الكتاب
وعاظ السلاطين
المؤلف
دار النشر
دار كوفان للنشر
الطبعة
(2) 1995
عدد الصفحات
272
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/23/2020
التصنيف
الموضوع
وعاظ السلاطين بين الأمس واليوم
درجة التقييم

وعاظ السلاطين

كتاب وضعه مؤلفه عام 1954 إبان الحكم الملكي في العراق .. وعلى الرغم من مرور ما يربو على نصف قرن من إصداره، إلا أنه لا يزال مثار للجدل كمؤلفه الذي رحل منذ ما يقارب العقدين من الزمان!.

ليس تسليط ضوء المنطق الحديث على التاريخ الإسلامي ترفاً علمياً أو فكرياً، إنما هو محاولة موضوعية لفهم الظروف -لا سيما الاجتماعية- التي عاصرت نشأة المجتمع الإسلامي، مع ما رافقه من مفاهيم حول الدين الجديد وانقسام المواقف تجاهه بين مؤيد ومعارض، وما تلى ذلك من نزاعات سياسية وحروب أهلية وانقلاب في نظام الحكم بعد وفاة نبيه ﷺ، الأمر الذي شكّل الوعي الجمعي الإسلامي منذ ذلك الحين، وأسس لصراع طائفي لا يزال قائماً حتى اللحظة!.

إنه د. علي حسين الوردي (1913 : 1995)، عالم الاجتماع الرائد في العالم العربي المعاصر. وُلد في مدينة الكاظمية إحدى ضواحي بغداد لأسرة عمل أسلافها في مهنة تقطير ماء الورد، أخذت منه اللقب، بالإضافة إلى مكانتها العلمية البارزة، حيث ابتُعث ابنها لتحصيل تعليمه الجامعي في الجامعة الأمريكية في بيروت بعد تفوقه في الدراسة الثانوية، فاستكمله مع مرتبة الشرف، وما لبث أن ابتُعث إلى جامعة تكساس في أميركا لينال منها درجتي الماجستير في (سوسيولوجيا الإسلام) والدكتوراة في (نظرية المعرفة عند ابن خلدون)، ليعود بعدهما إلى وطنه ويكرّس جلّ حياته في التدريس والتأليف!. له من المؤلفات المنشورة إحدى عشر كتاباً، وكتابين نُشرا للمرة الأولى بعد وفاته، وسبع كتب معدة للنشر، وأربع كتب فُقدت بعد وفاته.

لم تقف الضجة التي أثارها د. الوردي في كتابه الجريء عند حد نشر الكتب الناقدة والآراء المعارضة له في الصحف والمجلات، فضلاً عن مصادرته من المكتبات بأمر رئاسي، بل بلغ حد الاغتيال على يد جماعة دينية من خلال محاولتين، الأمر الذي دعى الجهات الأمنية احتجازه لأيام في أحد مراكز الشرطة حرصاً على سلامته!. لم يأت هذا الهجوم الضاري من فراغ، فقد عاب الباحث منطق الوعّاظ الذي ينتهج الوعظ مجرّداً بمنأى عمّا جُبلت عليه النفس البشرية من طباع متأصلة، حسنة وسيئة .. وهي النزعة التي يتشكّل عليها التاريخ، إذ ما الأخلاق الإنسانية سوى انبثاق لأوضاع اجتماعية سائدة!. وفيما بعد، ينخرط د. الوردي مع أصحاب تلك الجماعة الدينية في نقاش حام وضّح فيه ما جاء في الكتاب من نقد للوضع الاجتماعي الذي ساد في المجتمع الإسلامي آنذاك، النقاش الذي انتهى أخيراً لصالحه.

يعرض الفهرس اثنا عشر فصلاً يُقرأ الكتاب من عناوينها، وهي تعبّر عن سابقة فكرية جاء بها الباحث في جرأة حقة، يغنم معها الكتاب ثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. هي كما يلي:

  1. ‎الفصل الأول: الوعظ والصراع النفسي
  2. ‎الفصل الثاني: الوعظ وازدواج الشخصية
  3. الفصل الثالث: الوعظ وإصلاح المجتمع
  4. الفصل الرابع: مشكلة السلف الصالح
  5. ‎الفصل الخامس: عبد الله بن سبأ
  6. ‎الفصل السادس: قريش
  7. ‎الفصل السابع: قريش والشعر
  8. ‎الفصل الثامن: عمار بن ياسر
  9. ‎الفصل التاسع: علي بن أبي طالب
  10. ‎الفصل العاشر: طبيعة الشهيد
  11. ‎الفصل الحادي عشر: قضية الشيعة والسنة
  12. ‎الفصل الثاني عشر: عبرة التاريخ

وفي الأسطر القادمة، أكتفي بعرض نبذة عن الفصول الخمس الأولى، وقد تصدى الباحث بشكل رئيسي لحاشية السلاطين من الوعّاظ -سواء كانوا رجال دين أو مفكّرين- ممن يقف منهم في صف الظالم ضد المظلوم، بطبيعة الحال:

الفصل الأول: الوعظ والصراع النفسي

على الرغم من ميل النفس البشرية الانسجام مع الأعراف والتقاليد وكسب الرضا المجتمعي كنتيجة، فإنها تدخل في صراع ما تعارض الوعظ معها، الأمر الذي يلجئها إلى التحايل بشكل أو بآخر. لذا، يظهر الإنسان العربي دوناً عن غيره من الشعوب بسمت ازدواجية الشخصية، وذلك حين جاءت قيم الإسلام في مجملها متعارضة مع طبائع البداوة، وقد ظهر ذلك جلياً في تحزّب الخليفة الثالث عثمان بن عفان وقرابته واستئثارهم بحظوة الخلافة من طرف، وتحزّب القوم ضدهم من طرف آخر.

الفصل الثاني: الوعظ وازدواج الشخصية

يفشل العصر العباسي -الذي شهد انفتاحاً ثقافياً لم يسبق له العرب مثيلاً من قبل- في ردم الهوة بين الحاكم والرعية، ذلك أن الدين والدولة يتعارضان بطبيعتهما. ومن ثم يغلظ الباحث القول على الوعّاظ الذين يمتهنون وظيفة الوعظ بما يتناسب وهوى الحاكم، ويتقاضون عنها أجراً سخياً، بحيث يكيلون الفتوى الواحدة بمكيالين، لصالح الحاكم ضد المحكوم، وفي تجريم الأخير وتبرئة الأول في جميع الأحوال.

الفصل الثالث: الوعظ وإصلاح المجتمع

وكما تكونوا يولى عليكم! لا تحظى أمة العرب بزعيم حقيقي في العادة، بسبب الأنموذج اللاواقعي لشخصية الزعيم التي يؤصل لها الوعّاظ من ناحية، وبسبب الازدواجية التي يُنشّأ عليها العربي من ناحية اخرى، فلا هو يقدّر النابغة ولا يغنم بزعيم قوي!.

الفصل الرابع: مشكلة السلف الصالح

يتخذ الوعّاظ من المسلمين الأوائل مادة خصبة في إذكاء الخطب الطوبائية التي يمطرون بها مسامع الرعية ليل نهار، وفي حين أخذوا بجانب من مروياتهم فقد تركوا الجانب الآخر! فما الغنى الذي تشاءم منه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في الانفتاح على الدنيا وتقهقر الدين، والأفراد المعوزين الذين التقاهم صدفة وهو يتفقد أحوال رعيته، وما الطبقية التي نشأت من بعده في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، بين الأغنياء من عشيرته والفقراء من بقية الرعية … لهو دليل على أن الغنى مستشر في القوم لا محالة وأن الأيام دول، وأن لكل شيء إذا ما تم نقصان، فضلاً عن أن الغنى والفقر كانا مظهرين واضحين من مظاهر المجتمع في صدر الإسلام.

الفصل الخامس: عبد الله بن سبأ

ومن حيث لا يحتسب المسلمون، تبرز شخصية غريبة مريبة يُقال في حقها أنها وهمية، تزعزع أركان المجتمع الإسلامي الذي أسسه النبي محمد ﷺ متيناً. إنه عبدالله بن سبأ الذي لا تذكر عنه الموروثات سوى أنه كان رجل يهودي لأب يمني وأم حبشية، اتخذ من إسلامه الظاهري ذريعة للتخطيط من أجل هدمه، فأصّل لفكرة الوصاية، إذ لكل نبي وصي وأن علي وصي محمد!. يؤلب بهذا المجتمع الإسلامي على الخليفة الثالث ويشعل شرارة الفتنة، محرّضاً أبا ذر على معارضته جهاراً ومطالبته بالعدل والمساواة بين الرعية، ويستمر من ثم في إذكاء الفتنة ليعرقل كل بادرة صلح مرجوّة بين علي وعائشة في موقعة الجمل، وحقن دماء المسلمين. وبينما تروق فكرة الوصاية تلك للكثير من أصحاب المذاهب، يسيء ذوي النفوذ لا سيما في الوقت المعاصر استخدام حق الانتخاب لصالحهم، وهو الذي يُعد تطبيقاً لحركة ابن سبأ في بدايتها.

ومن المقدمة، أقتبس في نص صارخ ما جاء في قول الباحث من التعريض بقيم أولئك الوعّاظ الازدواجية التي ساهمت في تشكيل ما عليه الفرد العربي من ازدواجية مماثلة (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

“نشر الوعاظ مبدأ الحجاب في المجتمع الإسلامي وأيدوه بالأدلة العقلية والنقلية، ولعلهم أرادوا بذلك -لا شعورياً- أن ينذروا الفقراء بالويل والثبور ويمنعوهم من التطلع إلى ما في داخل القصور الشامخة من بيض حسان. فالواعظ حين يقول: «لا تنظر إلى المرأة» ربما أراد بذلك أن يقول: «لا تنظر إلى جواري غيرك» .. وهو حين يقول «إياك الحسد» لعله قصد أن يقول: «ولا تحسد غيرك على امرأة اشتراها بحلال ماله». والغريب أن نراهم يستنزلون غضب الله، وويلاته جميعاً على رأس ذلك الفقير الذي يغازل جارية من الجواري، بينما هم يباركون للغني ويهنئونه على تلك الجواري اللواتي اشتراهن بماله من السوق، كأن الفرق بين الحلال والحرام في نظر هؤلاء هو الفرق بين وجود المال وعدمه”. وفي هذا يتطرق الباحث إلى ما أورده المستشرق السويسري آدم متز في كتابه (الحضارة الإٍسلامية في القرن الرابع الهجري) إذ يقول: “والمنعش في هذا الباب أن بعض الفقهاء يفرقون بين اللواط بالغلام المملوك وغير المملوك. فاللواط بغلام غير مملوك يستوجب في نظرهم القتل أو الرجم، أما من يلوط بغلام مملوك له فلا يستحق عندهم غير التعزير من القاضي، ومعنى ذلك أنهم يقتلون الفقير الذي يلوط، أما الغني الذي يشتري الغلمان ليلوط بهم فعقابه أن يقول له القاضي: «تف .. قبحك الله». يورد الباحث مثالاً آخر من كتاب (تاريخ التمدن الإسلامي) للمفكّر جرجي زيدان، حيث: “يروى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم في بادية فسمع صوتاً يغني من بعيد، وكان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعتبره خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب اغرائهن وافسادهن، فأمر بخصاء المسكين فعلاً”.  ثم يعقّب الباحث قائلاً: “إن هذه قصة أحسب الواعظين يصفقون لها ويفرحون بها، فهم قد يرون في عمل الخليفة هذا غيرة على الأخلاق. ولعلهم يودون أن تسير حكومتنا الجليلة على سنة هذا الخليفة فتخصي المغنين. والواعظون لا يهتمون لو كان المغني يغني للخليفة فتهتز على صوته بطون الجواري، ولكنهم يهتمون كل الاهتمام إذا رأوا صعلوكاً يغني لنفسه أو لأهل قريته من الفقراء والمساكين. ويبدو لي ان هذا هو دأب الواعظين عندنا، فهم يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤون، ويصبون جل اهتمامهم على الفقراء من الناس فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشهم وينذرونهم بالويل والثبور في الدنيا والآخرة!. وسبب هذا التحيز في الوعظ، فيما اعتقده، راجع إلى أن الواعظين كانوا ولا يزالون يعيشون على فضلات موائد الأغنياء والطغاة، فكانت معائشهم متوقفة على رضاء أولياء الأمر، وتراهم لذلك يغضون الطرف عما يقوم به هؤلاء من التعسف والنهب والترف، ثم يدعون الله لهم فوق ذلك بطول العمر. ويخيل لي أن الطغاة وجدوا في الواعظين خير معوان لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم، فقد انشغل الناس بوعظ بعضهم بعضاً، فنسوا بذلك ما حل بهم على أيدي الطغاة من ظلم”.

إضافة إلى (وعاظ السلاطين)، تصطف هذه المجموعة من إصدارات المؤلف فوق أرفف مكتبتي الغرّاء، منها ما قرأت ومنها على قائمة الانتظار: مهزلة العقل البشري، هكذا قتلوا قرة العين، في الطبيعة البشرية، أسطورة الأدب الرفيع، شخصية الفرد العراقي، قصة الأشراف وابن سعود، الأحلام بين العلم والعقيدة، دراسة في سوسيولوجيا الإسلام، الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة، منطق ابن خلدون: في ضوء حضارته وشخصيته.

وعلى هامش مادة الكتاب، استرجع الحوار الذي دار بيني وبين إحدى الصديقات التي اقترحت قراءة الكتاب ومناقشته، وقد شنّعت على ما أورده الباحث من نقد موضوعي لبعض الطباع البدوية التي أصّلت لشخصية الإنسان العربي ككل، من وجهة نظره! كيف لا وهي تنتمي لإحدى القبائل البدوية الأصيلة من أقحاح عرب الجزيرة؟ .. كم أثار استهزائها ضحكي وهي في فورة غضبها العارم.

كتاب كنت قد قرأته وأنا في بواكير العشرين من عمري، وها أنا أعود إليه بعد تعاقب الأعوام، وكأنني قرأته بالأمس فقط .. وكأن التاريخ يتناسخ في أحداث وشخوص من غير ملل .. ولا عبرة لمن لا يعتبر!.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (18) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية منذ أعوام خلت، وبطبعة ذات أوراق باهتة النقش واللون، حتى أصبح من الكتب العريقة التي أعتز بها في مكتبتي الغرّاء!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على تدوين بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (مارس)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

ويبدأ الحجر الصحي فعلياً .. إن الوباء حقيقة وواقع معاش“.

 

تاريخ النشر: مايو 24, 2022

عدد القراءات:38 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.