على الرغم من أن عنوان الكتاب يبدو هيّناً للوهلة الأولى وهو يذكر (الأدب)، إلا أن مضمونه يميل إلى التكلّف وهو يحيله إلى (الغرابة)، إذ إن النص الأدبي ربما يكون غريباً .. في موضوعه أو في لغته أو حتى في طريقة قراءته! على هذه الغرابة، ينطلق المؤلف وهو يجرف معه سيل من التأملات حول الأدب العربي وعلاقته بالتراث واللغة والقراءة والهوية الثقافية، مستعيناً بنصوص قديمة وحديثة في تنقّله بين الأدب العربي والفكر الغربي، وذلك من خلال أسلوب لا يعكس سوى تكوينه الثقافي المزدوج!
وعنه، فهو عبد الفتاح كيليطو، ناقد وأكاديمي مغربي والذي يُصنّف ضمن أبرز الباحثين العرب المعاصرين في السرديات لا سيما في الأدب العربي القديم، وقد عُرف بكتاباته التي تمزج بين التراث العربي والنقد الحديث، وأعماله باللغتين العربية والفرنسية والتي تُرجمت إلى عدة لغات.
يتألف الكتاب من مجموعة مقالات ودراسات مصّغرة تدور حول مفهوم الغرابة في الأدب، وكيفية تقمصّها للنص ومن ثم تشكّلها في وعي القارئ، حيث يتناول كيليطو علاقة الكاتب باللغة، وحدود الإدراك وسوء الفهم، وإعادة القراءة بغرض اكتشاف النص من جديد، ومدى تأثير التراث العربي في الوعي الحديث، إضافة إلى مناقشات متفرقة حول نصوص مختارة من الأدب العربي الكلاسيكي ومؤلفيها، مثل: الجاحظ وأبي العلاء المعري، إلى جانب إشارات متكررة نحو أعمال أدبية، فرنسية وغربية.
يتوقف المؤلف عند فكرة مراوغة الأدب الذي قد لا يقدم المعنى مباشرة، حيث يحيلها للقارئ الذي قد يجد نفسه مدفوعاً نحو إعادة النظر فيما اعتبره مسلمات! لهذا، يظهر المؤلف وهو يكثر من المقارنات، ويعود إلى الحكايات التراثية تارة، ويستدعي المراجع النقدية الحديثة تارة أخرى، متنقلاً بين النصوص بحرية سافرة، وكل ذلك بغرض التأكيد على لا محدودية فضاء الأدب في استيعاب حوار مستمر بين الأزمنة والثقافات واللغات.
كم يبدو كيليطو متفهّماً في تناوله قضية القراءة نفسها، لا سيما وهو لا يعتبر القارئ متلقياً سلبياً لما يقرأ، في حين يعتبره شريك -وربما أصيل- في توليد المعاني، بحيث تفتح القراءات المتعددة إمكانيات جديدة لفهم النص الواحد. يقود هذا بالضرورة لفتح نقاش أوسع حول الترجمة واللغة والهوية وحدود فهم النص وتأويله ….، وهي موضوعات تشكل جزءاً لا يتجزأ من أطروحة المؤلف في معظم مؤلفاته.
من الواضح أن عبد الفتاح كيليطو يحتفظ لنفسه بنبرة تميّزه عن العديد من النقاد العرب، حيث الأسلوب المكثف وكثرة الإحالات واعتماد الإيحاء على حساب الوضوح، وهي النبرة التي -رغم فرادتها لدى بعض القراء- تجعل من مواصلة تتبع أفكاره مرهقة للبعض الآخر، لا سيما القراء المتطلعين لأسلوب منهجي واضح ومتدرج ينتهي بنتيجة صريحة.
على مستوى شخصي، أجد الكتاب يعكس بوضوح موسوعية المؤلف الثقافية أكثر من حرصه على ذائقة القارئ لا سيما العام الذي يتطلع بطبيعة الحال إلى السير خطوة بخطوة داخل النص، بل يبدو أن المؤلف في أكثر من موضع كالذي يتحدث من حلقة فكرية مغلقة، وأن خلفيته الفرنسية في النقد والسرد تركت طابعاً ملموساً في تركيبة أسلوبه العربي، حيث تتلبّس بعض التعبيرات روح الفرنسية عما هو مألوف في العربية.
ختاماً، يبدو أن المؤلف يتبنى بحق مشروع إعادة قراءة التراث العربي من زوايا غير معتادة، ترتبط بقضايا الأدب الحديث والنقد المقارن .. وبينما قد يجد فيه القارئ المتخصص مادة ثرية للتأمل، قد يشعر القارئ العام معه بشيء من العسر يعود لكثافة اللغة وطبيعته التأملية الخاصة.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (62) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو سابع ما قرأت في يونيو ضمن (15) كتاب، وقد جاء كترشيح من البائع!
من فعاليات الشهر: لا شيء محدد .. بل روتين صيفي يكسره سيل من قراءات متتابعة!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: أصوات العربية: الدرس الصوتي عند العرب
تسلسل الكتاب على المدونة: 812
التعليقات