يبدو أن كتاب (La Chute dans le temps – Emil M. Cioran) يحمل عبء الوجود، كما أثقل عاتق الفيلسوف!
إنه جزء من مشروعه الفكري الذي تتكثّف فيه نبرته التأملية السوداوية دون أن تتخذ طابع السرد التقليدي، حيث عمد إلى بثّها في هيئة شذرات متفرقة تعكس حساً حاداً تجاه التاريخ والملل والانحطاط، والعجز عن التكيّف مع فكرة التقدّم.
إنه الفيلسوف الروماني المولد الفرنسي الإقامة (إميل سيوران 1911 : 1995) الذي اصطبغت فلسفته بالتشاؤمية المفرطة حد مراودة نفسه الانتحار، بحيث عدّ كل ما في الوجود مجرد كذبة .. بالعزلة التي ارتضاها وبالنشوة التي التمسها، وقد استثنى منها الموسيقى .. إضافة إلى تأثره بالفلسفات الإغريقية والشرقية والميثولوجيا الدينية. لا يمنع هذا من عدّه مفكّر ذو نظرة ثاقبة، لا يتوارى في نظرته السوداوية خلف مسميّات مبهمة مصطنعة كبعض أقرانه الفلاسفة، بل إنه يُفصح عن جواهره المظلمة، وبكل فجاجة!
لذا، يضم الكتاب مجموعة نصوص قصيرة نسبياً تتناول موضوعات متكررة تدور حول الزمن بسقطاته وانحلاله الحضاري، لا سيما مع علاقته بالإنسان .. الإنسان الذي وجده سيوران يعيش في حالة مستمرة من الحركة لكن نحو الهاوية، مع وعي بالتاريخ يزيد من ثقل الحياة بدل أن يمنحها أي معنى! يكرر الفيلسوف الإشارة نحو الحضارات التي بلغت ذروتها ثم أخذت بالانحدار، ونحو الإنسان المعاصر ككائن مثقل بالمعرفة وهو يفتقر إلى البراءة، كما يتطرق إلى الدين والعدم والذاكرة باعتبارها جميعاً عناصر تزيد من إحساس الإنسان بالانفصال عن ذاته وعن العالم ككل.
ورغم أنني لم أتم قراءة الكتاب لأسباب تعود إلى الترجمة العربية المتكلّفة -ومع محاولتي استرجاع ما قرأت سابقاً للفيلسوف في دقته اللغوية- أجد هذا الكتاب كالذي يُقرأ كحالات ذهنية متباينة أكثر من مجموعة أفكار مترابطة، رغم هذا، لها من القدرة على تحويل الإحساس بالضجر واللاجدوى إلى تأمل فلسفي حاد! بكلمة واحدة: إنه نص يصوّر ذلك الإنسان التائه الذي يدرك في الوقت نفسه أنه ماضٍ داخل زمن لا يمنحه خلاصاً.
في الختام، إنها حالة من التأمل القاسي للوجود، حيث الزمن مسار هابط والتاريخ عبء والوعي عبء إضافي! لا بد أن قراءته الكاملة تتطلب مزاج خاص، إلا أن فكرته العامة فواضحة: الإنسان كلما فهم أكثر ازداد إحساساً أكبر بسقوطه البطيء داخل الزمن الأبطأ والأشد وعورة!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (30) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة .. وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو خامس ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الطريق إلى مجتمع أفضل
تسلسل الكتاب على المدونة: 780
التعليقات