.
لكن من هي ديوتيما التي استنكفت لإيروس أن يعبّر عن مجرد الرغبة، فجعلته طريقاً يرتقي بالنفس نحو الجمال والخير والخلود؟ إنها امرأة حكيمة من مدينة مانتينيا، يقدّمها أفلاطون في مأدبته كمعلمة سقراط الأولى في فلسفة الحب، حيث تعرض من خلال الحوار الذي ينقله عنها، نظرية روحية تفترض بالحب أن يكون رحلة ارتقاء تبدأ من خلال الإعجاب بالجمال الحسي وتنتهي بتأمل الجمال المطلق.
ومن هنا تظهر عبقرية ديوتيما التي يمنح وجودها النص معانٍ مغايرة. فالحكمة العليا عن الحب لا تتأتى من شاعر مشهور أو رجل دولة أو فيلسوف حكيم -وكلهم رجال- بل من امرأة غائبة حاضرة، تنقل إلى سقراط الدرس الذي سينقله هو بدوره إلى الآخرين .. وهو الحضور الذي يثير اهتمام القراءات الحديثة، حيث ديوتيما تتوسط قلب أشهر نظرية أفلاطونية عن الحب، رغم أنها لا تظهر علانية في مجلس الذكور الآنف، وكأن أفلاطون يسمح للحقيقة بأن تتسلل من خارج الصخب الذكوري أثناء الوليمة، لتستحوذ على مركز الحوار بهدوء أنثوي مدهش.
أما «سلّم الحب» في خطابها فهو قلب المأدبة، حيث يتدرج الإنسان لديها من الافتتان بجمال جسد واحد، ليتيقن لاحقاً أن الجمال ليس حبيس جسد بعينه، فينتقل إلى تقدير الجمال في الأجساد كلها، ثم يسمو إلى جمال النفوس، ثم جمال القوانين والنظم والمعارف، حتى يبلغ تأمل الجمال المطلق. هذه الفكرة قد لا تروق لمن يريد الحفاظ على الحب خاصاً وحميمياً، أو كما تريد ديوتيما أن ترفع العاشق من الفرد إلى المثال، ومن الجسد إلى الروح. ربما تثير هذه النظرية من جديد حنق ذلك المحب فيعترض متحدياً أفلاطون: هل يرتقي الحب حقاً عندما يخف تعلقه بالمحبوب؟ أم أن الحب يفقد شيئاً من إنسانيته عندما يتحول المحبوب إلى مجرد درجة في رحلة الارتقاء والسعي نحو الجمال المطلق؟ كم يبدو هذا الاعتراض الذي تلبّس هيئة سؤال، محرجاً في سياق حوار فلسفي أصيل!
ومن الزاوية الجندرية، يبقى حضور ديوتيما في «المأدبة» من أكثر عناصر الحوار إثارة للتأمل، فأفلاطون، مهما بلغت عظمته الفلسفية، ظل ابناً لأستاذه سقراط بما يحمله من تصورات ضيقة عن المرأة وموقعها في المجال العام. ومع ذلك، تراه يمنح الحوار أعلى صيغة فلسفية للحب من خلال صوت نسائي كان حاضراً رغم غيابه، فالنظرية الأعمق في النص لا تصدر عن أحد رجال المأدبة، إنما ينقلها سقراط عن ديوتيما، المرأة الحكيمة التي يتحدث عنها بوصفها معلمته في شأن الحب. وسواء أكانت ديوتيما شخصية تاريخية أم استنباط أدبي أفلاطوني، فإن حضورها المركزي في الحوار يجعل الفيلسوف الأكبر يتراجع أمام معرفة امرأة، حيث ينسب إليها بنفسه درس الحب المتسامي عن الرغبة نحو الحكمة. قد تكمن هنا مفارقة تحيل امرأة تنتمي إلى ثقافة ذكورية قديمة خالصة، إلى حكيمة تصف أكثر المفاهيم الفلسفية رسوخاً في جوهر الحب.
ورغم بعض اللغط، لا يمكن إنكار «المأدبة» كأعظم النصوص التي حررت الحب من التفاهة .. كيف لا وهي تعيد الاعتبار للرغبة من اعتبارها عيباً إلى طاقة يمكن تهذيبها، والجمال من مجرد زينة ظاهرة إلى باب نحو المعرفة، بل إن الفلسفة نفسها هي فعل حب، حيث الفيلسوف لا يمتلك الحكمة إلا بمطارتها بعد الوقوع في حبها. على هذا، تنصّب المأدبة سقراط في النهاية كنموذج حي لهذا الحب، فهو رجل لا يمكن إغوائه بسهولة، لا لجمود في طبعه لكن لأنه مشدود إلى جمال أعلى من التملك الحسي.
غير أن دخول ألكيبيادس في النهاية يعد من أجمل اللمسات الدرامية في حوار المأدبة، إذ أن بعد كل ذلك التبجيل المقدّم لجلالة الحب، يقتحم عاشق غيور سكران مرتبك .. للحق: مفتون بسقراط ومجروح من تمنّعه. هنا وفجأة يسقط الحب من برجه العاجي ليرتطم على صفحة المأدبة .. بتعبير أرضي: من السماء إلى القاع أو من عالم المُثل إلى عالم الطين، أو من الجمال المطلق إلى الغيرة والخيبة. كم يبدو هذا الختام شديد الذكاء وأفلاطون لم يسمح للنص أن يبقى طاهراً أكثر مما تقتضيه الحكمة، فبعد صعود ديوتيما الميتافيزيقي، يأتي ألكيبيادس ليذكّر المريدين بأن الحب في الواقع الإنساني، فوضوي أيضاُ، وقد يكون مجيداً ومهيناً في نفس اللحظة.
من الناحية الأدبية، فإن «المأدبة» حوار بالغ الرشاقة، يعرضه أفلاطون متعدد الأصوات، يمزج بين الجد والهزل، والأسطورة والمنطق، والبلاغة والسقراطية، وكل هذا بمنأى عن أي شكل من أشكال التقرير الفلسفي. قد يكمن هنا سر صلاحية المأدبة للتناول بعد قرون طويلة، حيث تجعل القارئ أقرب من المدعوين .. يستمع ويبتسم ويعترض، ثم يواجه سؤالاً وجودياً عن رغبة الإنسان الحقيقة من الحب!
على مستوى التصنيف، وكما يمكن قراءة الكتاب كحوار فلسفي في الحب كما هو في ظاهره، كذلك يمكن قراءته ميتافيزيقياً، أو باعتباره عمل أدبي مسرحي، وبالطبع كمصدر أساسي لشرح مفهوم «الحب الأفلاطوني» في جذره القديم، رغم أن هذا المصطلح الشائع حالياً قد لا يطابق بالضرورة أصله، إذ أن «الحب الأفلاطوني في المأدبة» لا يعني علاقة تخلو من التواصل الجسدي، بل يعني تحويل الرغبة في هذا التواصل إلى طريق للمعرفة والارتقاء.
إن تجربة قراءة «المأدبة» تشبه حالة الانتقال من مجلس أنيق إلى معبد داخلي .. هكذا كحالة السفر عبر الزمن، تبدأ بأحاديث أثينيين يتنافسون في مديح الحب، ثم تنتهي بسؤال عن الجمال والخلود وعن الحب ما إذا كان لذات المحبوب أو لما يكشف عنه من معانٍ أكثر سمواً. إن هذا ما يجعل النص خطيراً وجميلاً في آن واحد، فهو لا يعتق الإنسان من استجوابه فيمن يحب وحسب، بل يسأله لماذا يحب، وإلى أين قد يحمله الحب عندما يتبعه حتى النهاية؟
وقبل الختام، إنه كتاب لا تتوازى قيمته وحجمه الصغير، وهو من تلك النصوص التي تمنح الحب عمقاً فلسفياً، فتجعله أكثر من عاطفة متبادلة بين اثنين! فوق هذا، يبرع أفلاطون في الارتقاء به كمسار يبدأ من الرغبة إلى الجمال إلى المعرفة إلى محاولة لمس الخالد في عالم زائل.
ختاماً، ربما يختلف القارئ مع أفلاطون حين يجرّد الحب من بعض لحمته الإنسانية، لا سيما والمحبوب ذائباً في مثاليات أفلاطونية، إلا أن النص سيبقى محتفظاً بنبله وهو يتوّج الحب كقوة صانعة للفلسفة، محررة للنفس، ومحفزة للإنسان نحو اتساع يفوق حدوده الأولى.
على هذا، ليس من المدهش أن مأدبة عتيقة في أثينا القديمة لا تزال تغذّي الإنسان بطعم الحب الخالص الذي حين يتناوله بإخلاص تام، يضفي معنى شامل لكامل وجوده.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (58) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو ثالث ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الفلسفة الرواقية
تسلسل الكتاب على المدونة: 808
التعليقات