كلمة حق ثمنها عشرون عاماً استقطعت من عمر امرأة حرة!
إنها سيرة قاسية تروي بطلتها المغربية تجربتها كسجينة سياسية في بلادها بعد محاولة انقلاب عسكري فاشل أحيك ضد الملك الحسن الثاني عام 1972، والذي كان والدها الجنرال محمد أوفقير متورّطاً رئيسياً فيه!
تبدأ الحكاية مع طفولة مرفّهة عاشتها مليكة داخل القصر الملكي حيث ترعرعت في كنف السلطة، حتى تنقلب فجأة في ريعان شبابها إلى النقيض التام بعد سقوط والدها، فتُعتقل مع والدتها وإخوتها لسنوات طويلة بسريّة، وفي ظروف قاسية، دون محاكمة أو تهمة مباشرة!
يركّز الكتاب على ذلك التحوّل الوجودي من الامتياز إلى الانقطاع .. سنوات ممتدة في زنزانة ضيقة تقبع في الخلاء، فقر جسدي وروحي، عزلة مطلقة، خوف قاتل، مقاومة نفسية صلبة للبقاء ولو على آخر رمق.
تصف مليكة التحول التراجيدي الذي نقل عائلتها إلى عالم موحش مغلق، والحرمان الذي تمثّل لها كمدرسة قاسية في الصبر والتكيّف، وصولاً إلى محاولتهم الجريئة في الهروب خلال أحداث دامية عصفت بالبلاد، وما كان من تدخّل دولي لعب دوراً في قضيتهم!
لا يقتصر هذا النص الدموي على فضح القمع السياسي وحسب، بل يقدّم من بُعد عرضاً تأملياً لأبسط معاني الإنسانية: الحرية، الكرامة، الهوية …. حين تُسلب كل الامتيازات. إنها هكذا من ناحيتين: شهادة شخصية عن السلطة حين ترتدّ على أقرب دوائرها، وعن الإنسان حين يُختبر في أقصى حدود الاحتمال! تقول السجينة: “كل شيء يبدو غامضاً ومبهماً .. إنه عسير على فهمي وإدراكي! أين المنطق في كل هذا؟ أين العدالة والإنسانية؟ إنه الضياع بعينه .. إننا نتخبط في مملكة العبث والجنون”.
كم هو الإنسان رخيص في عالمنا العربي الممتد من الخليج إلى المحيط .. فقد يفنى عمره خلف قضبان أربع ثمناً لكلمة حق ألقاها في وجه سلطان جائر.
كتاب قرأته حين إصداره منذ أعوام خلت، ولا يزال ألمه يسكن الذاكرة كجرح لم يلتئم! ليس الألم في وقائع السجن وحدها، بل في انقلاب المصير في غمضة عين من دفء القصور إلى عتمة الزنازين، وفي قسوة العقاب حين يطال الأبرياء بخطيئة الساسة. إنه ألم بارد طويل النفَس، يتسلل من بين السطور صامتاً ثقيلاً، ليترك في القارئ شعوراً بالعجز أمام هشاشة الإنسان حين تُنزَع عنه الحماية بغتة، فلا يبقى لديه سوى كرامة يحرسها من الانكسار.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (82) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد وصل إلى مكتبة العائلة وقت إصداره من إحدى المكتبات العربية في لندن .. حيث الكتب الممنوعة لا سيما السياسية، في عالمنا العربي العزيز!. وبعد قراءته في حينها، وبعد مرور الأعوام الطوال، تسمح ظروف الوباء العالمي وإلزامية المكوث في البيت، بتجديد قراءة بعض الكتب القديمة .. وها هي السجينة تعاود عصر قلبي عصراً ..
لا تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل تواصل مليكة رحلة (ما بعد) السجن في كتابها (الغريبة)
لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.
وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (اكتوبر)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:
“مفعم بأطياف الشعر .. لكن! هل عادت الحياة فعلاً؟ بين بين، فلا تزال أنفاس الحجر الصحي تعبق في الجو“.
تسلسل الكتاب على المدونة: 260
التعليقات