BOOK0766
الكتاب
العصيان: من التبعية إلى التمرد
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Désobéir - Frédéric Gros
المترجم/المحقق
جمال شحيّد
دار النشر
دار الساقي للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2019
عدد الصفحات
240
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/22/2026
التصنيف
الموضوع
حين يصبح العصيان فضيلة
درجة التقييم

العصيان: من التبعية إلى التمرد

هنا تأمل فلسفي ثاقب في معنى العصيان، يبيّن كيف يمكن لرفض الطاعة -حين يؤسس على الضمير- أن يكون عملاً أخلاقياً يُعيد للإنسان حريته بدل أن يسلبها!

لا يظهر هذا الكتاب كمن يمجّد العصيان المدفوع بنزوة عاطفية أو طيش سياسي -وقد تكمن هنا أولى نقاط أهميته- فمنذ الصفحات الأولى، لا يلتفت المؤلف إلى الشعارات الاحتجاجية التي تمثّل «العصيان» عادة، بل يضعه في مواجهة سؤال فلسفي محرج: لماذا نطيع أصلاً؟ وهو بهذا، يرتفع عن مستوى التعليق السياسي العابر والمستهلك إلى مستوى التأمل الأخلاقي العميق، وبدل أن يسأل سطحياً: متى يجوز أن نرفض؟ يبدأ من الترسّبات الأعمق في الإنسان: كيف تتكوّن فينا قابلية الخضوع؟ ولماذا يبدو الامتثال في كثير من الأحيان أكثر راحة من المسؤولية؟

وبينما يبتعد المؤلف عن أي صيغة حماسية من نوع «العصيان رائع»، فلا يقدّم وصفة جاهزة للتمرّد، يبدو كمن يشرّح بدقة أنماط الطاعة السائدة: طاعة الخوف، طاعة العادة، طاعة المصلحة، طاعة الإجماع، وطاعة التفويض المريح الذي يُلقي عبء القرار على السلطة بدلاً من الفرد. بهذا المعنى، يظهر الكتاب أقل احتفاءً بالعصيان مما قد يوحي عنوانه، إنما أكثر جدية في فضح البنية النفسية والسياسية التي تجعل الطاعة تبدو طبيعية، بل فضيلة في بعض الأحيان!

رغم هذا، لا يبدو الأمر هيّناً، فالمؤلف -وقد أضفى على كتابه قيمة كبرى- يرفض تبسيط المسألة، فالعصيان ليس خروجاً آلياً على القانون، وليس بطولة مسرحية تُعرض أمام الجمهور، وليس هو أيضاً نفياً للديمقراطية، بل إنه يؤكد على أن الديمقراطية الحية لا تقوم على الطاعة الصمّاء، إنما على مواطن واع قادر على مراجعة الأوامر وامتحان شرعيتها، واستعادة ضميره من سطوة الامتثال! لذا، لا يدافع المؤلف عن العصيان كفوضى مفتعلة، بل كمحاولة جريئة تدفع الأفراد استرداد المسؤولية التي يحاول الكثير منهم التخلّص منها حين يقول أحدهم: “كنت أنفذ فقط”.

من هنا تأتي أهمية الأسماء والإصدارات والمسارات الفكرية التي يستدعيها المؤلف، أمثال: أنتيغونا، وثورو، وأرندت، وأفلاطون، وظلال فوكو الواضحة في الخلفية، والتي لم يستخدمها كزخرفة ثقافية بقدر ما جعلها محاور حقيقية يبني عليها أطروحته الجدلية. وهو حين لم يصنّف العصيان كمجرد حق سياسي، رفع رتبة القيم الأخلاقية، فالإنسان لديه -كما اتضح- لا يصبح حراً بمجرد تملّكه القدرة على الاختيار، بل عندما يتحمّل تبعة اختياره، ولا يتوارى خلف اللوائح والمؤسسات والخبراء والإجراءات الباردة. هنا تكمن نقطة أساسية ركّز عليها المؤلف في كتابه، وهو يعقد بين اتساع الطاعة الحديثة واتساع أنظمة الإدارة والتقنية والإحصاء، حيث تُقدَّم القرارات وكأنها نتائج ضرورية لحسابات مجهولة، لا خيارات بشرية يمكن مساءلتها.

وعلى الرغم من أنه فيلسوف مُتمرّس ومفسّر معروف لفكر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فالمؤلف لا يستخدم لغة أكاديمية متخشبة، بل يكتب بلغة واضحة يخاطب فيها الإنسان العادي، وبحذر أيضاً، حيث يعالج في كتابه مسألة بالغة التشويش لا سيما خطابياً، والتي إما أن تُبتذل في لغة متهورة لنشطاء، أو تُحبس في لغة فلسفية مغلقة! رغم هذا، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فالكتاب يعيب بعض أجزائه الترجمة الحرفية، فضلاً عن استخدام ألفاظ غريبة تبدو معرّبة أو حتى مبهمة المعنى!

من ناحية أخرى أيضاً، هنالك ما يؤخذ على الكتاب: المبالغة! حيث يميل المؤلف إلى رفع العصيان نحو منزلة أخلاقية عالية يكاد يجسد مثال إنساني نبيل أكثر مما يصوّر شروط الواقع المعقّد! نعم، هو لا يدعو إلى تهوّر انتحاري، ولا ينكر اضطرار الناس أحياناً للانصياع من أجل كسب العيش أو اتقاء البطش، لكنه ترك مساحة تبدو واسعة بين التحليل الفلسفي والمخاطر الاجتماعية الفعلية .. فليس كل فرد قادر على العصيان، وليس كل نظام يسمح بمساحة أخلاقية متكافئة لممارسته واقعياً.

ومع ذلك، قد لا يُضعف هذا المأخذ جوهر الكتاب بقدر ما يحدد مجاله الحقيقي، فهو ليس كتاباً تنظيرياً في الاستراتيجيات السياسية، ولا دليلاً عملياً للاحتجاجات والمظاهرات، ولا مانيفستو ثورياً يؤجج بلا هوادة، إنما هو ببساطة كتاب عن الاستعداد الداخلي للعصيان: متى يبدأ؟ وكيف يتشكل؟ ولماذا يكون أحياناً امتناعاً صامتاً، وأحياناً رفضاً مدنيّاً، وأحياناً رفضاً للمشاركة في الكذب العام؟ في هذا الجانب تحديداً يبرع المؤلف، إذ هو يعيد للعصيان كرامته الفكرية بعد أن استهلكته لغة الشعارات!

يبرع المؤلف أيضاً -وهو يقدّم للقارئ خدمة فلسفية جليلة- حين يجعل الطاعة نفسها لديه موضع شك، بدلاً من إقناعه بضرورة العصيان في كل مرة! يظهر هنا الأثر الأعمق، حيث السلطة وهي لا تصنع القمع المباشر، ولكن تحوّل الامتثال إلى طبيعة ثانية عند الإنسان، يتدخل المؤلف ليزعزع المسلّمات .. فلا اليقينيات الممنهجة، ولا الأعراف الاجتماعية، ولا الظلم الاقتصادي، ولا حتى القناعات الأخلاقية حين تتحول إلى كسل ذهني، صائبة .. وبهذا المعنى، لا تصبح الفلسفة ترفاً تنظيرياً، بل تمريناً عملياً على عدم الانقياد!

ختاماً أقول: إنه كتاب مهم لإنسان العصر، الذي قد لا يلزمه تعلّم كيف يحتج، أكثر من رفض العبودية للبديهيات .. إنه مهم لأنه يذكّره بأن الطاعة ليست فضيلة دائماً، وبأن أخطر ما في الأزمنة الحديثة لا يكمن في الاستبداد الصريح وحسب، بل في التكيّف المريح معه. لا يدبّج هنا (فريدريك غرو) نشيداً للعصيان، بل يكتب دفاعاً عن إنسان يرفض التنازل عن ضميره، حيث تبرز قيمة كتابه في دعوة هذا الإنسان إلى اليقظة بدلاً عن الصراخ، معلناً رفضه في أن يكون نفسه ترساً في آلة الطاعة.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (16) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك، وقد أنهيت قراءته من الجلدة إلى الجلدة في نفس الجلسة .. وهو أول ما قرأت في شهر مارس.

من فعاليات الشهر: يصادف العشرون منه عيد الفطر المبارك، الذي استأنف فيه القراءة كروتين يومي بعد أن كانت (ترفاً) في شهر رمضان المبارك.

تسلسل الكتاب على المدونة: 766

تاريخ النشر: مارس 24, 2026

عدد القراءات:110 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *