BOOK0762
الكتاب
في ضيافة النبي
المؤلف
دار النشر
جسور للترجمة والنشر
الطبعة
(1) 2021
عدد الصفحات
157
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/25/2026
التصنيف
الموضوع
النبي القائد: من صناعة القرار إلى صناعة الإنسان
درجة التقييم

في ضيافة النبي

بين الوحي والسياسة .. تتجلى قراءة فاحصة في عقلية النبي القيادية!

ينطلق هذا الكتاب من فرضية مركزية يفرضها الواقع المعاصر بتحدياته، مفادها إعادة قراءة السيرة النبوية كمشروع حضاري تشكّل في سياق تاريخي دولي بالغ التعقيد، وذلك خلافاً للقراءة الوعظية التي دأبت على اختزالها في سردية أحداث متتابعة! فالنبي ﷺ لم ينطلق في مهامه الدعوية من فراغ، ولم تكن رسالته بمعزل عن خريطة العالم آنذاك، بل حلّت في زمن تتصارع فيه الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية، وتتقاطع فيه طرق التجارة، وتتشابك فيه التحالفات الدينية والسياسية. من هنا، يسعى المؤلف إلى مقاربة رؤية النبي ﷺ للعالم وطبيعة قراراته القيادية المترتبة عليها، وذلك على ضوء قراءة استراتيجية فاحصة للتاريخ، وبذلك، يضع كتابه في موقع مغاير لكتب السيرة التقليدية، وهو يقدّم قراءة تحليلية تُبرز الأبعاد القيادية والسياسية والجيوسياسية، مع الحفاظ على البعد الإيماني التأسيسي.

وعن المؤلف، فهو (وضاح خنفر 1968) مفكّر وإعلامي فلسطيني، عُرف بدوره القيادي في شبكة الجزيرة الإعلامية خلال سنوات مفصلية من تحوّل الإعلام العربي، ثم اتجه إلى البحث الفكري والعمل المؤسسي في قضايا النهضة والتحول الحضاري.

ففي الفصل الأول (الانقلاب الاستراتيجي: كيف صنع الإسلام أوروبا؟)، يطرح المؤلف أطروحة استراتيجية جريئة لا تجعل من الإسلام مجرد قوة دينية صاعدة على هامش التاريخ الأوروبي، بل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيله، حيث ينطلق من لحظة التحول الكبرى في القرن السابع الميلادي، عندما كان النظام الدولي القديم، المتمثل في الصراع الروماني-الفارسي، يرزح تحت وطأة الاستنزاف، وإذا بالفتح الإسلامي يقلب موازين القوى في حوض المتوسط، ويسحب مركز الثقل من الإمبراطوريات التقليدية إلى فضاء حضاري جديد! عليه، يعتقد المؤلف أن هذا التحول -الذي لم يكن عسكرياً- استراتيجياً عميق الأثر، أعاد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية، ووضع الأوروبيين في مواجهة قوة ناشئة غير متوقعة، وفرض عليهم إعادة تعريف موقعهم وهويتهم في خضم ذلك العالم المتغير! ثم يمضي المؤلف ليكشف أثر هذا التحدي الإسلامي في بلورة الفكرة الأوروبية ذاتها، مستشهداً بمرحلة الامبراطور شارلمان كمثال على توحّد الداخل الأوروبي في مواجهة خطر خارجي مشترك. عليه، يصبح الإسلام عامل ضغط استراتيجي ساهم في بلورة هوية سياسية ودينية جامعة، وفي تحويل الحملات الصليبية لاحقاً إلى مفهوم مركّب يرفع شعاراً دينياً تعبوياً، رغم انطوائه على حسابات نفوذ وسيطرة. وبهذا يخلص الفصل إلى نتيجة مركزية مفادها نشأة أوروبا الحديثة، لا بمعزل عن الإسلام، بل في سياق الاحتكاك به صراعاً وتفاعلاً، حتى غدا الإسلام عنصراً أساسياً في بنية تشكّلها التاريخي.

أما في الفصل الثاني (ماذا يقول لنا رسول الله ﷺ في هذا الزمن؟)، فينتقل المؤلف من التحليل التاريخي إلى هذا السؤال المتعلق بزمن الاضطراب العالمي الراهن، ويستدعي السيرة -بمنأى عن الترف الوعظي- ليتناولها كضرورة منهجية في فهم التحول الحضاري، وهو يشبّه الواقع بلحظة الانتقال الكبرى إبان القرن السابع الميلادي، حيث ولادة مشروع إسلامي قادر على تحويل الانكسار إلى نهوض! تقدّم الرسالة النبوية نموذجاً لفهم الواقع، وصناعة معرفة جديدة، والتكامل بين العمل والإيمان، وتجاوز الأزمات عبر الثقة بالمستقبل، وبينما لا يبدو النبي كقائد مرحلة تاريخية وحسب بل مؤسس لقواعد التعامل مع التحولات الكبرى، يبدو الواقع وهو يُعاد تشكيله عبر منظومة قيمية متماسكة قوامها الإنسان الصالح. عليه، يخلص الفصل إلى إبراز دور الخطاب النبوي في القدرة على صناعة المستقبل بدل التذمر من الحاضر، وتحويل أزماته إلى بدايات جديدة كما حدث في التجربة الأولى.

وفي الفصل الثالث (عندما يكون التفاؤل منهج عمل)، يعالج المؤلف مفهوم التفاؤل في السيرة النبوية الذي يظهر منهجياً لا سيما في وقت الأزمات، حيث العمل الجاد بجانب الخطاب التحفيزي. فمن خلال لحظات تاريخية أشارت ظروفها إلى حتمية الهزيمة أو الحصار أو الانكسار، ينبثق التفاؤل النبوي كرؤية استراتيجية تستشرف المستقبل دون أن تنكر الواقع، فليس التفاؤل إنكاراً للمعطيات الواضحة بل تصوّر أعمق لها وثقة لا تتزعزع في سنن التاريخ، ومن ثم الإصرار على الأخذ بالأسباب رغم صعوبة الموقف، لا انتظاراً لمعجزة ما خارج السنن! عليه، يصور المؤلف التفاؤل النبوي كطاقة حضارية تحرّك الإرادة الجماعية، وتمنع الانهيار النفسي، وتحوّل التحديات إلى مسار للصعود، حتى يغدو الأمل عنصراً فاعلاً في صناعة التاريخ.

ثم يصوّر المؤلف في الفصل الرابع (كيف رأى النبي العالم في زمنه؟)، نظرته ﷺ التي لم تنحصر محلياً في حدود جزيرة العرب، حيث كانت كونية تُدرك توازنات القوى وتضارب المعتقدات، وتفهم موقع الرسالة الخاتمة ضمن مشهد عالمي يتصارع فيه الفرس والروم، وتتغير فيه المصالح والتحالفات، ومن ثم التعامل بحكمة لا بمنطق ردة الفعل، حيث راسل الملوك وأسس التحالفات وأدار الصراعات بمنطق استراتيجي يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها. لقد كانت هذه النظرة العالمية جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الرسالة التي أرسلت للناس كافة، ما رسّخ المشروع الإسلامي منذ بدايته ككيان غير منغلق على ذاته، بل فاعل في العالم يعيد تشكيله! هكذا يرسم الفصل صورة قائد محنّك يرى أبعد من جغرافيته، ويؤسس لحضور حضاري يقوم على الفهم العميق للواقع، وثقة مطلقة برسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان!

وفي الفصل الأخير (النبي القائد والنبي الإنسان) يتناول المؤلف ثنائية القيادة والإنسانية في شخص النبي ﷺ، معترضاً على فكرة الفصل بين الحياة الخاصة والدور العام، ومؤكداً على تكامل النموذج النبوي وفق مرجعية أخلاقية واحدة. لم تكن القيادة وظيفة طارئة على شخصية بشرية عادية، إنما كانت بمثابة امتداد طبيعي لخُلق متجذر، فقد كان سلوكه ﷺ في البيت وفي ساحة القرار وفي أوقات الشدة والرخاء، منسجماً ضمن منظومة قيمية ثابتة. ثم يركّز المؤلف على مبدأ الشورى كركيزة تأسيسية لا كمجرد إجراء تكتيكي يتفق والظرف الطارئ، فرغم تأييد الوحي، مارسها النبي ﷺ مع أتباعه ليكوّن جيل قادر على التفكير وتحمل المسؤولية، حتى وإن أدت بعض القرارات لنتائج مغايرة، وذلك لأن بناء الإنسان عنده ﷺ كان مقدماً على ما سواه. يخلص المؤلف إلى أن سرّ هذا النموذج القيادي يكمن في إنسانيته الخالصة، فالنبي ﷺ وهو بشر يحيا بمشاعر ويواجه تحديات، يحوّلها إلى دروس عملية في الثبات والعدل والرحمة، وهو بذلك يكون قد قدّم نموذجاً قيادياً يجمع بين الرحمة الإنسانية والقوة الأخلاقية والفاعلية السياسية، دون انفصام بينهما.

خلاصة القول في هذا الكتاب، هو سعيه نحو قراءة السيرة من زاوية استراتيجية حضارية، تفهم السياق الدولي والإقليمي الذي وُلدت فيه الرسالة، وتحلل موقعها الجغرافي والسياسي، وتبرز المنهج القيادي للنبي ﷺ كنموذج متكامل يجمع بين الأخلاق والسياسة، والوحي والشورى، والإنسان والقائد.

ختاماً أقول: ليست السيرة النبوية مجرد تاريخ يحظى بقدسية، إنما تجربة قيادية قابلة للدراسة والتطبيق، الأمر الذي يضع الأمة أمام تحدٍ متجدد في استلهام هذا النموذج، لزمن تتجدد فيه صراعات القوى، وتتعقد فيه أنماط القيادة.

 

تم عرض الكتاب في جريدة الشرق

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (12) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من متجر (نيل وفرات) الإلكتروني في أبريل الماضي، ضمن (7) كتب كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة .. وهو ثاني ما قرأت في شهر فبراير.

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: يصادف الثامن عشر منه، شهر رمضان المبارك، الذي تصبح القراءة فيه نوع من الترف .. إن تمكّنت منه!

تسلسل الكتاب على المدونة: 762

تاريخ النشر: فبراير 27, 2026

عدد القراءات:115 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *