يأتي هذا الكتاب للمفكر البريطاني الباكستاني الأصل، ضمن سلسلة من الأعمال التي حاولت إعادة النظر في الإرث الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الحركات اليسارية التقليدية، لا سيما والمفكّر يشتهر بآرائه النقدية الموجّهة ضد الرأسمالية الغربية والسياسات الإمبريالية الحديثة.
ينطلق الكتاب من سؤال أساسي ظل يلاحق الفكر السياسي منذ نهاية الحرب الباردة: هل انتهت الشيوعية كمجرد فكرة تاريخية، أم أن انهيارها سياسياً لا يعني بالضرورة موت الأسئلة التي ولّدتها؟ ومن هذا السؤال يبني المفكّر دفاعه الفكري عن أهمية استمرار النقاش حول الشيوعية في العالم المعاصر. والمفكّر إذ هو لا ينطلق كمؤرخ محايد للحركة الشيوعية، يعتقد أن الرأسمالية المعاصرة لا تزال تفرز أزمات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية تدفع إلى إعادة التفكير في البدائل الممكنة .. الموقف الذي لا بد أن يكسب المفكّر وكتابه، الطابع السياسي الجدلي!
بإيجاز، يتناول الكتاب تاريخ الفكر الشيوعي وتطوره منذ ماركس وإنجلز، ثم يتوقف عند التجارب الشيوعية الكبرى خلال القرن العشرين، وما رافقها من نجاحات وإخفاقات وتحولات، كما يناقش انهيار الاتحاد السوفييتي، وصعود النيوليبرالية، والأزمات الاقتصادية العالمية، والعلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية، إلى جانب استعراض عدد من الشخصيات والأحداث التي شكلت تاريخ الحركات اليسارية العالمية، ثم يخصص مساحة للتساؤل حول إمكانية استعادة بعض المبادئ الشيوعية أو إعادة صياغتها في سياقات القرن الحادي والعشرين.
وفي محاولة موضوعية للفصل بين الفكرة وبين تجلياتها التاريخية، يظهر المفكّر وهو ينبّه على ضرورة التمييز بين المبادئ النظرية التي نشأت حول العدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة، وبين الممارسات السياسية التي عُرفت عن بعض الأنظمة المنتسبة للحزب الشيوعي، محاولاً فتح المجال لإعادة النظر في الشيوعية وتقديم قراءة جديدة لمفاهيمها، بعيداً عن الأحكام النهائية التي شاعت أعقاب الحرب الباردة.
يتميز الكتاب بسهولة نسبية في الطرح مقارنة ببعض الأعمال النظرية المرتبطة بالفكر الماركسي، حيث يعتمد المفكّر أسلوباً يجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي والمنظور الثقافي، ما يجعل الكتاب ملائماً للقارئ المهتم بتاريخ الأفكار السياسية.
من الناحية النقدية، قد تختلف الآراء حول الاستنتاجات التي يطرحها المفكّر لا سيما فيما يتعلق بقراءته للرأسمالية أو تفسيره لبعض التجارب الشيوعية التاريخية! بيد أن أهمية الكتاب لا تتوقف على مدى الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفه، بل ترتبط بقدرته الموضوعية على إعادة فتح نقاش اعتقد كثيرون أنه أُغلق نهائياً مع نهاية القرن العشرين.
في الختام، يقدم الكتاب قراءة سياسية وفكرية تسعى إلى إبقاء فكرة الشيوعية حاضرة في دوائر النقاش المعاصر، حتى بعد العقود التي شهدت تراجع نفوذها العالمي .. وهو يبدو كالذي يطرح أسئلة أكثر مما يقدم حلولاً، بل إنه ينبّه القارئ على أصالة الأفكار الكبرى التي لا تختفي بالضرورة مع سقوط أنظمتها، وعلى تاريخ الفكر السياسي الذي كثيراً ما شهد عودة الأسئلة القديمة بأشكال جديدة، كلما انبثقت أزمات تبحث عن تفسير أو بديل.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (49) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو تاسع ما قرأت في شهر مايو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: بعد تجربة المشاركة في تظاهرة ثقافية حضارية -ظننتها كذلك بصفة المنتسبين لها- إذ بي أخرج منها بيقين مفاده: أن الروح الراقية، وإن ترفّعت عن الشر، فإن الابتذال المقنّع يُنهكها ……….. يا له من عالم منافق أنأى بنفسي عنه .. غير أن ما يُشين هذا النفاق فوق شينه، صدوره من (نخبة) تدّعي أنها (ثقافية)!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: نجونا لنشهد
تسلسل الكتاب على المدونة: 799
التعليقات