BOOK0752
الكتاب
الموسيقا القديمة لأشجار الصنوبر
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Ancient Music in the Pines: In Zen Mind Suddenly Stops - Osho
المترجم/المحقق
هيثم شقير
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2024
عدد الصفحات
234
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/19/2026
التصنيف
الموضوع
موسيقى الزن التي لا تُسمع بالأذن
درجة التقييم

الموسيقا القديمة لأشجار الصنوبر

الاستنارة بلا طريق .. والصمت كحل مطلق!!

ليس هذا كتاباً بالمعنى التقليدي، بل تجربة وعي مكتوبة، حيث المعلم أوشو وهو كعادته لا يقدّم أطروحة متماسكة أو منهجاً متدرجاً، بل يدعو مريده إلى الوقوف عند حافة العقل، حيث يتوقف الفكر فجأة، ويبدأ بشرح ما لا يمكن شرحه!.

إذاً، إنه المعلم أوشو .. أو تشاندرا موهان جاين (1931 : 1990) الذي تذكر شبكة المعلومات أنه ولد في الهند البريطانية، ودرس الفلسفة ودرّسها في الجامعات المحلية، ومن ثم تدرج في العلوم الصوفية ليُصبح (غورو) أو معلم روحاني فاقت شهرته حدود وطنه، ليصل إلى العالمية ويُلقب بـ (زوربا البوذي)، إشارة إلى توجهاته الانفتاحية رغم دعوته الروحية! ففيما يتعلق بنظرته إلى العلاقة الحميمية التي تبدو إباحية، ما أكسبه شهرة (معلم الجنس بلا منازع) كما تداولته الصحف العالمية، فإنه يجعلها بمثابة طاقة خلّاقة لا تقلّ أهمية عن الممارسات الروحية في تكامل بناء الإنسان، جسدياً ونفسياً وروحانياً. وبينما تختاره صحيفة (صنداي ميد داي) الهندية كواحد من عشرة روّاد شكّلوا مصير الهند، إلى جانب بوذا ونهرو وغاندي، تختاره صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية كواحد من ألف شخصية عالمية صنعت القرن العشرين، وهو الذي يصفه الكاتب الأمريكي (توم روبنز) بأنه “الرجل الأكثر خطورة منذ يسوع المسيح”. أما عن اسم شهرته الذي اختاره له مريدوه، فهو مشتق من اليابانية، وذو مقطعين، إذ يعني (أو) التوقير أو الامتنان، و (شو) الوعي الواسع أو الوجود الماطر .. بحيث يصبح معنى الاسم ككل (المحيط العظيم). والطريف أن الاسم يُقرأ كما هو من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين، في إشارة إلى المعراج الروحي الذي واصل المعلم الارتقاء فيه، وعمل على توحيد الأقطاب والسمو فوق الثنائيات، في الكون المحيط.

فالكتاب الذي جاء في ترجمة رائعة كروعة معانيه، من نصّه الأصلي (Ancient Music in the Pines: In Zen Mind Suddenly Stops – Osho)، وحمل عنواناً فرعياً عن (أحاديث حول حكايات الزن)، يدور حول الزن، لا بوصفه فلسفة أو ديانة أو تقنية تأمل، بل باعتباره حالة انقطاع .. انقطاع السرد الداخلي، وانطفاء الصوت الذي يفسّر ويعلّق ويوّجه، أو -كما عند أوشو- فكرة لا يمكن تعلّمها، بل حدث يقع عندما يفشل كل تعليم! وهو في درسه هذا، يستعير صوراً من الطبيعة .. الغابة، الصمت، الريح، أشجار الصنوبر .. ليشير إلى أن الحقيقة لا تُستقى عبر المفاهيم، بل تُعاش كتجربة روحية، والتي شبهها بموسيقى قديمة تنبعث من مكان ناءٍ، حيث لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن مصدرها، ولا أن يحاول تحليل معانيها ..، فقط “أن يكون حاضراً”، وذلك أقصى ما هو مطلوب منه.

لا يكتفي أوشو بما قال عن روحانية الزن، بل يتصدى بدوره للعقل كأكبر عائق، والذي هو في نظره لا يكف عن الحركة، في حين يحلّ الزن في اللحظة التي يتعب فيها العقل من تهافته! كذلك، وهو في مسعاه، ينتقد أوشو وبشدة كل أشكال التدين المؤسسي، والتراكم المعرفي، بل وحتى الروحانية الملقّنة، حيث تضل -في نظره- الكتب المقدسة والطقوس الممارسة وكل أشكال الزهد، عن الطريق المباشر للحقيقة، بل تبدو جميعها وكأنها أقنعة إضافية للأنا.

ثم يؤكد على أن الاستنارة -كما يقدّمها هو- لا تتأتى نتيجة سعي حثيث متواصل، بل تتحصّل غالباً تبعاً لانكسار داخلي مفاجئ .. اللحظة التي يرى فيها الإنسان أن كل محاولاته للفهم كانت هي أصل المشكلة.

وهو إذ يُطري الزن على حساب اليوغا، يركّز على فكرة اللافعل، ليس بالمعنى السلبي بل بمعنى عدم التدخّل العقلي، أي بأن يتم ترك الأشياء تصبح كما هي، وأن يتم ملاحظتها دون أدنى رغبة في التغيير أو التملّك. في هذا السياق فقط، يصبح الصمت ليس غياب الصوت، بل غياب المُعلّق الداخلي الفضولي.

يطول حديث المعلم أوشو الذي يحمل مفارقات كثيرة حول الزن، فعلى سبيل المثال: الحقيقة بطبيعتها لا تُقال، ومع ذلك يتم الحديث عنها .. الطريق لا وجود له، ومع ذلك يستمر الإنسان في المشي .. التنوير ليس هدفاً، لكنه يتحقق عندما يتم التخلي عن كل هدف!

خلاصته: لا يعد أوشو مريديه بشيء .. لا سلام دائم، ولا خلاص مترقب، ولا سعادة لا تنقطع، غير أن كل ما يلمّح إليه هو ومضة وعي قد تأتي أو قد لا تأتي، إلا إنها حين تأتي، تغيّر طريقة الرؤية لكل شيء دون أن تضيف شيئاً جديداً … وتلك بحد ذاتها مفارقة أخرى!

كعادتي مع كتب الوعي والطاقة والروحانية التي يصاحبها الجدل لا محالة، أجدني أحاول إنصاف كل ما اقرأ عن طريق سرد ما له وما عليه.

مزايا الكتاب:

  • قوة تفكيكية: بارع في هدم الأوهام الروحية، مثل: وهم السعي، وهم التقدّم، وهم الاستحقاق.
  • لغة إيحائية: لا يلقّن أفكار، بل يخلق مناخاً ذهنياً يهيّئ فيه القارئ لخوض تجربة مختلفة مع الصمت والانتباه.
  • عالمية الممارسة: يحرر تقنية الزن من المحلية أو من الاستشراق ككل، حيث يقدّمه كتجربة وجودية لا كزخرفة ثقافية أو موضة روحية.
  • قراءة تأملية: يفي بغرضه عند قراءته من أي فصل، فجوهره ليس في تتبع بنائه بل فيما يخلّف من أثر.

عيوب الكتاب:

  • الطوباوية: يفترض في القارئ القدرة على التخلي عن العقل بسهولة نسبية، متجاهلاً أثقال البنى الجسدية والنفسية المعقّدة.
  • غياب المنهج العملي: يصرّ على فكرة التخلي دون توضيح الطريقة العملية، وكأن العملية تتم بقرار بسيط تتخذه الإرادة.
  • التكرار: حيث الفكرة الواحدة يتم إعادة طرحها بصيغ متعددة، ما قد يُنهك القارئ النقدي.
  • العداء للعقل: يتخذ موقف عدائي من العقل، ويعامله بالمثل كعدو مطلق، لا كأداة يمكن تدريبها وتهذيبها وتطويعها تدريجياً، وهو طرح إشكالي نفسياً وفلسفياً.
  • التخصص: لا يناسب جميع القرّاء، فالقارئ الذي يبحث عن معنى ما في الألم، أو عن عدالة، أو عن التزام أخلاقي، قد يجده منفلتاً من الواقعية والوجود الإنساني.

ختاماً أقول: بالرغم من سحر الكتاب وقدرة المعلم أوشو على فتح شقوق دقيقة في جدار العقل المنطقي، يبقى كتاباً يُغري بالتحرّر أكثر مما يعلّمه، ويُلمّح إلى الصمت أكثر مما يهيّئ له. إن المعلم وريثما يبدو ضليعاً في زعزعة يقين قارئه وإرباك عاداته الذهنية، يتركه وحيداً أمام الممارسة العملية، وكأن الومضة الروحية حدث يتفضّل به الوجود على من يشاء، لا مسار بالإمكان أن يُرسم حسب الرغبة والعمل! إنه كتاب لا دليل .. له أن يُقرأ بشغف، وبتأمّل، وبعقل مفتوح، وباعتباره تجربة روحية قد تحفّز الانتباه، دون أن تستغني عن العمل الدؤوب مع الذات، بحلوها ومرها.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (2) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو ثاني ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب!

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الروح المتحررة: رحلة إلى ما وراء الذات

تسلسل الكتاب على المدونة: 752

تاريخ النشر: يناير 29, 2026

عدد القراءات:130 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *