كتاب يمثل الجانب الأكثر خصوصية في شخصية الحكيم الروسي، لا سيما الروحية.
ففي السنوات الأخيرة من حياته، وبعد التحولات الفكرية والدينية العميقة التي مر بها، انشغل تولستوي بجمع ما اعتبره أفضل ما أنتجته الحكمة الإنسانية عبر العصور، وهو يهدف إلى توفير مادة تأملية ترافق الإنسان يوماً بعد يوم طيلة العام، بحيث جاءت في مجملها ثلاثمائة وخمس وستين مقتطف، تساعده على التفكير في القضايا الكبرى .. الله، الأخلاق، المحبة، العمل، الموت، الغاية من الحياة.
ولأن هذا الكتاب يعود إلى المرحلة المتأخرة من فكر تولستوي، وهي المرحلة التي قل اهتمامه فيها بالأدب الروائي مفضلاً عليها الأسئلة الروحية والأخلاقية، فقد جاءت كتابته هنا مفتقرة للبناء السردي على حساب الغنى بالحكمة العملية. لذا، يبدو كتابه هذا أشبه بخلاصة فكرية طويلة المدى، جاءت كنتاج عمر مديد في القراءة والتأمل ومراجعة الذات.
بإيجاز، يقع الكتاب ضمن مجموعة كبيرة من التأملات والحكم والنصوص القصيرة المرتبة على أيام العام، والتي استمدها تولستوي من مصادر متعددة تشمل مفكرين وفلاسفة وحكماء ورجال دين وأدباء من ثقافات مختلفة، إلى جانب عدد من تأملاته الخاصة، حيث تدور موادها حول الإيمان والمحبة والضمير والعمل والانضباط الذاتي والسلام الداخلي والعلاقات الإنسانية وطبيعة الخير والحياة الأخلاقية والبحث عن المعنى.
ومع أن الحكمة في جوهرها معرفة نظرية مجردة، إلا أن تولستوي تعاطى معها هنا كممارسة يومية، وهذا ربما ما يضفي على كتابه ميزة خاصة، بل إن القارئ لا بد وأن يستشف هذا المعنى، حيث لن يتواجه مع نظام فلسفي أو أطروحة فكرية واحدة، بل سلسلة متصلة من الأفكار القصيرة التي تدعوه إلى التوقف والتأمل وإعادة النظر في عاداته ومواقفه. عليه، يبدو الكتاب أقرب إلى رفيق يومي منه إلى مادة تُقرأ دفعة واحدة.
وبعيداً عن المادة التأملية، يكشف الكتاب جانباً من شخصية تولستوي الفكرية، حيث يجمع بين التأثيرات المسيحية، والأفكار الأخلاقية العالمية، والنزعة الإنسانية الواسعة التي جعلته يبحث عن الحكمة أينما وجدها. لا غرابة إذاً أن هذا التنوع قد بلوّر فكرته عن الحقيقة الأخلاقية التي وجدها أكبر من حدود الأديان والثقافات والقوميات، وعن قدرة التجربة الإنسانية المشتركة في إنتاج رؤى متقاربة حول الخير والمحبة والحرية والكرامة.
ورغم جاذبية النصوص التي يعززها قصرها من جانب، فقد لا تناسب طبيعة الكتاب نفسه جميع القراء، حيث التكرار الناتج عن كثرة التأملات، فضلاً عن رؤية تولستوي الروحية الخاصة التي قد يتفق معها القارئ أو يختلف! رغم هذا، فإن الكتاب لا يعتمد أسلوب الإقناع الجدلي بقدر ما يعتمد على إثارة التأمل الفردي.
في الختام، إنه كتاب مفعم بدفء الإنسانية وهو يجمع بين الحكمة والأخلاق والتأمل الروحي في صيغة بسيطة معدّة لكل يوم من أيام العام، وهو يعكس -من ناحية أخرى- رغبة الحكيم في ترسيخ عادة التفكر ضمن شئون الحياة العادية لا كنشاط جانبي منها .. وعلى الرغم أن الكتاب القصير قد لا يمنح القارئ إجابات نهائية عن أسئلة الوجود الكبرى، إلا أنه سيضيف لرصيده مخزون ثري من الأفكار تدعوه للنظر في حياته بقدر أكبر من الوعي والهدوء والإنصات!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (51) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو في الترتيب (11) ضمن (15) كتاب قرأتهم في مايو!
من فعاليات الشهر: بعد تجربة المشاركة في تظاهرة ثقافية حضارية -ظننتها كذلك بصفة المنتسبين لها- إذ بي أخرج منها بيقين مفاده: أن الروح الراقية، وإن ترفّعت عن الشر، فإن الابتذال المقنّع يُنهكها ……….. يا له من عالم منافق أنأى بنفسي عنه .. غير أن ما يُشين هذا النفاق فوق شينه، صدوره من (نخبة) تدّعي أنها (ثقافية)!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: مدخل إلى التحليل النفسي
تسلسل الكتاب على المدونة: 801
التعليقات