الكتاب
أنا وأخواتها: رحلة في أسرار الذات
المؤلف
دار النشر
دار وجوه للنشر والتوزيع
الطبعة
(5) 2014
عدد الصفحات
366
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/03/2017
التصنيف
الموضوع
أنا .. وأعوذ بالله من كلمة أنا
درجة التقييم

أنا وأخواتها: رحلة في أسرار الذات

كتاب يُحدّث القارئ بطاقة (السهل الممتنع) .. يرحل به في رحلة استكشافية، عميقاً نحو الذات البشرية، يسبر أغوارها! تأتي الرحلة بغية إطفاء الهالة الكاذبة التي قد تحيط بصاحبها، وهتك تناقضاتها المتأرجحة بين الأنا المتضخمة علناً، وما يعتريها داخلاً من زعزعة، يفتك بها الخوف والقلق والقهر والكبت.

لن يكابر القارئ كثيراً وهو بين دفتي الكتاب حين يجد نفسه متلبساً في مواجهة حقيقية مع ذاته .. تلك الذات التي يبذل لها ما يبذل في صقلها لتبدو في أبهى صورة على الملأ، في حين لا تظهر وقت المواجهة سوى كـ (ذات) أخرى .. ضعيفة أو حتى قبيحة!. مع هذا، سيجد عزائه في أهله وأقرانه ورؤسائه الذين -عجباً- قد صور شخوصهم كاتباً لا يعرفهم ولا يعرفونه!.. هنا قد يضحك في سرّه.

يتقاطع هذا الكتاب (أنا وأخواتها: رحلة في أسرار الذات) كثيراً مع كتاب المؤلف الآخر (زنزانة: عادة مدى الحياة) عند نقطة التقاء تصب في مجال التنمية البشرية، غير أن الثاني يخوض في معاش الفرد في حياته، بينما يغوص الأول في أعماقه .. في نفسه التي بين جنبيه .. في ذاته!.

تعرض آخر صفحات الكتاب قائمة تضم خمسين عنواناً، تبدأ بالإهداء وتنتهي بالفهرس، حظي بها الكتاب بأربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. ومن أروقة الذات، اقتطف أطيب ما علق في ذهني من عبقها، في اقتباس بنص من نور يسطع من أعماقها (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

ملاحظة: عادة، يعتمد أسلوبي في التدوين على التعبير بـ (قلمي) عن فكرة الكتاب ككل بعد قراءته، مع القليل القليل من الاقتباسات مما يعبّر بشكل مباشر عن الفكرة المطروحة. رغم هذا، أستثني الكتب التي يجتمع فيها جمال (الرأي والقول) في قالب واحد، الأمر الذي يدفعني لإرفاق اقتباسات أكثر مما اعتدت عليه، وهذا قلّما يحدث في مراجعاتي!. جاء هذا الكتاب ضمن الاستثناء المذكور، لذا وجب التنويه.

  • لك ذات فريدة فلا تنأى بها تواضعاً وعرّفها، لكن لا تجعلها فريدة تكبّراً وكأنك الأوحد. يأتي جابر بن عبدالله النبي ﷺ في دين كان على أبيه فيطرق الباب، فيسأله ﷺ “من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا. كأنه كرهها”.
  • قد تنطلق الذات نحو العمل لا تواجه فيه عدو سواها. “كان نيتشه يقول: كلما أصعد كان يتبعني (كلب) اسمه الأنا”.
  • لا بأس من إطلاق المسمى الوظيفي كـ (وزير، مدير، مشرف) طالما أن المنصب تكليف لا تشريف، لكن ما حاجة تفخيمها وإلحاقها بألقاب كـ “سماحة أو معالي أو فخامة أو فضيلة أو سعادة”؟ يذكرني هذا القول بالخرق المستخدمة في ترقيع الذات الحاكمة في البلاد العربية، كـ (جلالة الملك، السلطان المعظّم، صاحب السمو والمعالي). وكما قال الشاعر السياسي الأندلسي ابن عمّار: ألقاب مملكة في غير موضعها .. كالهر يحكي انتفاخة صولة الأسد.
  • وعن الفخر بطريقة البكاء على الأطلال التي يتفرّد بها الحمض النووي العربي، هناك “بعض التعريفات المتبوعة بـ (سابق) تبدو وكأنها محاصرة لصاحبها في دائرة الماضي وحكم عليها بالمؤبد”.
  • يظهر الحسد كسمة بشرية عامة باختلاف الثقافات، يتبعها العمل الذي يترجمه! “تقول العرب: جزاء سنمار” وتقول الحكمة: لا تشرق أكثر من اللازم”. فتصبح النعمة عيب ينبغي ستره!.
  • ليس الزهد قول يؤثر، ولا عمل يشهده الآخرون، إنما هو زهد النفس عن الطيبات التي تشتهي والترفع عن لحظية الملذات، والانغماس بما هو أثرى للروح وأبقى. يقول د. العودة: “الزهد ليس بتحريم الحلال ولا بترك الطيبات، هو تجرد القلب والروح من حظوظ النفس”.
  • وقد يأتي التعبير عن الذات صامتاً، سواء أبقاها أو أفناها. يقول د. العودة: “البناء والرسم والدم هي أدوات لكتابة الذات، وقد تكون أدوات لمحوها”.
  • ليس كل حي كذلك، وإنما الموت أحياناً يظهر في قالب حياة. يقول د. العودة: “عندما يفقد المرء إحساسه بذاته وأهميته لن يكون منجزاً ولا ناجحاً ولن يكون من الأحياء”. غير أن الفقد ربما يأتي لما جناه أباه وأهله ومجتمعه ووطنه عليه .. وما جناه على نفسه!.
  • قد لا يكون (نرجس) العاشق لجماله حد الغرق فيه سوى أسطورة، غير أنه حقيقة “عقدة تصيب الرجال أكثر من النساء. ربما لأن الرجال يجدون فرص الظهور والعمل والإنتاج أكثر، وربما لطبيعة التركيب العاطفي عند المرأة الميال إلى نصفه الآخر والمستعد للتضحية ونسيان الذات في سبيل المحبوب، ولو مؤقتاً”. وحتماً لنعرة ذكورية فطرية متأصلة، وحماقة ميل عاطفي أنثوي إن تم اعتباره سبباً في الأصل. يضرب د. العودة مثلاً في معلّمه واسع الاطلاع الذي كاد ينسب لنفسه علماً جبرائيلياً يتباهى به في لازمة كلامية: “أي سؤال يخطر في بالك أجيب عليه”. حتى إذا سأله تلميذه “ما هي عقدة النرجسية”؟ أظهر جهلاً كأبي جهل!.
  • يسطوا اللصوص على منزل بيكاسو فيسرقون أثاثه ويتركون لوحاته، فيستاء ويقول: “يؤلمني أن هؤلاء لم يسرقوا شيئاً من لوحاتي الثمينة”. لا بد وأن يصيب هكذا تجاهل “بقيمة لوحاته الشهيرة” كبرياء الأنا في مقتل.
  • إن الخيال نعمة ونقمة حسب الاستخدام!. فينجح ذو الخيال الخصب، أما “الذي يتسرب إليه وهم السقوط يكون على موعد معه غالباً”. الخيال .. “إنه المنجم الدائم الذي يستخرج منه العلماء والأدباء موادهم الخام، فتتحول بأيديهم إلى أعمال خالدة على مر الزمان”. ويحدد توماس اديسون مكتشف الكهرباء أدوات الاختراع، فيقول: “لكي تخترع تحتاج إلى خيال خصب وكومة من الخردة”. يعرّف د. العودة الخيال في صورة كبرى قائلاً: “الخيال أداة ذهنية تخرج الإنسان من قوقعة الحاضر والمحيط، وتسمح له بأن يعيش الماضي بشخوصه وأحداثه، والحاضر كما يتمناه، والمستقبل كما يرسمه ويخطط له”.
  • ليس الفص الأيسر ذو المنطق أفخم من الفص الأيمن الإبداعي، فـ “إذا كان الخيال من وظائف الشق الأيمن من المخ، فالاستيعاب والإدراك من وظائف الشق الأيسر، وإهمال أحدهما مضر وخسارة لثروة تحت يدك لا تقدّر بثمن”. وفي قول عذب يخص المرأة التي يعتمل بداخلها العقل والقلب معاً يقول: “المرأة ذات القلب النابض والعاطفة الحية تستقبل الإلهام، وتملك الحدس أكثر من الرجل، فهي أقدر على قراءة المجهول واكتشاف المستور. قلب الأم يلهث وراء جنينها الذي يظل جنيناً ولو بلغ السبعين، وقلب الزوجة دليلها الذي لا يكاد يخطئ حين يجيب على الأسئلة والمخاوف، أو يمنح الأفراح والآمال والتطلعات المستقبلية”. ويختم عذب الكلام بقول فصل: “المرأة ملهمة أكثر لأنها تحب أكثر”. كان عمر بن الخطاب رجلاً ملهماً نافذ البصيرة، فيما يسمى اليوم بـ “الحاسة السادسة” أو “المخ القديم”، وقد “كان لا يقول لشيء (أظنه كذا) إلا كان كما يقول”. وعن واقعنا، هناك “100 من أثرياء العالم الناجحين أكدوا أنهم يعتمدون على دراسة الجدوى، ولكنهم يعتمدون معها على أمر آخر مهم، هو الفراسة أو الإلهام”.
  • أما “قصة الشجرة والطفل” التي تُرجمت إلى ثلاثين لغة، يقرأها الطفل في الثامنة والعجوز في الثمانين، فتترجم معنى العطاء بلا حدود. لا يفوّت د. العودة الفرصة حتى يضيف معنى عذباً آخر يقول: “الشجرة رمز العطاء والتفاني والتجدد والحياة. قد تكون هي الأم، أو أي مخلوق آخر يرضى أن يؤدي دور الدعم بلا مقابل مادي .. هل هناك غير الأم من يرضى بهذا الدور؟”.
  • ليس بطل الملاكمة فحسب، بل كان حكيماً بالفطرة. يقول محمد علي كلاي عن النجاح في الحياة: “في داخل الحلبة كما في خارجها، لا عيب في أن تسقط أرضاً، بل العيب أن تبقى كذلك”. وعن الروح التي تبقى معطاءة ولا تشيخ يقول: “العمر هو ما تظنه .. أنت كبير في العمر بقدر ما تعتقد نفسك كذلك”. يذكرني هذا بقول الشاعر الصافي النجفي .. الميت-الحي:
     سني بروحي لا بعدد سنين                   فلأسخرن غداً من التسعين
    عمري الي السبعين يركض مسرعاً            والروح ثابتة على العشرين
  • الموهبة كنز، و “الموهوبون عملة صعبة”، غير أن كل فرد لا بد وأن يمتلك موهبة “لو اكتشفها وآمن بها ووجد المناخ المناسب لأثمرت”. ويضرب في اليابان مثلاً والتي يقال “إنها أمة المائة وعشرين مليون متفوق”. 
  • يرسم حين كان طالباً صغيراً في حصة الرسم أزهاراً تتحدث، فتوبخه معلمته وتطرده من الفصل، ليخرج بعد سنين والت ديزني كأشهر من نار على علم في عالم الرسوم المتحركة. على الطرف الأبعد من هذا العالم، يطّلع بعض أصدقاء د. العودة “على فيلم (90 دقيقة) يشرف عليه من أنتجوا فيلم (أفاتار) ويجسد شخصية إسلامية ملهمة، لم يجدوا من يموّله، مع إنه مربح استثمارياً وقيمياً”. 
  • ومن صور مدافن الموهبة، أقران غيورين ومشرفين أشد غيرة ونقص. “رسمت طالبة رسماً جميلاً فوبختها المدرسة ومزقت الرسم أمام الطالبات، وقالت: هذا جزاء اللي يخلي غيره يرسم له”. لن تقف تبعات هذه الحرب على إطفاء موهبة الموهوبين فحسب، بل ستخلق منهم خلقاً آخر. يضرب د. العودة أمثالاً ويقول: “طفل عمره (12) سنة وذكاؤه (140) وجد مشنوقاً في غرفته بسبب تعذيب زملائه واضطهاده لهم”. ويكمل: “قد يكون الموهوب أكثر تأثراً وحساسية من غيره، ولذا قد يرد بطريقة قاسية فقد أقدم موهوبان مسلمان تعرضا للاضطهاد على قتل (13) من زملائهم وجرح (24) في مدرسة في الولايات المتحدة ثم انتحرا”. 
  • الصحو من الغفلة نعمة تستوجب الشكر، إذ “لا تحزن على من تغير عليك فجأة فقد يكون اعتزل التمثيل وعاد إلى شخصيته الحقيقية”. بينما يُنسب القول الأشبه بمنشورات الفيسبوك إلى سقراط، إلا أنه يمثل واقعاً يتكرر يومياً كأنه نسخة معادة لعالم مواز.
  • كما عقوق الأبناء .. عقوق الآباء!. يعلّق د. العودة على موقف صفعت فيه أم طفلتها مرتين، مرة حين لطخت يدها الصغيرة بأحمر شفاهها، ومرة بعد أن شاهدت عبارة “أحبك ماما” على الباب وقد لطّخته أيضاً، يبرره بأنه “الدور التمثيلي التربوي” إذ لم تكن مشاعرها الحقيقية هي التي تجاهلت تعبيرها عن حبها!.
  • إن عظمة خلق الله للإنسان تتجلى في تكريمه!. ففي حين لم يكن سوى نطفة لفظها ماء مهين، فالعلم الذي اكتسبه مستثمراً الأدوات البيولوجية التي وهبها الله له، قد منحته العظمة. يقول د. العودة عن هذا المعنى الذي حملته أول سورة: “وفي السورة إشادة بالإنسان المترقي من (العلق) إلى (العقل)”.
  • قد تتغلف الأنا بطابع من تواضع مزيف حين تُشير بأصبعها نحو الآخرين مع سيل من نصائح، لا تنكر في الوقت ذاته جهلها بأمور وتقبلها لوعظ الآخرين. يقود د. العودة عن هذا النوع من الأنا: “أي ثناء على النفس يقدر أن يقوله فوق هذا، ولكنه ثناء مدهون بلغة التواضع. ومثل هذا المدخل الشرير على النفس من أصعب الأسرار التي يعزّ على صاحبها كشفها ومعالجتها”.
  • وكمثال لهذا النوع الشرير، يعرض د. العودة موقفاً يراقب فيه أحد المصلين صلاة جاره وقد عرض عليه بعد التسليم عشرة ملاحظات في قيامه وركوعه وسجوده وتفاصيل أخرى يختمها بابتسامة قائلاً: “تلك عشرة كاملة”. يستعرض عليه مرة أخرى حين سأله “وماذا عنك”؟ تواضعه الملائكي في نفي صفة الفقيه عن نفسه وفي قبول النصيحة حتى من تلاميذه. “إذن هو يعترف بالأستاذية والمشيخة بلا وعي حين ينفيها بلسانه”. ينبري المتهم في رد ملاحظاته بحجة قوية قائلاً: “أعظم خطأك عندي أنك واقف في صلاتك بين يدي ربك وقلبك يسرح في واد آخر! لقد أخللت بروح الصلاة وأتيت على خشوعها، فلا أظن قلبك حاضراً وهو يراقب جاره ويحسب عليه حركاته وسكناته، ويستجمع أقوال المصنفين والفقهاء في القيام والركوع والسجود، ويستذكر راجحها ومرجوحها حسب دراسته وبحثه، وينتظر أن تقضى الصلاة ليلتفت إلى جاره ويحاسبه على مخالفته”. ويستكمل فاضحاً: “لم يرق هذا الحديث لمحاوره ومجاوره واستنتج منه أنه لم يتقبل النقد ولذا واجه النقد بمثله، ثم ثنى بأن القول بوجوب الخشوع في الصلاة فيه خلاف شهير كبير بين الفقهاء، وهو وإن قال به أبو حامد الغزالي ومال إليه ابن تيمية، إلا أن أكثر الفقهاء لا يرونه”. يقع ذو التواضع المزيف في حيص بيص، بين “النقد ونقد النقد وما بين الهجوم والدفاع بواسطة هجوم مضاد” فيصبح موعده الضروري الذي تذكره فجأة سبب انسحابه وانصرافه فوراً!. شهدت على مثل هكذا نفاق في مصليات كُثر، أسترجع منه نموذج لتلك الكاسية بأثواب سوداء في ظلمات بعضها فوق بعض، تداعب طفلها الصغير وتغني وتصفق وتكاد ترقص له أثناء صلاة النساء، حتى إذا فرغت إحداهن التفتت نحوها ناصحة وضع كفيها على ركبتيها، شارحة: هكذا بدل هكذا!! ولا أعلم أن كانت الصلاة عند تلك المحجّلة في سوادها مجرد تمارين رياضية ووضعية كف فوق ركبة وفرشخة مرفقين عند السجود؟؟ وكأن إضفاء السكينة ليس واجباً؟؟ أو أن إرباك الخشوع والتشويش بأناشيد طفولية جائز شرعاً؟؟ سبحان الله .. لقد جمعت بين مهارتين: هدهدة طفل ومراقبة امرأة تصلي!.
  • يخبر عمر بن الخطاب النفوس كـ (خبير)، ويقرر فترة الولاية في مدة زمنية معلومة كـ (سياسي). “كان يقترح تحديد مدد الولايات بسنة أو سنتين او أربع على اختلاف الروايات. كان يعلم أن الطغيان يتسلل إلى النفوس تدريجياً حتى يستحكم ويغلب”.
  • في حين يتهكم د. العودة على مدير إحدى الجامعات الذي وقف أمام أساتذتها آمراً عدم المشاركة في أي نشاط أو مؤتمر إلا بعد موافقته “محتجّاً بأن الزوجة لا تتصرف إلا بإذن زوجها”، أتهكم أنا على ثقافة مجتمع بال، يأسر فيه الرجل امرأته في أغلال بموجب عقد يُعتبر مقدّساً، تتعاون فيه تلك السفيهة معه بالرضوخ والخضوع والخنوع!.
  • للحياة مجرياتها العفوية والجميلة لا بد لكل إنسان أن يأخذ نصيبه منها، إذ يقول الشافعي: “الوقار في النزهة سُخف”. ويذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار “أن الحجاج مع عتوه وطغيانه وتمرده وشدة سلطانه كان يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: والله إن تروني إلا شيطاناً؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبّل رجل إحداهن”.
  • القنوات الفضائية .. وما أدراك ما القنوات الفضائية! رغم أنها (سلاح ذو حدين) مثل كثير من الاختراعات الحديثة، إلا أن ظاهرة (المشاهير في أسبوع) لا يبررها سوى (الجمهور المستهلك) وبضاعة على جودة (صُنع في الصين) .. فلكل ساقطة لاقطة. يقول د. العودة: “القنوات الفضائية سهلت طريق الشهرة لكثيرين، وبعض البرامج مخصصة لصناعة النجوم بطريقة مفاجئة وصادمة. فالشاب أو الفتاة يمضي عقداً مع القناة تتم بموجبه صناعته ثم استهلاكه وتسويقه، ثم التخلص منه”.
  • الرزق مكفول وعلى الإنسان الرضا بعد السعي. يؤكد د. العودة هذا المعنى بقوله: “ولا أحد يأخذ رزق غيره، والفرص بعدد بني آدم (وبناته)، بل لا أبالغ إذا قلت: إن الفرص هي بعدد أنفاسهم لو شاءوا”.
  • (إن الفتى من يقول ها أنا ذا .. ليس الفتى من يقول كان أبي). يقول أحد الطلبة الذي قرر الانتقال إلى مدرسة جديدة لا يعرفه فيها أحد، حين رفض أن يعيش في جلباب أبيه ورفض استدعاء الأساتذة للعلاقة البيولوجية بينهما في معاملته خيراً أو شراً: “أنا كيان مستقل، روح مختلفة، وعقل جديد، وجسد غض، وخبرة قليلة تريد أن تعيش التجربة وتكتشف بنفسها الصواب والخطأ”.
  • وفي ثقافة القطيع، لا يتعدى الوعي الجمعي شكل الصمت أو المأمأة في أقصى حالات التعبير عن الرأي .. ما سوى ذلك فهو تغريد خارج السرب أو بدعة تستوجب إقامة الحد!. يقول د. العودة: “المجتمع الذي يركز على قيم الجماعة وهويتها وتبعية الفرد لها، وتبنّي معاييرها ولو على حساب ذاته وتميزه وطموحه وإبداعه، يقتل الإحساس بالمسئولية الذاتية والأهمية الشخصية والهوية الخاصة”.
  • وعن حب الذات وتعهدها وصونها كما في برامج التنمية البشرية، يوصي د. العودة بأن: “لا تطل الوقوف عند اخطائك إلا بقدر ما تقتبس منها حافزاً لمستقبل أفضل، ولتعويض رشيد”. يقول كذلك لكن بنفس دعوي “إذا أخطأت، فلتكن قسوتك على نفسك بالقدرة على الاستغفار والاعتذار وعدم التكرار، ولا تنس أن الله كريم ورحيم وطيب وغفور: توضأ القلب من ظني بأنك غفار .. وصلى وكانت قبلتي الأمل”. وعن علاج أنجع يقول: “حين تلاحقك أشباح الماضي وتحرمك متعة الحاضر جرب أن تستغفر الله عشراً ومائة وألفاً دون ملل، قرر أن يكون الخطأ سبباً في صواب أعظم”.
  • هوّن على نفسك ولا تُضاعف المعاناة، حيث “إذا بلغت سطوة الواقع عليك بحيث لا تتخيل تغييره ولا تتصور حياتك منفصلة عنه، فأنت بذلك تمنحه عمراً إضافياً وتمد أمد المعاناة”.
  • الأنا إذا تلبّستها الأنانية في حب الذات، فلن تحب أحدا. “الأنا قد ترى الحب حماقة ووهماً، والحب يرى الأنا حماقة ووهما”. يعيش الأول ويموت بينما يعيش الثاني ولا يموت. “من يعش من اجل ذاته يعش مرة واحدة ويموت سريعاً، ومن يعش من أجل الناس يعش مرات، فروحه تقسّم في أرواحهم”. يستمر د. العودة في نفس الموضوع ويقول عند نقطة ما: “الرجل كالديك يعتقد أن الشمس ما خلقت إلا لتسمع صياحه، أو قل: هو كالفلك الذي يعتقد أن النجوم خلقت لتحوم حوله”.
  • في الحركة بركة، وما أطيب التفاحة التي تقطفها بيديك من الشجرة عن تلك التي جاءتك من السوق. يذكر التاريخ استنباط حكيم من هذا المعنى في سنّ عقوبة الإعدام، أو على الأقل عقوبة في سجن تعذيب! فقد “كان أحد ملوك الصين يعاقب خصومه بأن يلزمهم البقاء في بيوتهم، ويسخّر لهم من يخدمهم ويقضي حاجاتهم كائنة ما كانت تلك الحاجات، وسرعان ما يصيبهم الخمول والكسل ثم المرض ثم الموت”.
  • وبين كوكب اليابان وحضيرة العرب، سنوات ضوئية وحضارات عاشت واندثرت. “سر المعجزة اليابانية هو تجذّر ثقافة العمل والانضباط والتفاني والإتقان، وسر الخواء العربي هو المظهرية والفهلوة والشطارة والاعتماد على الأسرة أو على الآخرين”.
  • هنالك فرق بين “شهادة موت” و “موت شهادة”. تعكس الشهادة الثانية “نوع نادر من الموت”، يضحي فيها الإنسان بأغلى ما يملكه في سبيل إعلاء كلمة الحق!.
  • جميل أن يترك المرء أثراً بعد موته، والأجمل أن يخلّده الباقون على طريقتهم. تعود الذاكرة إلى د. العودة فيقول: “في القرية كنا نسمي النخل بأسمائهم، فيرحلون ويبقى النخل والاسم. نزورهم ونسلم عليهم، ونستحضر أنهم يعلمون ذلك ولكنهم لا يردون”.
  • عجباً .. يذكر د. العودة رفيقه الذين قدّم له العزاء في أطفاله الخمسة مع أمهم في حادثة حريق، والآخر الذي فقد ثلاثة في حادث طريق! وقع الخبر المفاجئ “أشد إيلاماً”، ويقول: “مع الوقت يعطيك الألم قوة وصلابة. تقول: جربت الألم فلم الخوف؟”.
  • وفي صمت الأموات بلاغة قد تفوق كلامهم. ينقل عن الشاعر أبو القاسم الحسين بن علي الملقب بالوزير المغربي قوله:

مررت بقبر ابن المبارك غدوة              فأوسعني وعظا وليس بناطق
وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي      غنيا وبالشيب الذي في مفارقي
ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلا          إذا هي جاءت من رجال الحقائق

  • وكنموذج للأنا التي لا تفتأ تُعلن عن نفسها في موضع سوء كما في الموضع الحسن، أبيات لنزار بن قباني، يقول فيها:

أدمنت أحزاني
فصرت أخاف أن لا أحزنا
وطعنت آلافاً من المرات
حتى صار يوجعني بأن لا أطعنا
ولعنت في كل اللغات
وصار يقلقني بأن لا ألعنا
ولقد شنقت على جدار قصائدي
ووصيتي كانت
بأن لا أدفنا
وتشابهت كل البلاد
فلا أرى نفسي هناك
ولا أرى نفسي هنا

ومن تلك الأروقة، أخص منها ما لامس نوره قبس من روحي مع اقتباس بنص من الأوركيد، ومرة أخرى (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • “صحيح أني خضت معارك كثيرة ولكن في جميعها كنت الطرف المظلوم المعتدى عليه، والذي صبر وتحمّل”. وإن كان د. العودة قد أردف الكلمة للتدليل على هيمنة ذاته في بعض أحايينها، لكنها (واقع) لعدد من البشر قد يكون قليل.
  • ولست ممن يكترث بالخلائق، وعن نفسي لا أقول سوى الحق .. مدحاً أو قدحاً. يقول أحد الحكماء: “لأن أعبر عن ذاتي ويكرهونني، خير من أن اعبّر عنهم ويحبونني”.
  • ولهذه الكلمة كذلك أبطالها بين البشر، وإن ندروا، وإن شملها د. العودة ضمن أقواله في التدليل على ضعف الذات. يقول: “ما رأيت أحداً إلا وجدت في تصرفه مراعاة لحظ نفسه، أما أنا (ولا أزكي نفسي) فالمصلحة العامة والميزان العدل هو رائدي وقائدي”.
  • تلك الأحلام ولذّتها تستلزم قطعها بالنهوض من النوم والسعي لها، وقد دعى ﷺ بـ ” اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا”. “من أجل النهضة لا بد من تغيير ساعة النهوض. استيقظ مبكراً وأبدأ عملك بهمة ونشاط”.
  • أنت بأكملك (بصمة) لا تتكرر ولا تشبه شيء. إذاً “هويتك الشخصية والعامة تنتهك بالاستجداء والمحاكاة”.
  • قليل من الزهو بالنفس المتفردة وسط النسخ المتكررة. لم لا؟ “شخصه (متن) وشخوص الباقين (حواش)”.
  • كلما ازداد علم المرء زاد علمه بجهله، وكأن ثنائية العلم والجهل -على تنافرهما- ذات علاقة طردية. يقول الشاعر: “وكلما ازددت علماً .. ازددت علماً بجهلي”.
  • وفي ذات المعنى، وعن استشعار المرء لضآلته أمام ما أنجزته البشرية عبر التاريخ وما مرّ عليها من أحداث جسام، يقول د. العودة: “آخر يتخيل البشرية كلها ومراحلها التاريخية وضخامة ما يحدث، فيتصاغر حتى يحس أنه لا شيء، وأن صوته الواهي يضيع في صخب الكون”.
  • والعفوية جمال بحد ذاتها مضافاً إلى نور الصدق المصاحب. “كلما كان الإنسان عفوياً بعيداً عن التكلف، كان أكثر محاكاة لذاته”.
  • تبدو أكثر جمالاً حين تكون عفوية صادقة .. فـ “الابتسامة رسالة تعبّر أولاً عن شخصك، وأنك صاف من دون عقد أو مشكلات أو كآبة”.
  • ومن مأثور الدعاء ما يجد له صدى في قلبي، دعاء عمر بن الخطاب في حجه الأخير “اقبضني إليك غير مفتون ولا مضيّع”.
  • وعن تجربة “الكتابة في السفر شيء رائع، تحضر معه المشاعر النبيلة والإلهام والحنين والمناجاة والتجدد. قد يكتب في حديقة أو شرفة مطلّة أو قطار محتشد، وهو يريد أن يكتب وأن يحتفظ بذكرى المكان والزمان والجو والصحبة”.
  • يشحذ الصخب همم البعض فيأتي الإبداع من وسط الهدير. “وآخر يتلبّسه الإبداع حين يخلو بالقلم”.
  • وبعيداً عن ولع المتنبي في إطراء الذات وما يصاحبه من غرور، يعبّر هذا البيت عن التسامي بالنفس والاكتفاء الذات والترفع عن السفاسف والخوض في الجدال .. ومعان أخرى. “أنام ملء جفوني عن شواردها .. ويسهر الخلق جراها ويختصم”.
  • مهما جاء الثمن غالياً، فالكرامة أغلى من أي شيء، ولا يكون بغيرها (إنساناً). يقول الجرجاني: “يقولون لي فيك انقباض وإنما .. رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما”.
  • وهل الخيال عالم آخر لا ندركه ونحن نحيا في عالم مادي صرف؟ يقول سقراط: “الخيال هو العلامة الحقيقية للذكاء”. واستحضار روح ما ليس ضرب من سحر ولا هو عمل من أعمال الشياطين، بل صدق الإحساس! “وحين تتخيل عزيزاً تشتاق إليه فربما ذهلت عما حولك، وكأنك تحادثه وتناجيه وتبثه أحاسيسك، ويسافر قلبك وعقلك إليه تاركاً جسدك مع الجلساء”. يقابل هذا المعنى عبادة الله بدافع الحب. “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
  • يحضر العزّ بن عبدالسلام عيد القلعة فيجد الخدم يقبلون الأرض أمام السلطان أيوب، يحيط به الجند وتغمره الأبهة، فيغلظ عليه القول أمام الملأ وقد نادى اسمه مجرداً من أي لقب. يسأله تلميذه بعد ذلك ما إذا خافه؟ فيقول: “لقد استحضرت عظمة الله تعالى فرأيته أمامي كالقط”. لا عجب أن يستحق بهذا لقب (سلطان العلماء).
  • ليس أمناً ذلك الشيء “الذي يصادر الحقوق” بحجة الخوف، “ولكن الأمن الذي يحفظ الكرامة ويربي على العزة، فلا يخاف المرء إلا من ربه”.
  • حسن الظن بالله والترقّب ورؤية العطاء مجسّداً، لهو ثمرة مباشرة للدعاء الصادق الخالص لوجهه تعالى. “وإني لأدعو الله حتى كأنني .. أرى بجميل الظن ما الله فاعلُه”.
  • نعم! إن النوم لنعمة أخرى، لا لفوائدها البيولوجية فحسب، بل الوجدانية. يرتبط النوم بالسرور عند أحدهم، فـ “يتذكر إنه سينام فيسر لهذه المنحة الربانية التي ستدخله في سبات يستعيد به حيويته وتوازن قواه، أو يرى فيه أطياف من أحبهم: وَإِنّي لَأَستَغشي وَما بِيَ نَعسَةٌ .. لَعَلَّ خَيالاً مِنكِ يَلقى خَيالِيا”.
  • إنما الحياة محطة، “قنطرة عبور” .. تنتقل بعدها الروح إلى محطات أُخر .. لا تنتهي. يقول في نغمة صوفية “الموت ليس فناء ولا نهاية، إنه انتقال من ضفة إلى أخرى، ميلاد جديد، عبور إلى عالم آخر”. إنما الموت تحرر “انعتاق من سجن المادة” وإن “موت الجسد حياة الروح”. يأتي هذا مصداقاً للحديث الشريف “الدنيا سجن المؤمن”.
  • الراحلون .. “حين يلتقط الحي إشارة إلى قرب التوديع فهي مزية تؤهله للاستدراك”. فإن كان الموت واقع لا محالة، فهي نعمة أن يتم التنبيه عليها بوقت سابق.
  • تستمر الحياة رغم آلامها، يغذّيها العمل والأمل. “أعلل النفس بالآمال أرقبها.. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.
  • لا بأس في أن تفسح المجال قليلاً لأولئك الذين استماتوا على وصلة تصفيق أو شهادة تكريم، وإن كنت الأجدر. إن ذلك لمن شيم النفس الأبية وعفة الذات. “وإن علاني من دوني فلا عجب .. لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل”.
  • لا عليك سوى استحضار لحظة سجود الملائكة لأبيك آدم، “فلا تطأطأ رأسك لغيره، وسيضبط تعاملك مع بني جنسك بلا هوان ولا طغيان”.
  • وللحكمة أناسها لا تخطئهم. “الصفائية الذاتية مصدر إلهام، فمن صح جنانه فصح لسانه، والتقي النقي يلقّى الحكمة (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)” وللسكينة دورها “السكينة هي الحالة النفسية الملائمة للإلهام”. وما الإلهام؟ “والإلهام حالة ملائكية وربما كانت العزلة سبباً في التأمل وتهيئة النفس لتلقي الفيض الرباني”.

كما أعتقد في أي كتاب -مهما تكن درجة قيمته- بأنه (أجدب) ما لم يُثمر عن كتاب آخر!. لم يخيب ظني هذا الكتاب الذي جاء سخياً بعناوين لعدد من الكتاب كانت بشكل أو بآخر مادة لبعض مواضيعه. أذكر منها ما يلي:

  • كتاب/ سير أعلام النبلاء – المؤلف / الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي
  • كتاب/ صفوة الصفوة – المؤلف / ابن الجوزي
  • كتاب/ الحكمة ولقمان الحكيم – المؤلف / عبدالرزاق الإبراهيم
  • كتاب/ الادعاء وخداع النفس – المؤلف / آر دي لانج
  • كتاب/ أرض جديدة – المؤلف / إيكهارت تول
  • كتاب/ التوهم – المؤلف / الحارث بن أسد المحاسبي
  • كتاب/ الخيال العلمي وتنمية الإبداع – المؤلف / خليل أبو قورة
  • كتاب/ ساعدوني فأنا لا أستطيع التحكم في نفسي – المؤلف / د. جون جرانت
  • كتاب/ تاريخ ما أهمله التاريخ – المؤلف / لويس دوكورانسي
  • كتاب/ كايزن – المؤلف / ماسكاي ايماي
  • كتاب/ الإنسان المهدور – المؤلف / د. مصطفى حجازي
  • كتاب/ المؤمن الصادق – المؤلف / إيريك هوفر – المترجم / غازي القصيبي
  • موسوعة مشاهير العالم (خمسة مجلدات)

لا أعجب من النفس البشرية حين تأملها .. “وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”
ولا أعجب من خلقها .. “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا”
“فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”. 

تاريخ النشر: نوفمبر 6, 2021

عدد القراءات:34 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *