الكتاب
التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور
المؤلف
دار النشر
المركز الثقافي العربي
الطبعة
(14) 2016
عدد الصفحات
255
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/12/2018
التصنيف
الموضوع
بحث علمي في ملامح المقهور النفسية وألوان دفاعه
درجة التقييم

التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

كتاب من الممكن تصنيفه تحت علم الفضائح الاجتماعية، والذي يعرّي قهر الإنسان المكبوت في مجتمعات العالم الثالث، وهو متوار تحت قوانين وأعراف وأحكام دينية وألوان من قيود أخرى ما أنزل الله بها من سلطان.

هو الواقع لا محالة!.. نحن نعيش في استسلام شبه متناه ضمن مجتمع إقطاعي ذكوري سلطوي، قد تربع على عرشه حفنة من الطغاة تستفرد بالقضاء والقدر كآلهة شر، ونخضع لجبروتها كأمة من المقهورين خانعين، قد أبلسنا من رحمتهم، لا حول لنا في ذلك ولا قوة.

يعرض فهرس الكتاب تسعة فصول تسترسل من خلال قسمين رئيسيين، أعرضها جميعاً كما يلي:

الأول: الملامح النفسية للوجود المتخلف:

  1. تحديد وتعريف
  2. الخصائص النفسية للتخلف
  3. العقلية المتخلفة
  4. الحياة اللاواعية

الثاني: الأساليب الدفاعية:

  1. الانكفاء على الذات
  2. التماهي بالمتسلط
  3. السيطرة الخرافية على المصير
  4. العنف
  5. وضعية المرأة

يعرّف د. حجازي كتابه الثقيل بأنه (مدخل)، غير أن هذا المدخل كان كفيلاً باستحداث الأوجاع، وجديراً باستنفاد رصيد أنجمي الخماسي كاملاً. أعرض في الأسطر التالية بعض ما علق في ذهني من موضوعاته الشائكة، مع الاقتباس من نصوصه في رمادية (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • على الرغم من تسليط الضوء على الفئة الأكثر قهراً في المجتمع المتخلف في سلّم السطوة والخضوع، يعتقد د. حجازي أن الفئة التي تبدو أكثر حظاً لا تخلو أيضاً من قهر، مع اختلاف درجة الحدّة. يقول: “فبينما يتماهى الفلاح بسيده ويشعر بالدونية تجاهه، نرى السيد يتماهى بدوره بالمستعمر أو الرأسمالي الأوروبي ويشعر بالدونية نفسها تجاهه”.
  • يتطرق د. حجازي وهو يتحدث عن التخلف العقلي إلى طابع “الخصاء الذهني” الذي يتلبّس الإنسان المتخلف اجتماعياً كحالة ضعف عقلية زائفة!. ففي حين يتشكّل هذا الخصاء عموماً في هيئة مقاومة الفهم كعجز عن تأكيد الذات أمام العالم، يأتي هذا الخصاء اجتماعياً في هيئة رضوخ الإنسان المتخلف لأساطير قوى الطبيعة وسطوة أصحاب السلطة!. يبدو المتخلف متردداً دائماً في الاقبال على أمر ما خشية الفشل، أو قد يصرّح بعدم قدرته عليه قبل بذل أي محاولة، بل قد يشطّ البعض ويصدر أحكاماً تعسفية على هذا الأمر بحجة موهبته السريعة في الفهم. فيقول: “يتذبذب الإنسان المتخلف ما بين الشعور الشديد بالعجز عن استيعاب العالم، وبين طغيان مشاعر السيطرة على الواقع من خلال الحذق (الفهلوة) الذي يعتدّ به الجمهور كوسيلة مفضلة للفهم”.
  • من ملامح المجتمع المتخلف ما يطلق عليه د. حجازي بـ “التوتر الوجودي العام”، حيث الاستنفار النفسي العام لأي صراع محتمل! فما يلبث اثنان أن يتحاورا حتى يختلفا في وجهات النظر، لتحلّ السباب وشتائم الأعراض محل الجدال الموضوعي، حين تطغى العاطفة الانفعالية على كل ملكات النقد والمنطق والعقلانية. يستزيد ويقول: “وأحياناً ينفذ التهديد باستخدام العضلات أو السلاح بسهولة مذهلة في فورة غضب. ذلك أن هناك إحساساً دفيناً بانعدام فعالية اللغة اللفظية وأسلوب الاقناع، فيتحول الأمر بسرعة إلى الحسم السحري (العضلي أو الناري) من خلال الإخضاع”.
  • يؤمن الإنسان المقهور بطغيان قوى خارقة للطبيعة تتلاعب في مصيره، كتلبّس أرواح الجن والعفاريت وتحكّمها في فرص الخطوبة والزواج والعلاقات الجنسية والإنجاب، بالإضافة إلى إصابات العين القاتلة وطاقة الحسد وغيرها من شرور الماورائيات!. لذا، يسعى هذا الإنسان جاهداً باتخاذ ما يلزم من تدابير وطقوس تكفيه شرورها وتضمن له نوعاً من التحكم في مصيره، كالاستعانة بخدّام المقامات وتحضير جلسات الزار، وتخبئة المولود، وإخفاء الأثاث، والتكتم على حجم الثروة، وإفساد كل مظهر جميل!. يخلص د. حجازي بقوله: “ليس هناك إذاً أكثر تضليلاً من إلقاء المسئولية على الكائنات الخفية ثم البحث عن ذلك الحل من خلال مختلف ضروب الشعوذة”.

أما عن المرأة في المجتمعات المتخلفة، فقد حدّث د. حجازي عنها ولا حرج .. فهي:

  • أفصح النماذج تعبيراً عن الوجود الإنساني المتخلف في كافة أوجهه، لا سيما في عجزه ونقصه وتبعيته وتخلّف عقليته، والذي يظهر جلياً في تغلّب عاطفة المرأة وإنكار ذاتها وإحلال الخرافات محل التفكير الجدلي.
  • بين نقيضين، حيث تتفاوت مكانتها لدى الرجل في المجتمع المتخلف: “بين أقصى الارتفاع: (الكائن الثمين، مركز الشرف الذاتي، رمز الصفاء البشري الذي يبدو في الأمومة)، وبين أقصى حالات التبخيس: (المرأة العورة، المرأة رمز العيب والضعف، المرأة القاصر، الجاهلة، المرأة رمز الخصاء، المرأة الأداة التي يمتلكها الرجل مستخدماً إياها لمنافعه المتعددة) “. يستطرد ويقول: “في الحالتين تُستخدم المرأة كوسيلة للتعويض عن المهانة التي يلقاها الرجل المقهور اجتماعياً، وللتعويض عن قصوره اللاواعي بإسقاطه على المرأة “.
  • محل ترقيع لعقدة الكائن الذكري مسلوب الرجولة. فيقول: “كلما كان الرجل أكثر غبناً في مكانته الاجتماعية، مارس قهراً أكبر على المرأة”. ثم يقول: “وحتى يتم شحن الرجل بالقوة أو وهمها أو بالقدرة أو تخيلها حتى يتم تحويله إلى أسطورة الكفاءة التي تصور عنده، لا بد من إسقاط الضعف والهوان على المرأة. وهكذا تلعب هذه دور المعبّرة عن المأساة، الناطقة بالمعاناة. تلعب دور الكائن القاصر التابع الذي يحتاج إلى وصي”.
  • في موقع أسوأ بكثير عند الأوساط الكادحة وما دونها. يقول: “والقاعدة هي أن يعوض الرجل كل قهره ومهانته من خلال لعب دور السيد الذي يُخضع المرأة، يستعبدها ويستغلها، ويحولها إلى أداة له، تخدمه، تنجب له الذرية التي تعزز قوته الذكورية فتتحول إلى وعاء لمتعته بشكل أناني لا يراعي حاجاتها ورغباتها. تموت نفسياً كي يستمد هو من هذا الموت وهم الحياة، تسحق كي يستمد هو من هذا الانسحاق وهم تحقيق الذات. باختصار يستغلها كلياً وعلى جميع الصعد كي يتهرب من هوان استغلال المتسلط له”. يستمر د. حجازي ليعرض أقصى درجات القهر التي يمارسها المجتمع في تنكّره لها عند مقدمها للحياة في هذه الأوساط تحديداً، فيقول: “فهي تستقبل حين تولد بالتذمر والتبرم والضيق، إذا لم تستقبل بالرفض الصريح. وهي توضع كطفلة في مرتبة ثانية أو هامشية بالنسبة للصبي الذي يعطى كل القيمة، وهي تتحول إلى خادمة للأخوة والأب، حين تستنزف طاقة الأم، وهي تستخدم كأداة لتمرس أخوتها ببسط النفوذ الرجولي من خلال الوصايا وبزعم الحماية الوهمية لها. وعليها تنصب كل الضغوط وتفرض كل القيود في طور البلوغ. وتتابع مسيرتها متوجهة نحو مصيرها كأداة للمصاهرة يباع جسدها لقاء تغطية أعباء نفقاته ولقاء مبلغ من المال من الزوج كي يتخذ منه أداة لمتعته ووعاء لذريته وجهازاً حركياً يقوم على خدمته. أما نفسها وكيانها فيفرض عليهما موت معنوي بطيء”.
  • في تكوينها البيولوجي كأنثى .. لا تختلف عن الذكر، بل إن تكوينها هو الأكثر متانة ومناعة، غير أن التبخيس الجسدي ولغته وحركته أدى إلى ارتداد طاقته داخلياً على شكل مازوشية، تفجّر فيها المرأة عدوانها على ذاتها، والذي قد ينطلق خارجياً على هيئة ممارسات تشي بالحقد والحسد والكيد والدسيسة.
  • حبيسة المنزل في حرمان من التعاطي مع واقع المجتمع الذي يسمح بفرص التدريب الحي والمواجهة، فضلاً عن التجهيل المتعمد الذي يسمح بتسلّط الخرافة على حساب تنمية مهارات التفكير لديها، والتصرف بحكمة وعقلانية.
  • في المجتمع العشائري .. جسد يُقتل بالمصاهرة والإنجاب، وعقل يذهب طي النسيان. يقول د. حجازي في مرارة: “قيمتها كلها شرفها كله يركّز في عفافها الجنسي المتمثل سطحياً بغشاء البكارة. شرفها يتلخص في صفة تشريحية كما تقول د. نوال السعداوي، قد يولد بها الإنسان أو لا يولد”.
  • ليست امرأة إذا أثبتت عليها صفات النبوغ والتفوق والذكاء، إذ يعتبر المجتمع المتخلف صفات كهذه حكراً على الرجال ولا تمت للأنوثة بصلة. عندها، تصبح المرأة (رجل) أو (أخت رجال).
  • تتساوى مع أولئك العمّال الخاضعين لأسيادهم من ذوي رؤوس الأموال، حيث يتم غرس قيم العفة والزهد والطاعة وتبجيل صاحب السلطة والاستماتة في الدفاع عنه، في حين يُتخم السيد بأصناف النعم وقد أبيحت له كافة، مع قيم الجشع والتملك والإفراط في كل شيء.
  • تستلب كيانها الأنثوي بيديها حين تثور على العبودية المفروضة عليها بطريقة تحاكي فيها الرجل كنموذج للتحرر والانطلاق في الحياة. إنها محقة حين ترفض دورها كخادمة أو كآلة للتفريخ أو كجسد للمتعة، لكن قد ينحى هذا الرفض نحو إنكار حاجاتها البيولوجية أو صفاتها الأنثوية، أو بالإبقاء على صفاتها الأنثوية من غير حميمية.
  • في “الاستلاب الجنسي” أشد قهراً مما هي عليه في “الاستلاب الاقتصادي”. فعندما تُختزل المرأة ككل في حدود جسدها كأداة للجنس، يصبح هو هاجسها الأول والأخير الذي يفجّر حولها قنابل الخوف، ابتداءً من سلامة غشاء البكارة في أسفله إلى مدى رضا الزوج الموعود عنه بأكمله!. لا تقل التشريعات الدينية والمدنية بطشاً في فرض الممنوعات حوله، كعورة، وكملكية للرجل، سواء كان أباً أو أخاً أو زوجاً. يقول د. حجازي في صراحة: “حتى الجماع يتحول في معظم الأحيان إلى فعل سيادة للرجل على جسد المرأة من خلال اثبات القوة القضيبية في العلاقات الجنسية المتخلفة المتسمة بالقهر، بدل أن يكون وسيلة للمتعة المتبادلة”.
  • في “الاستلاب العقائدي” تواجه مأساتها الكبرى!. فمن خلاله تقنع بتفوق الرجل عليها وبدونيتها أمامه، وبالتالي تقبل بالرضوخ تحت وطأته. إنها على يقين تام بأنها كائن “قاصر، جاهل، ثرثار، عاطفي، لا يستطيع مجابهة أي وضعية بشيء من الجدية والمسئولية وبالتالي لا تستطيع الاستقلال وبناء كيان ذاتي لها”. في هذا النوع من الاستلاب يستفرغ الرجل عليها بلوثة من أساطير الأولين التي تحمّل حواء إثم الخطيئة الأولى “بضعفها واحتيالها ومكرها وغيّها. حواء مجسدة الآثام والشرور ومصدر كل غواية”.
  • متضخمة النرجسية حين تتمسك بوظيفة الأمومة كحصن أوحد تحظى تحت سقفه بشيء من القداسة، حيث تشعر بأهمية جسدها الخصب المرغوب به دوماً، والمتكفّل بالإنجاب والحضانة والرعاية بالذرية ووالد الذرية!. ينتج عن تضخيم قيمة الأمومة خاصية التملك الأبدية، حيث يرتبط الصبي بأمه رباطاً قلّما يتفكك عند كبره، والذي قد يصبح به تابعاً لزوجته التي تتقن لعب دور الأم معه.

………………. ومن خزي الواقع هنالك المزيد!

لقد كان هذا هو الكتاب الأول الذي أقرأه للدكتور مصطفى حجازي، وقد دفعني لاقتناء المزيد من مؤلفاته، حيث حصلت على كتابين آخرين من معرض للكتاب بإحدى المدن العربية عام 2019، هما على قائمة الانتظار: كتاب/ العصبيات وآفاتها: هدر الأوطان واستلاب الإنسان. وكتاب/ الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية.

كتاب .. قبل الجميع .. يواجه فيه القارئ نفسه وجهاً لوجه (وهو بكل قهره وضعفه واستسلامه وتخلفه) موروث مجتمعه المسموم بالمعتقدات البائسة البالية!. غير أن الأمرّ يكمن في ذلك المغبون الذي شلّت تلك السموم جلّ حياته وما علم أنها قد فُرضت عليه قسراً وجوراً، بل يجزم بأنها عدل وحق مستحق .. فيحيا بها ويموت عليها وكأنه لم يحيا حياة قط!!.. للإنصاف: أرى بنات جلدتي العربية هن الأكثرية!.. ولا عزاء!.

كتاب بمثابة بحث علمي مستفيض .. يستحق القراءة وإعادة القراءة.

تاريخ النشر: فبراير 7, 2021

عدد القراءات:318 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *