الكتاب
مذكراتي في سجن النساء
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Memoirs from the Women's Prison – By: Nawal El-Saadawi
دار النشر
دار الآداب للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2015
عدد الصفحات
303
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
07/10/2018
التصنيف
الموضوع
ولمقولة الحق ثمنها خلف القضبان
درجة التقييم

مذكراتي في سجن النساء

لا تفاجئنا الدكتورة نوال زينب السعداوي كثيراً .. فكرشاقة قامتها، ينقلنا قلمها الرشيق في تدفق سلس متناغم بين أحداث عاصرتها خلف القضبان .. بلا ادعاء، بلا تهمة، وبلا قاض .. قد استُقطعت من أيام شبابها آنذاك.

تفاصيل قاسية لا تخلو من تفاؤل، تسردها الكاتبة من لحظة اعتقالها إلى ما بعد إطلاق سراحها، يعيشها القارئ في كل لحظة، بما تحملها من قهر واستعباد، وبما يتخللها من ابتسامات وقفشات، وبما يغلفّها من تحدٍ وأمل، تحلّت بها الدكتورة .. السجينة السياسية، مع قريناتها السجينات السياسيات والسارقات والداعرات والقاتلات .. والشاويشات أيضاً. وعن تلك التفاصيل أتحدث كما يلي:

  1. تعرض الكاتبة في الجزء الأول من كتابها (القبض) حادثة الاعتقال، إذ قام عناصر من الشرطة باقتحام شقتها وحيدة في سبتمبر 1981، وجرّها عنوة إلى سجن القناطر الخيرية، بلا تهمة واضحة وبلا أذن مكتوب، بل بأوامر عليا صادرة من الرئيس السادات ضد الطائفيين والمتآمرين في البلاد.
  2. أتى الجزء الثاني (السجن) مفصلاً، إذ تطرقت الكاتبة لحياة السجن اليومية مع بقية النزيلات، من خلال ما كنّ يستمتعن به من رياضة وفلاحة ودردشات متفرقة، ومن صراعات مختلفة، كالروائح العفنة، والحمام ذو الباب المشروخ، وخبز الفطور المحشو بالحشرات، والغبار والدخان، والأسرّة المتهالكة، وصراصير الليل.
  3. ثم يأتي الجزء الثالث (اختراق الحصار) ليبرز شخصية الدكتورة الثائرة أبداً، ومحاولاتها التي نجحت في التواصل مع عائلتها، وتهريب مقالاتها وخطاباتها، وتوكيل محام لها، وطمئنتهم لها بتظاهر العالم معها رغم اضطهاد بلدها لها. ومن الطريف أنها كانت تمكث تحت جنح الظلام، إما في المرحاض أو تحت غطاء الفراش لتكتب تلك المقالات المهرّبة على ورق تواليت، وبقلم كحل تم تهريبه لها من عنبر الدعارة المجاور!.
  4. أسفر الجزء الرابع (الخروج للتحقيق) عن سبب الاعتقال، والذي عاد إلى محاضرة ألقتها الدكتورة قبل عشرة أعوام تقريباً وفي عام 1972 تحديداً بين زملائها في جامعة عين شمس، إذ زعم التحقيق تحريض الدكتورة على الثورة والتمرد آنذاك، رغم تفنيد الدكتورة وإصرارها على أن المحاضرة عُقدت من أجل نقاش علمي صرف!. لم تُخف الدكتورة شكوكها في أن اعتراضها على معاهدة كامب ديفيد والتي أبرمها السادات كطرف، كان هو السبب الحقيقي لاعتقالها.
  5. تصف الكاتبة في الجزء الخامس (موت السادات) الفرحة العارمة التي اجتاحت السجن عند إعلان الخبر، حيث خلعت المنقبات جلابيبهن مع نقابهن وشاركن السجينات الأخريات رقصهن وهتافهن، وذلك بعد حالة من الوجوم والقلق والترقب وهن يسترقن السمع للمذياع الصغير المهرب خلسة، مما اضطر الكاتبة للاختباء عن أعين الشاويشات في الحمام المتهالك لمدة ثلاث ساعات والمذياع ملتصق بأذنها، وأنفها قد أزكم من عفن حفرة التصريف الطافحة بين قدميها.
  6. في الجزء السادس والأخير (الذي جاء بلا عنوان)، تسترجع الكاتبة ذكرى مؤلمة نقلتها من شقتها، إلى سجن القناطر، إلى المدعي العام، إلى قصر الرئاسة، ثم إلى بيتها من جديد، حيث تولد من جديد!. لا تنسى تواريخ ثلاث قد حُفرت في ذاكرتها، هي: 6 سبتمبر يوم الاعتقال، 28 سبتمبر يوم الجلسة عند المدعي العام، و6 أكتوبر يوم الافراج. عادت الدكتورة إلى السجن مرة أخرى .. ولكن للزيارة هذه المرة .. حيث اشتاقت لزميلاتها اللاتي لم يزلن حبيسات وقتئذ.

تُلقي الكاتبة الضوء على نماذج من أخلاق السجينات المتأرجحة بين التشدد الديني والانحلال الخلقي، فمن السجينات من انتقبن، وتلين القرآن ليل نهار، وقد حُشيت أدمغتهن بكل ما من شأنه تحقير المرأة والحطّ من قدرها كإنسانة في المقام الأول!. ومن السجينات من قتلت زوجها وقطعته إرباً بعد أن وجدته مستلقياً فوق ابنتها ذات التسع سنين، وذلك عندما عادت من عملها اليومي في فلاحة الأرض إلى دارها فجأة، حيث يقبع زوجها آكلاً شارباً نائماً شاخراً ليل نهار!. ومن السجينات الداعرات من كن يتبجحن في إسفاف، وقد شوهدن يتحرشن بطبيب السجن الذي كان يتجاوب معهن بانتشاء، قد عُرف به.

بين ثنايا الكتاب، تعود الكاتبة بالذاكرة أدراجها، مسترجعة ملامح من طفولتها بين أم شمّاء أبيّة تثور لكرامتها، وأب حرّ مناضل يلعن الإنجليز .. بساطة جدتها لأبيها في الريف، وأبهّة جدتها لأمها في الترف، ورغم اقتضاب الكلمات، فقد أثارت الدكتورة كم من الشجن في رثاء والدتها ولحظات احتضارها.

يُدرج الكتاب تحت أدب السير الذاتية، وأدب السجون أيضاً .. أياً كان، فقد حظي بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. وقد جاءت خواطر الدكتورة بين سطور مذكراتها لتنمّ عن حس وفكر، وعن جمال وفلسفة، لطالما آمنت بها ووصمت بها .. اكراماً تارة، واتهاماً تارة أخرى. وأختم باقتباسات من مأثور قول الكاتبة في نص ثوريكثورتها الباقية ما بقيت الحياة (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • تقول عن شعور الخواء الذي لازمها ذات صباح: “أعظم صفات الإنسان أنه ينسى! وهل كنت أحيا في السجن دون أن أنسى”؟.
  • وعن التأقلم تقول: “ربما لا يشعر الإنسان بالخطر إلا وهو خارجه، فإذا ما أصبح في قلب الخطر صار جزءاً منه ولم يعد يشعر به”.
  • وعن انتظار الإفراج تقول: “لا يموت الانسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار. الانتظار يحول الزمن الى اللازمن، والشيء الى اللاشئ، والمعنى الى اللامعنى”.
  • وعن الإرادة الحرة تقول: “هل يمرض الإنسان بإرادته؟ نعم، وأحياناً لا. إلا أن الإنسان قد يمرض، بل قد يموت بإرادته. والعكس أيضاً صحيح .. قد لا يمرض الإنسان وقد لا يموت بإرادته”.
  • وعن أثر الذل تقول: “الناس من خوف الذل في ذل”.
  • وعن قيمة الإنسان تقول: “إن كل شيء أجنبي أصبح أعلى قيمة من أي شيء مصري .. حتى الإنسان”.
  • وعن نصف المجتمع تقول: “إذا النساء حرُمن الحرية فلا يمكن أن تكون هناك ثورة. هل تتحقق الثورة في مجتمع يكبّل نصفه بالقيود”؟.
  • وعن التخلف تقول: “لا زال كثير من الرجال والنساء في بلادنا يؤمن أن وجه المرأة عورة!.. أما الثورة، فهناك من يؤمن أيضا بأنها كوجه المرأة .. تحتاج إلى حجاب يغطيها”!.
  • وعن لحظات من مرح عاشتها وزميلاتها النزيلات تقول: “لم تكن بدور تدخل المرحاض إلا ونراها تقفز آخره قبل أن تكمل مهمتها صارخة: صرصار!. ما أن نسمع صرختها حتى نجري إليها وفي يد كل منا شبشبها شهرته في يدها كالسيف استعداداً لضرب الصرصار. وفي يوم سمعنا صرختها وهي جالسة في الحوش، وظننا أن صرصاراً هجم عليها، وخلعنا الشباشب وتأهبنا للمعركة لكننا لم نر صرصاراً وإنما رجل. لم تكن مرتدية النقاب وأفزعها أن يلمح رجل شعرها العاري، وقفزت من الحوش إلى العنبر في خطوة واحدة وأخفت شعرها ووجها تحت النقاب. أصبحنا من بعد، كلما سمعنا صرختها وقبل أن نخلع الشباشب نسأل: صرصار أم رجل”؟.

ختاماً .. يتزامن توقيت نشر أول كتاب للدكتورة نوال السعداوي على مدونتي مع أول يوم لرحيلها (21 مارس 21) .. وإنها ليست بمصادفة أن تُفقد الأم في يوم الأم!

ترحل الحرة .. ولكن تبقى القضية!

لروحك السلام يا د. نوال

وإنا على فراقك لمحزونات ♥

تاريخ النشر: مارس 22, 2021

عدد القراءات:151 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *