هنا الشهادة في غزة حين تنجو .. لتحدّث أخبارها!
بينما توثّق الشاشات غزة كخبر سياسي عابر أو كمجرد رقم في نشرات الموت، يسعى هذا الكتاب لالتقاط الإنسان وهو في أقسى لحظات التاريخ .. وهو إذ يقرّب العدسة من الوجوه العابرة التي قُصفت بالنار والجوع والفقد والنزوح ثم بقت قادرة على الكلام، يتخذ عنواناً فرعياً معبّراً في (وجوه من غزة تروي قصة البقاء في زمن الإبادة)، حيث النجاة لا تعني الخلاص الفردي، إنما تحمل مسئولية تبليغ الشهادة.
يدور الكتاب حول مجموعة من الحكايات التي تنقل وجوهاً مختلفة عاصرت تجربة البقاء في غزة خلال زمن الإبادة والشهادة، حيث يتتبع الصحفي مؤلف الكتاب تلك الوجوه الباقية بين الخوف والتشرد وفقد الأحبة وانهيار البيوت وفناء الحياة اليومية، فيمنح كل وجه مساحة ليروي جانباً حارقاً من تجربته التي تحمل بالضرورة وطأة الألم الشخصي وثقل الذاكرة الجماعية معاً، مع تفاصيل النجاة المتكررة أمام اتساع الكارثة التي أحاطت بكل ما هو حي!
قد تبرز أهمية الكتاب في نقل العدسة من المشهد العام للمأساة إلى التجربة الفردية، فبينما تفقد الكوارث الكبرى وجوهها حين تُروى بالأرقام وحدها، فهي تستعيد ثقلها الأخلاقي حين تُروى عبر أسماء وأجساد وبيوت وذكريات ضحاياها! بيد أن البقاء نفسه في غزة لم يكن حالة تواجد جسدي بقدر ما هو فعل مقاومة يومي ضد أشباح المحو والضياع والنسيان.
يقترب هذا الكتاب من العمل الصحفي الإنساني والأدب التوثيقي في آن واحد، حيث يستند في أسلوبه إلى الشهادة المباشرة وهو يضفي على السرد طابعاً وجدانياً، مع حفاظه على السياق التوثيقي الذي يناسب موضوعه من حيث الشهادة الحية. وفي سياق الحديث عن الأسلوب، ما من شك في أن قيمة الكتاب وما يشابهه لا تُستمد في العادة من الزخرفة اللغوية، بل من قسوة الحقيقة التي يكشف عنها، فالواقع حين يحمل هذا الحجم من الفاجعة، تصبح اللغة وحسب مطالبة بالإنصات والإملاء بمنأى عن البلاغة!
وبطبيعة الحال، فإن الكتاب وهو يتعاطى مع الشهادة الإنسانية الحية في خضم حرب مستعرة، فهو أشبه بوثيقة وجدانية وأخلاقية وإنسانية تروي حكاية البقاء وحسب، فلا يتوقع القارئ المهتم منه تحليلاً سياسياً، ولا يجب تصنيفه كمرجع في القانون الدولي أو دراسة تاريخية مفصلة لجذور الصراع .. إنما هو شهادة في ذمة من نجا.
ختاماً، لا يبدو أن من نجا في الإبادة قد نجا فرداً كاملاً، إنما نجا وهو يحمل في روحه وجوه الغائبين التي حاولت الحرب دفنها .. لذا، عليه أن يتيقن بأن الشهادة قد تكون آخر ما يتبقى في ذمته بعد أن تُهدم البيوت وتتبعثر الذاكرة وتغيب الوجوه تحت الركام.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (50) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو عاشر ما قرأت في شهر مايو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: بعد تجربة المشاركة في تظاهرة ثقافية حضارية -ظننتها كذلك بصفة المنتسبين لها- إذ بي أخرج منها بيقين مفاده: أن الروح الراقية، وإن ترفّعت عن الشر، فإن الابتذال المقنّع يُنهكها ……….. يا له من عالم منافق أنأى بنفسي عنه .. غير أن ما يُشين هذا النفاق فوق شينه، صدوره من (نخبة) تدّعي أنها (ثقافية)!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: مقتطفات يومية من أقوال الحكماء
تسلسل الكتاب على المدونة: 800
التعليقات