الكتاب
هكذا قتلوا قرة العين
المؤلف
دار النشر
منشورات الجمل
الطبعة
(2) 1997
عدد الصفحات
72
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
08/21/2017
التصنيف
الموضوع
النضال من أجل الاعتقاد مهما كان
درجة التقييم

هكذا قتلوا قرة العين

سيرة ذاتية مثيرة للجدل عن امرأة استثنائية أكثر إثارة وثورية .. إلى جانب ما يصول ويجول في عقائد تترى ما أنزل الله بها من سلطان، الأمر الذي يضيف حسنة للسيرة نحو إفساح المجال لفضوليي المعرفة والاستزادة في البحث حول تلك العقائد الفاسدة وعن كبار مؤسسيها .. تحديداً كما فعلت!. لا أعتقد أنها سيرة تستحق القراءة حقاً رغم الدفقة التي سيحصل عليها القارئ في تأكيد صدق معتقداته حين يقرأ عن أناس ناضلوا حتى الموت في سبيل خزعبلاتهم.

لا تمس السيرة كاتبها الأشهر من نار على علم (عالم الاجتماع د. علي الوردي)، إذ لم تكن سوى مقتطف من مؤلفه الضخم (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) والمدون في سلسلة من مجلدات ثمان، قد تطرق فيه إلى أحداث واقعية نقلاً عن عدة مصادر. وللحق، لقد كان تطرّق الكاتب لهذه الشخصية السبب المباشر في تناولي سيرتها لما أكنّ لكتاباته من تقدير، رغم قلة قراءاتي في أدب القصة والرواية والسير الذاتية!

ولأنني لا أهوى قراءة السير الذاتية كما ذكرت ولا أتقن روايتها، فسأكتفي بسرد ما علق في ذهني بعد قراءة هذه التي لم تحظ سوى بنجمة واحدة من رصيد أنجمي الخماسي، وباقتباس في نص ثوري (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • قرة العين القزوينية (1231 : 1269 هـ / 1815 : 1852 م) أو زرين تاج بالفارسية أو التاج الذهبي بالعربية أو الطاهرة أو الشيخية أو فاطمة عليها السلام (حاشاها الله ابنة المصطفى ﷺ) .. هي امرأة ذات جمال أخاذ وذكاء متقد وشخصية مؤثرة، تحظى بطلاقة اللسان وفصاحة البيان وعذوبة المنطق وقوة الحجة والجسارة والإقدام. وُلدت في قزوين في منتصف القرن التاسع عشر لعائلة سليلة العلم والدين عُرفت بـ “آل البرغاني”، فقد كان والدها الملا محمد صالح وعمها الملا محمد تقي اللذان أخذت عنهما مباشرة العلم الشرعي. ظهر نشاطها في بغداد أثناء ولاية نجيب باشا، حيث اعتنقت عقيدة البابية أو الشيخية وارتقت المنبر سافرة الوجه -في أول حادثة تشهدها أرض العراق آنذاك- مناضلة عنها ضد الشريعة الإسلامية التي طالبت بنسخها واستبدال تعاليمها .. هكذا ما بين العراق وإيران وحول جمهرة من الأتباع والمريدين أو “القرّية”. يقول د. الوردي: “تميزت قرة العين بجمالها الفتان وذكائها المفرط وقد بدأ نبوغها منذ صباها الباكر. كانت تحضر دروس أبيها وعمها التي كان يلقيانها على الطلبة، وكان يوضع لها ستار لتستمع الى الدروس من ورائه، وسرعان ما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية التي تثار بين رجال أسرتها. وكثيرا ما كان أبوها يظهر أسفه قائلاً: (لو كانت ولداً لكانت أضاء بيتي وخلفتني)”. ويستطرد أخاها عبدالوهاب في إطراء ما كانت عليه من ذكاء مفرط قائلاً: “إننا جميعا من أخوة وأولاد عم ما كنا نقدر أن نتكلم في حضرتها لأن علمها كان يرعبنا، وإذا تصادف وتكلمنا عن مسألة فإنها كانت تتكلم عنها بكل وضوح وإتقان على البداهة، حتى نعلم إننا أخطأنا السبيل ونتركها ونحن متحيرون”.
  • لم تكترث قرة العين لما حباها الله من جمال أنثوي طاغ، بل بما حظيت به من فكر حر سابق للزمان والمكان، وملكة الجدال بالحجة والمنطق. وفي منأى عن المفاهيم الدينية من صدقها ومن عدمه، تبرز قرة العين كشخصية أنثوية طاغية الحسن والفطنة ثارت على الموروث الرجعي السائد آنذاك، دينياً وفكرياً واجتماعياً، وانبرت تطالب بالتغيير كامرأة ذات كيان لها من الحقوق ما للقوم كما عليهم وعليها من الواجبات، ابتداءً من نسخ الشريعة الإسلامية أو “تعاليم محمد” كما زعمت، واستحداث عقيدة جديدة ترفع القيود التي كبلّت المرأة من غير وجه حق! كل هذا من خلال نضال عتيد عبّرت فيه بأعلى صوتها عن مبادئها وأفكارها ومطالبها، وقارعت الحجة بالحجة، واستفاضت في نقاش وخطب ودروس ومواعظ .. واجهت به زوجها وذويها وعشيرتها، بل وهاجرت في سبيل ما اعتنقت!. يقول د. الوردي عن هذا الجانب: “كانت قرة العين تملك صوتاً جهورياً ومقدرة كبيرة على الكلام والجدال، فأحدثت في المجتمع الكربلائي هزة عنيفة وأصبح اسمها على كل لسان. وصار الناس نساء ورجالاً يتناقشون ويتجادلون في الأفكار الجديدة التي كانت تطرحها قرة العين في دروسها المنزلية”.
  • بداية، تفاجئ قرة العين القوم وهم جلوس في خيمة وقد دخلت عليهم سافرة الوجه متزينة خلافاً لما هم عليه من التزمت، كرسالة تحد مباشرة ضدهم وضد ما يؤمنون من أحكام شرعية تحرّم التبرج، أو بتعبير د. الوردي: “وكأنها أرادت بعملها هذا أن تنسخ حكماً من أحكام الشريعة و هو تحريم التبرج الذي نزل به القرآن”!. يتملّك القوم الذهول، فيغض البعض البصر ويغطي الآخرون وجوههم بأكفهم وبعباءاتهم، بينما يستشر الغضب بآخرين، فيحاول أحدهم حزّ عنقه بسكين كانت بيده ثم يخرج والدماء تقطر منه يتبعه آخرون بفعله، ويتقلّد الآخر سيفه في محاولة لضرب عنق قرة العين.
  • في إحدى المناقشات العقيمة مع اثنان من أدعياء الدين حول الإمام الموعود وزمانه ومكانه، تعترض قرة العين على ما وصفته بالأباطيل والروايات الكاذبة، وتجيبهما بكل شجاعة قائلة: “إن الأدلة التي تسوقانها هي أشبه بأقوال طفل غبي جاهل! فإلى متى تسيران وراء هذه الأكاذيب والخرافات الجنونية؟ وإلى متى لا ترفعان رأسكما لتريا شمس الحقيقة؟”. وكعادة الجهّال الذين لا يملكون سوى سلاح التكفير أمام هكذا حجج، ينتفض أحدهما فيجيب التساؤل بتساؤل: “ما هي الفائدة من زيادة البحث والمناقشة مع كافرة؟”.
  • وعن بعض ما نادت به قرة العين، أنقل ما ورد في مؤتمر اعتلت منبره وخطبت في القوم قائلة: “اسمعوا أيها الأحباب والأغيار. اعلموا أن أحكام الشريعة المحمدية قد نسخت الآن بظهور الباب، وأن أحكام الشريعة الجديدة البابية لم تصل إلينا، وأن اشتغالكم الآن بالصوم والصلاة والزكاة وسائر ما أتى به محمد كله عمل لغو وفعل باطل، ولا يعمل بها بعد الآن إلا كل غافل وجاهل. إن مولانا الباب سيفتح البلاد ويسخر العباد وستخضع له الأقاليم السبع المسكونة وسيوحد الأديان الموجودة على وجه البسيطة حتى لا يبقى إلا دين واحد، وذلك الحق هو دينه الجديد، وشرعه الحديث الذي لم يصل إلينا إلى الآن منه إلا نزر يسير. فبناء على ذلك أقول لكم وقولي هو الحق: لا أمر اليوم ولا تكليف ولا نهي ولا تعنيف، وإنا نحن الآن في زمن الفترة. فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومزقوا هذا الحجاب الحاجز بينكم وبين نسائكم، بأن تشاركوهن بالأعمال، وتقاسموهن بالأفعال، واصلوهن بعد السلوة، وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة، فما هن إلا زهرة الحياة الدنيا، وإن الزهرة لابد من قطفها وشمها، لأنها خلقت للضم وللشم، ولا ينبغي أن يعد ولا يحد شَامُّوها بالكيف والكم، فالزهرة تجنى وتقطف وللأحباب تهدى وتتحف. وأما ادخار المال عند أحدكم وحرمان غيركم من التمتع به والاستعمال، فهو أصل كل وزر وأساس كل وبال. ساووا فقيركم بغنيكم، ولا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم، إذ لا ردع الآن ولا حد ولا منع ولا تكليف ولا صد. فخذوا حظكم من هذه الحياة فلا شيء بعد الممات”. وكامرأة عربية تعتنق الإسلام ديناً وتحيا في مجتمع ذكوري تتسامى عنه أقول: لا تأتي هكذا شطحة من فراغ! إنما هي ردة فعل مضادة -وقد تكون على استحياء- مقابل طوفان الشطحات الذي أغرق به فقهاء وأد المرأة وخدّام البلاط المجتمع بأسره، من حجر على العقول وتغييب للفكر الحر وتكميم للأفواه وتجهيل مقدس .. الشطحات التي كان للمرأة نصيب الأسد في وأدها وهي على قيد الحياة بأحكام كسوها بغطاء ديني غليظ ما أنزل الله بها من سلطان!
  • وكعادة المجتمع الذكوري، ينبري كائناته وقد تملّكهم اليأس من مناظرة قرة العين فكرياً ومقارعة الحجة بالحجة إلى توجيه أصابع الاتهام نحو ما ترتدي وعلى أي نحو تتصرف وغيرها من شكليات ظاهرة تمس أنوثتها كنقطة ضعف كما كان يعتبر -ولا يزال- أولئك الكائنات، لاسيما وقد كشفت عن وجهها الذي ارتبط لديهم بعفة المرأة وكمال أخلاقها، على حساب ما تحمل من آراء وحجج وبينة!. يتطور الأمر ليحكم ذكور الدين بحبسها برهة من الزمن درءاً للفتن الأخلاقية، ليتطور من ثم إلى اضطرار قرة العين الرحيل مرات ومرات تجنباً للمواجهة المباشرة التي لا تُحمد عُقباها. لا يكتفي ذكور القوم بهذا الحد بل تسوّل لهم أنفسهم تلفيق المزيد من الإفك، إذ “حاول بعض الخصوم تعليل هذا الميل لتجديد الشريعة عند قرة العين بأنه نتيجة زواجها الفاشل من ابن عمها، ففي رأيهم أنها كانت تبغض زوجها من أعماق قلبها، ولما كانت الشريعة الاسلامية لا تمنح المرأة حق الانفصال عن زوجها أو الطلاق منه فقد اندفعت قرة العين اندفاعة لا شعورية نحو اعتناق كل دعوة تتيح لها نسخ الشريعة لكي تتخلص من ربقة زوجها البغيض على وجه من الوجوه”. …. وكأن لسان حالهم يقول: (نحن السبب) على طريقة الشاهد من أهلها!.
  • ومع كثرة الشد والجذب بين افتراء القوم وإصرار قرة العين، يتم القبض عليها بوشاية خصومها اللدودين عند الحكومة ضد ما حملت من آراء متطرفة اتفقوا على أنها تبدو كمظهر من مظاهر تلبّس الشيطان، فيستمر تألب القوم الظالمين حتى ينادى على تصفيتها “وأنها تستحق القتل عملاً بحكم القرآن” فتُعدم بتهمة الإفساد في الأرض .. على اختلاف الروايات!. يقول د. الوردي عن نهايتها: “واختلفت الاقوال في الكيفية التي قُتلت بها قرة العين، فمن قائل: أنها وضعت في فوهة مدفع واطلقت عليها قنبلة مزقتها إرباً إرباً، ومن قائل: أنها ربطت من شعرها بذيل بغل فسحبت إلى المحكمة وهناك صدر الحكم بإحراقها حية، غير أن الحكومة أوعزت بتأخير الإحراق إلى ما بعد موتها، فخنقت ثم ألقيت جثتها إلى النار. ويروي المستشرق براون أن الشاه استدعى قرة العين الى قصره في نيكارستان وطلب منها التبريء من الباب، ولما رفضت قرة العين ذلك وأصرت على الرفض أمر الشاه بإلقائها في بئر كانت في حديقة القصر، ثم ألقيت فوقها أربعة أحجار ضخام، وهيل عليها التراب. أما صاحب كتاب (مطالع الأنوار) فيذكر: أن قرة العين أُخذت من دار المحافظ الى حديقة الايلخانة، وهي الحديقة التي كانت موجودة في ذلك الحين مقابل السفارة البريطانية، فخُنقت بمنديل من الحرير قدمته هي بنفسها إلى جلادها، ثم أنزلت في بئر كانت قد حفرت هنالك حديثاً، وهيل عليها التراب”. …. أما (إلقاء الحجارة الضخام) فمقتبسة من مصير آسيا المؤمنة زوجة فرعون الظالم، وأما (الخنق بمنديل من حرير) فمقتبسة من محاولة قتل شهرزاد الفطنة بإيعاز من زوجها شهريار الجبان!… كم تختلط الأديان بأساطير الأولين!!.
  • لا يسعني في الختام إلا أن أنقل شهادة د. الوردي التي لا تخلو من تحليل فذّ لشخصية هذه المرأة حين قال في (كلمة تقييم): “حين نستقرئ سيرة قرة العين منذ بداية أمرها حتى ساعة مقتلها نشعر بأنها امرأة ليست كسائر النساء، فهي علاوة ما تميزت به من جمال رائع كانت تملك ذكاء مفرطاً وشخصية قوية ولساناً فصيحاً، وتلك صفات أربع قلما اجتمعت في إنسان واحد، وإن هي اجتمعت فيه منحته مقدرة على التأثير في الناس وجعلته ممن يغيرون مجرى التاريخ. إني أعتقد على أي حال أن قرة العين امرأة لا تخلو من عبقرية وهي قد ظهرت في غير زمانها، أو هي سبقت زمانها بمائة سنة على أقل تقدير. فهي لو كانت قد نشأت في عصرنا هذا وفي مجتمع متقدم حضارياً، لكان لها شأن آخر، وربما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين”.

قد تكون قرة العين “أعظم امرأة في القرن العشرين” كامرأة استثنائية أو نسوية حقوقية أو ليبرالية علمانية حداثية أو ثورية ضد الموروث الديني والمجتمعي، لو أنها عاصرته كما تمنى لها د. الوردي، إذ تجتمع فيها الصفات الأساسية الأربع (الجمال، الذكاء، الفصاحة، الريادة) لتتويجها هذا المنصب، إلا أن (فساد) ما اعتنقته سيفضي بها حتماً إلا ما آلت إليه ولو عاصرت قروناً لاحقة ولاحقة!. لا يمنع هذا حتماً من الإقرار بقوة شخصيتها والصدق والإخلاص والثبات على ما اعتنقت من غير خوف أو كلل .. لا من ظلم السلطان ولا من قهر الرجال، المذهب الذي هو أحوج ما تحتاج إليه نسوة هذا العصر لما هنّ عليه من خضوع وخنوع واستسلام مقيت!.

لكم تمنيت -وأنا المناضلة عن حقوق المرأة- لو أن قرة العين قد نشأت فعلاً في زماننا، وناضلت من أجل بنات جنسها بحق شرع الله كما افترضه، وليس كما عاث فيه فقهاء وأد المرأة .. وعّاظ السلاطين، بما يرضي نزعاتهم الشهوانية ومن قبلهم رضى أسيادهم وأجنداتهم السياسية .. قد تصبح بذلك حينها وبحق “أعظم امرأة في القرن العشرين”.

غفر الله لقرة العين بحق رحمته التي وسعت كل شيء وبحق ما تستحق من المغفرة، واقتص ممن كان السبب في الضلال والإضلال وتحريف الدين وتلويث المحجة البيضاء .. آمين.

 

تاريخ النشر: سبتمبر 3, 2021

عدد القراءات:75 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *