عبء القراءة

؟؟؟

لماذا تصبح القراءة عبئاً رغم الشغف؟

BK300 3

 

لا يليق بالحديث عن القراءة أن يبدأ بجملة نصائح وإن كانت هامة .. فالأهم قبلها، ربما، توثيق اعتراف!!
قد لا تبدو المشكلة في عدم الرغبة بالقراءة ذاتها، إذ يبدو أن القراءة اليوم تصطدم بما هو أقوى منها:
إيقاع سريع
انتباه مشتّت
بدائل أسهل
ولهذا، قبل أن يسأل القارئ: كيف يقرأ؟
عليه أن يسأل بصدق: ما الذي يمنعه بالفعل أن يقرأ؟
تبرز ها هنا عشرة عوائق حقيقية لا سطحية .. وبالطبع، قابلة للزيادة:
.

أولاً: الإدمان على التحفيز السريع

وليكن (الهاتف) مثالاً! في الحقيقة، ليس الهاتف بحد ذاته، بل تعوّد الدماغ على:
                      • التنقل العشوائي
                      • التغيير السريع
                      • المكافأة الفورية
حيث تتخذ القراءة في مقابلها شكل هذه المعادلة:
القراءة تساوي البطء مضافاً إليها صفر من أي مكافأة فورية! عليها كمحصلة، تصبح القراءة مملة دماغياً!
والحل للقارئ المصرّ: 
لا تحاول التركيز فهو حاضر .. لكن غيّر الموقع! اقرأ في مكان لا يبدو جيداً لاستخدام الهاتف! ماذا عن زاوية صغيرة تقرأ فيها واقفاً والكتاب -لا المحمول- محمول في يديك؟ 
أو .. كقاعدة عملية: لتكن أول عشرة دقائق قراءة، بدون هاتف في نفس المكان!
ليس هذا انضباطاً .. إنما تدريب على تقليل التفاعل مع وسائل التحفيز السريع!
 

ثانياً: وهم “لا وقت لدي”

 
إن الحقيقة القاسية هنا ليست في الوقت المزدحم، بل في الوقت المهدر جرّاء عدم التنظيم!
قد يكون من الجيد ربط القراءة بسياق لا بوقت: بعد القهوة .. قبل النوم .. أثناء الانتظار …!
ماذا عن إعادة جدولة الأعمال اليومية، بحيث تتخلل نصف ساعة خالصة لقراءة حرة أياً كان عدد الصفحات؟
وليعلم القارئ، أن الصفحات تجرّ أخواتها، وأن الوقت بمرور الوقت سيخضع لتنظيم لاإرادي حتماً لاستيعاب تلك الصفحات المتلاحقة.
 

ثالثاً: اختيار كتب لا تناسب المرحلة

ثمة خطأ شائع بين معشر القراء:
                      • كتاب مهم
                      • كتاب عريق
                      • كتاب ضمن “الأكثر مبيعاً”
                      • كتاب “يجب” قراءته
ليس الخطأ فيما مضى من تصنيفات، إنما في تصنيف لا يخاطب قارئ بعينه في اللحظة!
والحل؟
ليس على هذا القارئ أن يسأل إذاً: هل الكتاب جيد؟ لكن عليه أن يسأل نفسه أولاً: هل يناسب وقتي الحاضر معه؟
لا بأس في أن يقرأ أجزاء منه، وأن يسمح لنفسه بترك بقيته، فاختيار الكتاب في حينه مدعاة لاستمرار القراءة، والاستمرار أهم من إكمال كتاب على مضض وكأنه واجب، بحجة التصويت العالي له!
 

رابعاً: تحويل القراءة إلى “مهمة”

عندما تصبح القراءة: روتين يومي .. رقم ضمن أرقام .. إنجاز لا بد منه .. تفقد معناها الجوهري، بل تتحول إلى نوع من المقاومة الداخلية!
لذا، ينبع الحل من الداخل، حين يرتضي القارئ لنفسه القراءة كخيار يومي لازم لنموه المعرفي .. أي كسلوك مشروط للنماء، لا كمهمة مفروضة يجب إسقاطها وحسب.
 

خامساً: الإرهاق الذهني (غير المعترف به)

قد يعتقد القارئ أحياناً بأنه “كسول” بينما هو في الواقع مستنزف ذهنياً!
هنا، يصبح الحل الأجدر في تغيير نوع الكتب لا في إيقاف القراءة!
مثلاً: من كتاب ثقيل إلى كتاب أخف .. من قراءة تحليلية إلى قراءة تأملية .. من كتاب في الفلسفة إلى رواية إنسانية!
وليتذكر القارئ: الاستمرارية أهم من المثالية!
 

سادساً: القراءة دون أثر يُذكر

يقرأ .. ثم لا يتغير شيء، فيفقد القلب الشغف والعقل الدافع!
ما الحل عند هذه المعضلة؟
لينتبه القارئ لما يقرأ حينها! هل كرر القراءة في نفس التصنيف؟ أو لنفس الكاتب؟ أو لنفس الموضوع؟
فليشرع إذاً بالتغيير!
وكذلك، ليس عليه هنا أن يكتب مراجعة كاملة إن اعتاد التدوين، فيكفيه سطر واحد يعبّر فيه عن فحوى الكتاب أو ما استفاده منه.
هذه التقنية تساعد في تحويل القراءة من عملية استهلاك إلى ما يبدو أثر.
من زاوية أخرى، قد لا يكون انعدام الفائدة عيباً، بل فائدة في التيقن من انعدامها في بعض الكتب.
 

سابعاً: متلازمة (القارئ المثالي)

                      • يجب أن أقرأ كثيراً!
                      • يجب أن أفهم كل شيء!
                      • يجب أن أنهي الكتاب اليوم!
ليست هذه قراءة، إنما محاكمة .. الجاني والمجني عليه هو: القارئ نفسه! في بعض الأحيان، يصبح (الضغط الاجتماعي) جانياً في حال المفاضلة بين الأقران، وخلق حالة من التنافس المشوّه، وما يُعرف بـ (تحدي القراءة) كسباق ماراثوني.
الحل لهذا القارئ الواقع بين مطرقة الذات وسندان المجتمع:
التعامل مع القراءة كمساحة خاصة، لا كأداء أوركسترالي صاخب لإرضاء الأنا أو الآخرين .. القراءة بتأني مصحوب بالتفكّر .. إعادة قراءة نفس الصفحة لإتمام الفهم .. الانتقال للصفحة التالية بعد المحاولة.
قد تصبح المحصلة كتب أقل لكن فائدة أعظم ورضا حقيقي عن النفس وصورة غير زائفة أمام الآخرين.
 

ثامناً: البدائل الأسهل (فيديو، ملخّص، بودكاست)

حقيقة .. هذه الأخطر!
إنها ليست بدائل، بل منافسة قوية على أشدّها.
وما الحل حيالها؟
غير مطلوب من القارئ محاربتها بقدر ما عليه استخدامها بذكاء .. فليتخذ مقطع الفيديو مثلاً كمدخل للكتاب لا كبديل عنه
والأهم أن يتخذ هذه كقاعدة: لا ينبغي استهلاك ملخص أي كتاب قبل ملامسة الأصل بين دفتيه.
 

تاسعاً: توقع المتعة المستمرة

ليست القراءة عملية ممتعة على الدوام، فدوام الحال من المحال وهذا أمر طبيعي!
يصبح الحل مع هذه الحالة الثقيلة هو عدم الاستسلام للفتور ومتابعة القراءة ولو بشكل أخف من المعتاد، بل ليس على القارئ هنا أن يبحث عن التحفيز لمعاودة القراءة
… حيث مع استمرارية القراءة رغم الفتور، تبدأ العلاقة الحقيقية مع القراءة
فهي جزء لا يتجزأ من حياته وليست علاقة عابرة حسب المزاج!
 

عاشراً: التشتت الداخلي (أعمق من الهاتف)

القارئ هنا مشتت .. أفكاره، أسئلته، قلقه، مزاجه .. هو يحاول الهروب منها، لكن القراءة تكشفها حين تمثل هذه المشتتات في الوقت المخصص لها!
ليس الحل في تجاهل التشتت بأسبابه، إنما في قراءته قبل قراءة أي كتاب!
لذا، ليس على القارئ أن يقول: “أنا مشتت وسأقرأ رغم ذلك”، بل على العكس، عليه ألا يباشر القراءة وهو يفتقد تلك المساحة الذهنية اللازمة، فيجلس بصحبة كتاب ورأسه مزدحم!
والحل: تنحية الكتاب ثم القيام بعملية “تفريغ ذهني سريع”
بطريقة عملية: أن يسكب كل ما في رأسه على ورقة خلال خمسة دقائق يمنحها إصراره .. ثم يقرأ!
حينها سيستشعر فرقاً ملموساً في جودة الانتباه.
 

خلاصة القول:

المشكلة لا تتمثل في: وقت .. هاتف .. تشتت .. كسل .. مثالية .. رفاهية!
بل في تبني القراءة كشغف يُضفي على الحياة قيمة إضافية، وتتطلب ذلك النوع من الاستعداد الداخلي، لا يحظى به سوى من أخلص في إعداده!
 
 في الختام:
ليست القراءة وحسب مهارة يمكن اكتسابها بالممارسة .. ولا عادة تترسخ بالجبر والتكرار .. إنما هي علاقة وثيقة بين الكتاب والقارئ، تحتاج لتتوطد إلى مساحة تحميها، ورغبة تثريها، ووعي يفهم عوائقها.
وحين تتضح الأسباب الحقيقية التي تعيق انسيابية هذه العلاقة .. لا تعود القراءة عبئاً يحمله القارئ محاولاً فرضه قسراً، بل خياراً ممكناً إذا صدق في داخله وأخلص في إعادة ترتيب كل ظرف حوله!
لهذا .. لا تبدأ كقارئ بمحاولة القراءة أكثر فأكثر .. بل باقتلاع جذور كل ما يجعلك لا تقرأ.
 
 
300 كتاب خلال عامين
ماذا أضافت؟
  
………. خاطرة ……….
لقد قرأت عدداً كبيراً من الكتب خلال عامين
ولم تكن ثمة مشكلة يوماً .. لا في الوقت ولا في التركيز ولا في الاستمرارية
بل كان الدافع يكمن في هذا السؤال البسيط الذي أخذ يتكرر بصمت:
ما الذي ستضيفه لي القراءة مختلفاً، عما عرفت وتعلمت وقرأت واعتنقت؟
قرأت عدداً كبيراً من الكتب
والمفارقة أن ما بقي معي ليس عددها .. بل القليل الذي غيّرني
.
BK300 2
.
لقد توّجت عام 2024 بقراءة 150 كتاب .. وكذلك فعلت في عام 2025 أيضاً 
.
.
.
عدد القراءات:27 قراءة