إن فهم حركة المجتمع يبدأ من فهم الأفكار التي تسكنه!
من هذه الزاوية الدقيقة، ينطلق المفكّر الجزائري مالك بن نبي محاولاً قراءة العالم الإسلامي من الداخل، حيث البنية الذهنية التي ترسم رؤيته نحو العالم الخارجي وموضعه فيه.
والمفكّر إذ لا يتوقف عند حدود الظواهر المباشرة ولا يكتفي بتحديد الأزمات، يسلّط الضوء على المستوى الذي تتشكّل فيه المعاني وتُبنى عليه السلوكيات، والذي عليه يأخذ الكتاب طابعه العام، وكذلك باعتباره جزء هام من مشروع فكري أوسع عند بن نبي حول الحضارة، لا سيما وهو يركّز على (الفكرة) كأحد عناصره الأكثر حساسية!
يتجلى فحوى الكتاب من تتبع المفكّر موقع الفكرة داخل المجتمع وهو يربط بين حيويتها وبين فاعلية هذا المجتمع، وحيث يجد الفكرة تلعب دوراً في تشكيل الذوق العام، وتؤثر في ترتيب الأولويات، وتنعكس في أنماط السلوك اليومية .. أي أن للفكرة حضوراً عملياً -لا نظرياً- يتوغل في تفاصيل الحياة. ومن هذا المدخل، يحدد المفكّر مشكلة مزدوجة، تعقد بين أفكار تفقد طاقتها بمرور الزمن، وأخرى يتم استعارتها دون أن تندمج في السياق الثقافي للمجتمع، بحيث تنتهي بحالة أعقد من التردد لا تُسفر عن رؤية واضحة!
وعن (أصالة الفكرة وفاعليتها)، يولي المفكّر اهتماماً خاصاً لطبيعة العلاقة بين الفكرة وأثرها .. فبعض الأفكار تنتمي إلى سياق ثقافي عميق ذو جذور واضحة، ومع ذلك تبدو باهتة الحضور محدودة التأثير في بعض المجتمعات .. بينما في المقابل، تبرز أفكار ذات أثر عملي واسع في مجتمعات أخرى، غير أنها تفقد عند انتقالها جزءاً من قوتها بسبب اختلاف الشروط! يثير هذا التباين الانتباه حول كيفية انتقال الفكرة من مستوى التصور إلى مستوى الفعل، فضلاً عن تشكّلها داخل مجتمع معين وبقدرة هائلة على التأثير.
وفي خضم حديثه الفلسفي، يتطرق المفكّر إلى (الأفكار الميتة والأفكار المميتة) وهو يفرّق من جديد بين أنماط مختلفة من الأفكار حسب حالتها داخل المجتمع! ففي نظره، هناك أفكار استمرت في التداول ضمن مجتمع ما رغم فقدانها لفاعليتها، وأخرى تؤثر سلباً في مسار التفكير وتعكس رؤية مشوشة للعالم! إن هذا التصنيف يكشف عن خلل يمس طريقة التعامل مع الفكرة نفسها في المجتمع .. خلل لا يرتبط بالأفكار ذاتها أكثر مما يرتبط بفهمها واستخداماتها في تفسير الواقع.
يطرح المفكّر تصوّراً يتعلق بعلاقة الإنسان بما يحيط به .. بعبارة أخرى، يصوّر المجتمع وهو واقع بين عالم الأشياء وعالم الأفكار! ففي رأيه، وبينما تتجه بعض المجتمعات نحو تنظيم علاقتها بالأشياء فتتقدم في المجال التقني والمادي، تتشكّل مجتمعات أخرى وفق منظومات فكرية وقيمية تمنح الأولوية للمعنى. يساعد هذا التمييز في فهم الاختلال الذي يمس التوازن بين الجانبين، حيث يفقد المجتمع انسجامه الداخلي، وتتشكل فجوة بين ما يملكه من أدوات وما يملكه من تصورات.
وعلى سبيل النقد، تتسم لغة المفكّر بدرجة من التجريد الذي يمنح النص كثافة فكرية عالية، يتطلّب معها القارئ درجة أعلى من التركيز، فضلاً عن العمق الفلسفي .. كما أن بعض آرائه التي تعتمد على تصورات كلية تمنح التحليل اتساعاً، قد تميل إلى التعميم مقارنة بتفاصيل المجتمع الواقعية. بالطبع، لا يمس هذا النقد قيمة الكتاب بقدر ما يحدد أسلوبه في الطرح، وجودة القراءة الكفيلة به!
في الختام: يضع هذا الكتاب القارئ أمام مرآة فكرية لا تعكس وحسب الظروف المحيطة بالمجتمع، بل كذلك بطريقته في التعامل معها .. فالأفكار وهي تتخذ موقعاً مركزياً فيه، تساهم في الكشف عن مساره بقدر ما تشارك في تشكيله .. الطابع العام الذي يجد القارئ نفسه باستمرار القراءة قد تسلل نحوه .. حيث الداخل الذي تتولد فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى أفعال!
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (20) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، أنهيته من الجلدة للجلدة في نفس الجلسة .. وقد حصلت عليه من متجر (نيل وفرات) الإلكتروني في يونيو من عام 2021، ضمن (80) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة .. وهو خامس ما قرأت في شهر مارس!
من فعاليات الشهر: يصادف العشرون منه عيد الفطر المبارك، الذي استأنف فيه القراءة كروتين يومي بعد أن كانت (ترفاً) في شهر رمضان المبارك.
ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: خطابات ميهير بابا: تقنيات اكتشاف الروح وأسرارها
تسلسل الكتاب على المدونة: 770
التعليقات