يأتي كتاب (Platon vs Aristote: Une initiation joyeuse à la controverse philosophique – Luc de Brabandere, Anne Mikolajczak) كدعوة هادئة لإعادة اكتشاف الفلسفة خارج جدرانها الثقيلة، بعيداً عن التعاطي معها كمادة دراسية أو مفاهيم نظرية مجردة، بل كتمرين حي على التفكير، وعلى النظر إلى العالم من أكثر من زاوية، وحيث أفلاطون وأرسطو لا يظهران كأسماء بعيدة في التاريخ الفكري، إنما كصوتين ما زالا يتحاوران بين تلميذ وأستاذه، لكن بداخل كل سؤال يطرحه إنسان اليوم، وكل موقف يحاول فهمه .. وقد جاء عنوان الكتاب الفرعي بـ (مدخل إلى تعلم التفكير الفلسفي).
تبدو الفلسفة هنا كـ (فن اختلاف)، حيث يبني الكتاب فكرته على توتر لا يزال نابضاً رغم قدمه .. توتر بين رؤيتين للعالم، إحداهما تميل إلى البحث عن المعنى الكلي، والأخرى تنشغل بما هو قائم وممكن وملاحظ، وهو توتر لا يظهر كصراع ينبغي حسمه بأكثر ما يمتد كمساحة خصبة للتفكير. وفي هذا، لا يطالب مؤلفَي الكتاب القارئ أن ينحاز في رأيه، حيث تتكامل الرؤى حين تتجاور، فيدعوانه لتأملها وإدراك مدى تمكّن كل منظور مغاير من إضاءة جانباً قد يغيب عن الآخر. قد تنبع من هنا خفة الكتاب وجاذبيته، حيث الفلسفة لا تُلقّن بقدر ما يتم التدريب على ممارستها.
تسترسل لغة الكتاب بسلاسة خالية من التعقيد الاصطلاحي الذي قد ينفّر من قراءة الفلسفة، حيث المؤلفان يحاولان وبرغبة صريحة في جعل الأفكار قابلة للتداول دون أن تفقد جوهرها، فهي ليست تسطيحاً بقدر ما هي قناعة في أهمية توضيح الفكرة الجيدة بطريقة تسمح لها بالوصول .. وكأن المؤلفين يراهنان على أن الفكرة الجيدة هذه لا تحتاج إلى غموض لكي تحقق القناعة .. والخلاصة: نصّ يُقرأ بسهولة، لكنه يترك خلفه أسئلة قد لا تجد إجابات فورية!
لكن! لماذا الفلسفة الإغريقية اليوم؟! في زمن يميل إلى الأحكام السريعة والآراء الحاسمة، يذكّر هذا الكتاب بأن التفكير الحقيقي يحتاج إلى تروي، وإلى استعداد للاعتراف بتعقيد العالم. وهو من ناحية عملية، يدعو القارئ للنظر إلى أي قضية ثم التساؤل عن كيفية النظر إليها من زاويتين مختلفتين على الأقل! إنها أداة بسيطة لكنها حتماً فعّالة .. بالأحرى تمرين كفيل لوحده أن يغيّر طريقة قراءة الواقع.
في الختام، لا يمنح هذا الكتاب إجابات جاهزة، ولا يسعى إلى ذلك أصلاً! إنه يمنح مفتاحاً يتمثّل في طريقة النظر نحو الأمور المختلفة من زوايا مختلفة، الطريقة التي لن يغدو الخلاف الفكري معها صراعاً أو ضجيجاً، إنما فرصة للنظر وإعادة النظر.
كذلك -وهو الأهم- لن تعود الفلسفة مادة مرهقة بل ممارسة يومية على قدر من الخفة بحيث تتسلل إلى أبسط عمليات اتخاذ القرار .. وربما إن أجمل ما يقدّمه الكتاب هو دفع القارئ نحو التفكير، دون أن يشعر بثقل التفكير .. لا سيماً فلسفياً.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (27) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة .. وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو ثاني ما قرأت في شهر أبريل!
من فعاليات الشهر: يبدو شهراً هادئاً مع متسع من الوقت للقراءة … لا جديد!
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: نوم هانئ: أسباب مشكلات النوم وحلولها
تسلسل الكتاب على المدونة: 777
التعليقات