يحتل كتاب (Le racisme expliqué à ma fille) موقعاً خاصاً بين الكتب القصيرة التي عالجت العنصرية بلغة موجهة إلى القارئ العام، ترتكز صيغته الأساسية على حوار يدور بين مؤلف الكتاب كأب وابنته ذات العشر سنوات، بعد مشاركتهما تظاهرة في باريس ضد قانون متعلق بالهجرة، حيث تبدأ الطفلة في طرح أسئلتها حول العنصرية، لا سيما كيف يصبح الإنسان عنصرياً؟!
قد تكمن قيمة الكتاب في اختياره الصعب، تحديداً في أن يشرح موضوعاً معقداً دون تعقيد مفتعل، لطفلة حديثة السن، لا سيما والعنصرية هنا لا ينبغي شرحها كمسألة سياسية مجردة أو درس أخلاقي مدرسي، بل كمرض اجتماعي يتسبب به الخوف والجهل والتعميم والذاكرة الاستعمارية وسوء فهم الاختلاف.
هكذا يبدو محتوى الكتاب وهو يعتمد على حوار منهجي يجيب فيه الأب عن أسئلة ابنته المباشرة حول العنصرية: ما معناها؟ لماذا يخاف بعض الناس من المختلف؟ هل يولد الإنسان عنصرياً؟ ما علاقة العنصرية بالخوف والجهل والفقر والهجرة والاستعمار والدين واللون واللغة والثقافة ومعاداة السامية؟ كما يشرح الأب خلال الحوار دور الصور النمطية في صنع حكماً مسبقاً على الآخر المختلف، والظروف التي من خلالها تتحول الفروق الطبيعية بين البشر إلى ذريعة للتمييز. لذا، تقوم فكرة الكتاب التربوية على قدرة الطفل في فهم العنصرية إذا تم تقديمها بلغة واضحة، وعلى التربية المبكرة حيث تصبح أكثر فاعلية من محاولة تغيير قناعات الكبار بعد تصلبّها.
عليه، يبدو أن هذا الكتاب يؤكد على أصل تربوي عميق يتمثل في أن التصدي للعنصرية لا يتم من خلال سيل المواعظ وحسب، حيث إن مراقبة المفردات الأولى التي يتعلم من خلالها الطفل رؤية الآخر، تلعب دوراً أهم. تتضح هذه القيمة من خلال الأب الذي لا يتهرب من أسئلة طفلته على ما هي عليه من صعوبة، ولا هو يلجأ إلى تغطيتها بخطاب ملطّف، بل يظهر وهو يشرح لها بموضوعية آفة العنصرية والتي لا سيما تنمو حين يتحول الاختلاف إلى تهديد، وحين يُختزل الإنسان في لون أو أصل أو دين أو لهجة. لا شك في أن هذه الصيغة الحوارية تمنح النص حيوية مختلفة، حيث الطفلة لا تظهر كمتلقية وحسب، بل كواعية تصيغ أسئلتها بمنهجية. من ناحية أخرى، لا يبدو هنا السؤال الطفولي عابراً بقدر ما يفضح التناقضات التي يتعايش معها الكبار، حيث الأطفال يسألون من موضع البراءة، والعالم يرتبك بسبب تعقيدات ليست بالضرورة بريئة.
يُحسب للمؤلف عدم حصره للعنصرية في نطاق الكراهية الفجة، حيث يعقد بينها وبين الخوف والجهل والخطاب السياسي وآليات التوريث الاجتماعي، وهو ربط مهم من حيث العنصرية المعاصرة التي لا تتمثل دائماً في صورة عنف صريح، والتي قد تظهر في هيئة نكتة أو تحفظ أو سؤال جارح أو حكم مسبق يبدو عادياً لمن يعتنقه.
وللأسلوب الهادئ والصريح والواعي، فقد كان للكتاب نصيبه من الانتشار، لا سيما في المنزل وفي المدرسة وفي حلقات النقاش العام. وفي حين عمد المؤلف إلى ضغط قضايا تاريخية وسياسية واسعة في إجابات قصيرة، ما جعل كتابه مدخلاً أخلاقياً وتربوياً جيداً للقارئ العام، فإن القارئ المعني بتفاصيل أكاديمية واسعة حول العنصرية سيحتاج إلى مدخلات أخرى أكثر تخصص وشمولية!
أما في الحديث عن القيمة الفكرية والتربوية، فهو كتاب مهم من حيث نقله للنقاش من مستوى الإدانة إلى مستوى التربية، فكم هو من السهل وصم العنصرية بالشر، إلا أن الأصعب شرحها لطفل: كيف تنشأ، وكيف تختبئ في طيات اللغة، وكيف تتغذى على الخوف، وكيف يمكن مقاومتها في الحياة اليومية. ومن خلال هذه القيمة، يصبح هذا الكتاب أشبه بأداة لتعليم الحس الأخلاقي، لا سيما تدريب الإنسان على النظر للآخر كإنسان أيضاً، بل كإنسان كامل، لا كممثل لجماعة أو لون أو أصل .. وهذه مهارة أخلاقية قبل أن تكون معرفة ثقافية.
أما من ناحية طرح الكتاب ضمن السياق الفرنسي، فيمنحه أهمية إضافية من حيث ارتباطه بالنقاشات المحتدمة حول الهجرة والاندماج والهوية وذاكرة الاستعمار وكراهية الأجانب …. وغيرها من المسائل المثارة والمثيرة للجدل في فرنسا.
في الختام، إنه كتاب رغم صغر حجمه فهو أكبر في أهميته، حيث مقاومة العنصرية يجب أن تبدأ من اللغة الأولى التي يستخدمها الكبار في شرحها للأطفال، ومن الطريقة التي يتم بها تعليمهم رؤية الإنسان المختلف. وعلى الرغم أنه لا يقدّم موسوعة عن العنصرية ولا حلول شاملة لها، إلا أن المؤلف يمنح القارئ مدخلاً إنسانياً، صافياً لكن حاداً بما يكفي ليكشف أن الكراهية غالباً ما تبدأ من فكرة صغيرة تُهمل بلا تصحيح، وأن التربية ضد العنصرية ليست ترفاً ثقافياً بقدر ما هي شرطاً أخلاقياً للحياة المشتركة.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (33) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو ثامن ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: المكشوف والمحجوب
تسلسل الكتاب على المدونة: 783
التعليقات