هنا نص كما عنوانه .. قصير في مداه، وهو أقرب إلى بيان ثقافي وإنساني معاً، حيث يعكس يقين الكاتبة الإسبانية بقوة القراءة التي ساهمت -بلا أدنى شك- في تشكيل التجربة البشرية عبر التاريخ، وقد وضعته ضمن سياق أوروبي دعا إلى تعزيز ثقافة القراءة في زمن غلب عليه طابع المنافسة مع الوسائط الرقمية السريعة، الأمر الذي يفسر نبرته الحماسية والاحتفائية.
يتناول الكتاب القصير الإنسان ككائن مصنوع من القصص بقدر ما هو مصنوع من الوقائع، حيث كاتبته التي تتعاطى مع القراءة كأداة لبسط الخيال، وتعميق القدرة على التعاطف، وربط الفرد بتجارب بشرية تمتد عبر الأزمنة والثقافات، متجاوزة بذلك حدود اكتساب المعلومات المجردة. لذلك، تبدو الكاتبة وهي منشغلة بالدفاع عن الكتاب والمكتبة والمدرسة ودوائر القراءة المشتركة، التي تعمل في نظرها كفضاءات تحفظ الذاكرة الجمعية، وتمنح الكلمات فرصة الاستمرار داخل المجتمعات.
بشكل عام، الكتاب عبارة عن تأمل مكثف يحيط بقيمة القراءة ودورها الثقافي، تخطّه الكاتبة وهي تربط بعلاقة مباشرة بين الكتب وتطور الوعي، بينما تشدد على حماية البيئة التي تسمح للقراءة بالاستمرار، بدءاً من افتتاح المكتبات ودور النشر، وصولاً إلى مراكز التعليم والمؤسسات الثقافية. وهي لا تغفل عن الوقوف عند أثر القراءة في بناء الخيال وفهم الآخر وتوسيع أفق التجربة الإنسانية، مع استحضار أمثلة وإشارات تاريخية وأدبية تعزز فكرتها الأساسية حول ضرورة الحفاظ على ثقافة الكتاب في الحاضر وفي المستقبل.
لا أجد قيمة الكتاب تتلخص فقط في جدة أفكاره، حيث تبرع الكاتبة في صياغة أفكار مألوفة بلغة مشبعة بالحس الأدبي، بعيدة عن النَفَس الأكاديمي والدراسات والإحصائيات الجافة، وهي تتعاطى مع الكتاب كجزء عاطفي من التاريخ الإنساني، الأمر الذي سمح بتسلل نبرة وجدانية، جعلت من عملية القراءة نفسها تبدو وكأنها تجربة وجودية ترتبط بالهوية والذاكرة والقدرة على استشعار حياة الآخرين.
وعن قصر العمل الذي جاء في قالب بيان، فقد جعله هذا أقرب إلى إعلان موقف ثقافي منه إلى بحث إشكاليات تتعلق بالكتاب في العصر الحديث .. وهذا لا يعيبه، فهو (مانيفيستو)، غير أنه وثّق دور (القراءة) عبر آلاف السنين في تلبية حاجة إنسانية عميقة تتعلق بالتعليم والفهم وشحذ الخيال!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (41) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته في لمح البصر، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الحالي ضمن (120) كتاب .. وهو أول ما قرأت في شهر مايو ضمن (15) كتاب!
من فعاليات الشهر: بعد تجربة المشاركة في تظاهرة ثقافية -ظننتها حضارية بصفة المنتسبين لها- إذا بي أخرج منها بيقين مفاده: أن الروح الراقية، وإن ترفّعت عن الشر، فإن الابتذال المقنّع يُنهكها ……….. يا له من عالم منافق!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: فن أن تكون دائماً على صواب
تسلسل الكتاب على المدونة: 791
التعليقات