الكتاب
هكذا قتلتُ شهرزاد: اعترافات امرأة عربية غاضبة
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
I Killed Scheherazade: Confessions of an Angry Arab Woman - By: Joumana Haddad
دار النشر
دار الساقي
الطبعة
(1) 2012
عدد الصفحات
190
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
09/11/2017
التصنيف
الموضوع
من يؤمن بالإنسانية .. بجوهريها الذكري والأنثوي
درجة التقييم

هكذا قتلتُ شهرزاد: اعترافات امرأة عربية غاضبة

رغم الخطوط الحمراء والشمع الأحمر الدبق فوق التابوهات، أبت الكاتبة الأكثر جرأة والأصعب جدلاً إلا أن تبحر في اللجج بطاقة السهل الممتنع ضد تيار الهوى في محيط إقطاعي أبوي، يموج في غياهب غلو وتطرف وتكفير، بين أعراف وشرائع وقوانين .. لا أصل لها!.

إنها إذاً جمانة حداد .. تلك التي تطلّ إعلامياً كنار فوق علم! إنها كاتبة وشاعرة وصحفية ومترجمة ومحاضرة وإعلامية وحقوقية بارزة .. جميلة المخبر كما المنظر.. تتقن اللغات وتحاور الأدباء وتبارز الساسة وتستفز الدُعاة وتناضل من أجل كلمة الحق، وتلقى ما تلقاه من هجوم ضد دعاوى نسوية وإباحية وإلحادية كذلك!. لقلمها انسيابية رغم قساوته تجعل من قراءة اعترافاتها الغاضبة كمن يخوض الحمم بقدمين لاهثتين في غبطة وثورة معاً .. قد يتوقف اللهث فيما بعد، لكن لا ينطفأ الغضب بعد أن أشعلته جمانة.

يعرض فهرس الكتاب -الذي يحمل سيرة ذاتية لنسوية غاضبة تُرجمت إلى اثني عشر لغة- سبع اعترافات نارية، تسبقها مقدمة وملاحظة وكلمة، ويتبعها إقرار بجريمة قتل الروائية العربية الأبرز، تُختم بالشكر .. أعرضها كما يلي:

  1. امرأة عربية تقرأ الماركي دو ساد
  2. امرأة عربية لا تنتمي إلى أي مكان
  3. امرأة عربية تكتب شعراً إيروتيكياً
  4. امرأة عربية تؤسس مجلة عن الجسد
  5. امرأة عربية تعيد تعريف أنوثتها
  6. امرأة عربية لا تخاف استفزاز الله
  7. امرأة عربية تعيش وتقول لا

ومن طاقة الغضب التي ضخّتها الكاتبة في كتابها -وقد استنفد رصيد أنجمي الخماسي ولم يبق- أفرد الأسطر القادمة لإفراغ شحنتها، وفي اقتباس بنص ثائر (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

قبل البدء .. وجب التنويه!

لا تحب الكاتبة شهرزاد .. فقتلتها، إذ ما برحت “تحتفي ثقافتنا بشهرزاد كامرأة كانت على قدر كبير من العلم والذكاء والحنكة والخيال، الأمر الذي مكنها من إنقاذ روحها من الموت المحدق بها، من خلال «رشوة» الذكر .. الملك شهريار بمتاهة قصصها الساحرة”. في موضوعية، وبعيداً عن أي شبهة غيرة أو افتراء .. اتفق والكاتبة بأن شهرزاد لا بد تمتعت بذكاء دعاها لاستخدام أداة وحيدة أتيحت لها آنذاك لإنقاذ رقبتها من حبل مسرور السيّاف، وهي (المسايرة)! غير أن الأداة العقيمة تلك لا ينبغي أن تُتوّج كنموذج نسائي أمثل في “سايرن الرجل .. امنحنه ما تملكن وما يشتهي، وسوف يدعكن وشأنكن” .. كم يشبه هذا القول (الذكاء العاطفي) الذي يدعو له أصحاب تنمية الذات بعماء! ليست العبرة بـ (المسايرة) حرفياً، بل في إعمال كل ما تأتى من سلاح تملكه المرأة في سبيل نيل أو حفظ حقوقها!.

ولنبدأ الحكاية!

  • تُعدّد الكاتبة في المقدمة (الثورة التي نحتاج .. الثورة التي نستحق) ركائز الجدار العربي الذي رغم تأسيسه الهش، اللامرئي واللاملموس، فوق “معتقدات ونبوءات وآيات ووصايا مقدّسة” له متانة الحديد والأسمنت بحيث لا يقبل الشك والنقض! هي على التوالي: الدين، وهو أصل العقدة وقد أسمته الكاتبة بـ (البعبع). الأنظمة المجتمعية البطريركية. سياسة المكيالين والتمييز ضد النساء. العنف العبثي الإجرامي الممنهج نحو المرأة. سلبية المرأة وانعدام الوعي. الأنظمة السياسية. الثقافة النائمة الجاهلة. الفلسفة الاقتصادية الطبقية في توزيع الثروة. لا تتسع المسافات والكاتبة في طريقها تواجه حجراً فوق حجر، فتقول في نبرة تتحدى رغم الإحباط: “أتريدون بعد؟ سجلوا. حجر الظلم، حجر اكتفائنا بإلقاء اللوم على الآخر بدلاً من تحملنا مسؤولياتنا، حجر الفوضى، حجر الأمية، حجر الغدر، حجر إلغاء الآخر، حجر انعدام الحوار، حجر الخيانة، حجر العمالة، حجر بيع الضمائر، حجر الجبن، حجر الطعن في الظهر، حجر الحقد، حجر انعدام الصدقية، حجر الرقابة، حجر الانتهاز والماكيافيلية والسمسرة، حجر «الغاية تبرر الوسيلة»، حجر الزحفطونية وتمسيح الجوخ، حجر الكذب على ذقون المواطنين، حجر الخبث والزعبرة، حجر البطالة، حجر الهدر، حجر التلوث .. الخ”.
  • تستمر الكاتبة في المقدمة لتفتح النار على الأديان التوحيدية وما جاءت به من نصوص تنافسية لا يمسّها طائل في إذلال المرأة بقدسية!. تستبق الكاتبة ردود الفعل وترد متهكمة على من يعتبر تلك النصوص سالفة الزمان والمكان لا تعكس سوى الظرف الاجتماعي الذي أحاطت به: “سأقول: فليكن. سأسلم كمحامية جيدة للشيطان بصحة هذا الادعاء، وأتجاوز «خطأ التصنيع» الأصلي”. ثم تلقي سؤالاً لأولي الألباب: “ولكن إذا كانت الحال هذه فعلاً، فلم تستمر هذه الكتب حتى قرننا الحادي والعشرين في تشكيل مراجع مطلقة تُطبق على التصرفات والأفكار والمبادئ وأنماط حياة الكثير من الناس؟ لماذا لا تزال نصوصها لا تُمس؟ أي جهد إصلاحي داخلي أدى فعلاً إلى تغيير صورة المرأة من وجهة النظر الدينية، وأسهم في أن يعيد إليها كرامتها وموقعها المساوي للرجل، لا في القول فحسب، ولكن أيضاً وخصوصاً في التطبيق”.
  • لا تزال الكاتبة في المقدمة مع مقارنة الأديان التي تتفق أجمعين وموقفها العدائي ضد المرأة يعززها تاريخها الأنثروبولوجي، تستشهد في هذا بمقولة المؤرخة (آن موريل) التي تعتبر أن “هذه الأديان ولدت في حوض المتوسط، وهو مكان جغرافي واجتماعي حيث المعايير الذكورية راسخة، وحيث النظام البطريركي يحكم على النساء بموقع دوني”. تنفي الكاتبة -من غير قصد الدفاع- إدانة الإسلام وحده في هذا العداء الذي يتقصّده الغرب عادة بأصبع اتهام، إذ “أن في اليهودية صلاة يشكر فيها الرجال الله لأنهم لم يولدوا نساء، وأنه بحسب التلمود، أفضل ألف مرة إحراق التوراة من تسليمها إلى امرأة”. ثم لا تنسى أن تذكّر الغرب المسيحي بما حملت رسائل مار بولس من منع “النساء التكلم في الأماكن العامة والمداخلة في الاجتماعات، وأنه بين الرسل الاثني عشر، لم يختر المسيح أي امرأة”. تستمر في كيل المزيد من الاستفزاز الذي تستهول معه خبر اعتزام خمسين كاهناً ينتسبون إلى الكنيسة الأنغليكانية تحولّهم إلى نظيرتها الكاثوليكية إثر إعلان الأولى “أنها ستقرّ قانوناً يسمح برسم النساء أساقفة” الأمر الذي أثار عاصفة من التراشق نقداً وجدلاً بين الكنيستين!. يأتي الفاتيكان بجلاله ليزيد من بلّة الطين وقد وصف “رسم النساء أساقفة بـ (الجريمة)، ووضعها في المرتبة نفسها مع جريمة (الاعتداء الجنسي على الأطفال)”. ثم تستتبع التهويل بسؤال استنكاري يعني بنات جنسها قائلة: “يا للهول! كيف يمكن امرأة ذات كرامة أن تقرأ كلاماً من هذا النوع ولا يقشعر بدنها غضباً”؟ وأنا غضبت -كما أغضب عادة على هكذا هراء مقدّس- واسترجعت تواً ملامح زميلة الدراسة اليابانية ونحن على مدرج الجامعة في إنجلترا حين أتحفتها بـ (طراطيش) حول الإذلال الديني-المجتمعي المعني! لقد كانت كالدمية قبل أن تحتقن دماً وينسحب منها كل لفظ سوى واحد من عيار (F) نطقته عربياً نحوياً بالمَدّة!
  • وكنتيجة حتمية لكل امرأة حرّة، غيورة على إنسانيتها في المقام الأول، تعلن الكاتبة رفضها عضوية الكنيسة الكاثوليكية “ما دام من المحرم على المرأة أن تكون رأس الكنيسة الكاثوليكية”، واستمرار فضحها للبرقع الإسلامي “كأداة قمع وإلغاء مهينة لكينونة المرأة” طالما لا يرتديه الرجال المسلمين! لا تكتفي، بل تصدح في فخر معرّفة عن هويتها: “مليون مرة كافرة، ولا مرة مهانة في أنوثتي وكرامتي الإنسانية”. عن نفسي، لا أستغرب نتيجة حتمية كهذه قدر استغرابي لمن لم يصلها بعد، رغم زخم الامتهان الإنساني باسم الدين بكرة وعشيا .. يشهد على ذلك موجة الإلحاد التي تعصف بمؤمني شبه جزيرة العرب .. إنها مسألة وقت لا أكثر لمرحلة أكثر كارثية!. ثم لا تلوي تتوعد أولئك الذين يعتقدون بإصابتها بلوثة غربية، إذ أن “حقوق الإنسان عالمية أيها السيدات والسادة وليست حكراً على الغرب .. ارجعوا إلى نص الإعلان”. ولا تهدأ حتى تسدّ كل منفذ لأي ذريعة تتلبس بالمقدّس لاسيما من قبل نسوياته، فتقول وهي لا تخفي إحباطها: “أما المناضلات النسويـات اللواتي يتحدثن عن مفاهيم «النسوية الإسلامية» أو «النسوية المسيحية»، فيشعرنني بالإحباط. متى نكفّ عن التسويات ومحاولات التغيير اللامجدية من داخل الثمرة الفاسدة؟ متى نعترف بأن لا تناغم ممكناً بين تعاليم الأديان وكرامة المرأة وحقوقها؟ تكفي قراءة الكتب الدينية ومتابعة تطبيقاتها للتأكد ذلك”. ولا تستثني منها أحدا!.
  • تنتقد الكاتبة إلى جانب هذين الصنفين من النسوية، “النسوية الراديكالية” التي سادت في سبعينيات القرن الماضي، وهي نسوية لا تضادّ الرجل كما يبدو فحسب، بل إنها “خصوصاً ضد ذاتها”. إن هكذا طريقان أفقيان يسيران كندّان متضادان لا يؤّمل معهما مفرق طريق يلتقيان عنده “آخذين في طريقهما كل التجارب والأحلام والطاقات والديناميات التي يمكن أن تنجم عن غير المحكوم بمسبقات بين الرجل والمرأة”، ولا ينتهي إلا بجملة مآسي من جنون وفصام وحماقة وحقد ويأس وخيبة ومرارة وألم، رغم أن “نقاط تلاقيهما تفوق بأشواط نقاط اختلافهما، لا بل إن الاختلافات بين الأفراد هي أكثر حدة من أبناء الجنسين”. لذا، تنسب الكاتبة نفسها إلى جيل “ما بعد نسوية”. وهي فلسفة وجودية لا تشاؤمية تتطلب موقفاً صارماً يقلب الطاولة “طاولة الرجل هنا والمرأة هناك .. على من حولها. أقل من ذلك يعتبر نشاطاً مجتمعياً مداهناً ومجاملاً، بل يعتبر استمراراً في اتباع منطق الخبث والتكاذب الذي يتحكم بجوهر العلاقة بين الرجل والمرأة”. كم أجد هذا التوجه عقلانياً حكيماً لاسيما حين رأيت صاحبته يوماً تنادي به على الشاشة مخاطبة الرجل كنسوية: كما لا أقبل بأن أكون “وراءك”، لا أسعى بأن أكون “أمامك” .. بل طبيعياً “حدك”.
  • مثلما يُخيّب هذا التوجه المتربصين بالكاتبة الليبرالية، تُفصح بدورها عن رأي لا يقل حكمة وتعقّل يضاعف كيل خيبتهم .. رأي يرفض كل أشكال تشييء المرأة كجسد يستحق السجن الأسود عند قوم والإباحة عند قوم آخرون!. تقول: “هنا البرقع وإخوته وأخواته، وهناك لحم على هوى المزاد .. أما كرامة الأنوثة والذكورة وقوتهما، حتماً ففي مكان آخر”. يتطابق هذا وموقف د. نوال السعداوي في تغطية وتعرية المرأة .. إذ هما وجهان لعملة الجسد!.
  • تعيب الكاتبة -وهي لا تزال في المقدمة- الموقف العربي الذي يعيب غيره وهو المعيب، في تطرقها للمظاهرة الضخمة التي شنّها حشود الإيطاليين من نساء ورجال معاً عام 2011 في العاصمة روما، ضد رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق (سيلفيو برلسكوني) وفضائحه المبتذلة المتكررة! فمال العرب؟ أو كما حددت “نحن اللبنانيين الذين ما زلنا نربط مفهوم الشرف بعود الكبريت الموجود بين فخذي امرأة (على رغم ادعائنا العكس)؟ نحن الغرقى في قرف الذكورية واللااكتراث والتهويل والمزايدات والانقسامات”. وأقول: بل أنه من دواعي الخزي الذي تشهده البشرية في ألفيتها الثالثة على أمة العرب جمعاء، المجادلة عن قطرة دم تختنق بين فخذين أنثويين، يهرق الذكور على جوانبهما شلالات دم باعتبارها الحبر المقدس الذي يكتب شرف العيلة ويرفع شوارب القبضايات!. وأتساءل بدوري: كم قبضاي من هؤلاء سيبقى على قيد الحياة لو طُبق فحص العذرية ذكورياً؟ أكاد أحصيهم على أصابع يداي العشر وبضع من قدماي!.
  • لا تصبّ الكاتبة جام غضبها على الرجل الشرقي فحسب، فللمرأة نصيب الأسد مما تلقى .. إذ لم يتمادى الرجل سوى لعلمه المسبق بإمكانية الكيل بمكيالين في “شرق السلطة الرجالية والرضوخ النسائي”. تضيف الكاتبة قائلة: “كيف لا وهو يعرف أن تجميعه للتجارب الجنسية دليل فحولة، أما تصرف المرأة بجسدها (هديته) فعهر وانحلال أخلاقي! كيف لا وهو يعرف أن ما هو محرم على المرأة مسوغ له، وأن شريعة الذكر صاحب «الحق» هي السائدة مهما تكن أثمانها، أما الباقي فكلام بكلام! كيف لا وهو يعرف أن المرأة مهما تنل من الشهادات وتتولى من المناصب فسوف تظل في عرفه وعرف مجتمعه الذكوري نكرة إلى أن تتزوج وتنجب! فالمرأة «مقدرة» للزواج لا محالة في شرقنا العزيز شاءت ذلك أو أبت، وإن مئة كذبة وألف خدعة ومليون فخ كلها أهون عندها من صفة عانس”. تضرب الكاتبة مثلاً في الناشطة السعودية (منال الشريف) التي تجرأت على قيادة سيارتها ضمن حملة (سأقود سيارتي بنفسي) حين تداولنها السعوديات عام 2011، وقد اقترفت بهذا -لديهم- جريمة شنعاء نكراء يندى لها الجبين عاراً! وفي الوقت الذي دارى فيه الوالد عاره باعتذار قدمه رسمياً إنابة عن ابنته المنحرفة، تهافتت الذكوريات في كيل سيل من تنديدات ضد فعلها المشين، قائلات: “هناك أولويات أكبر من القيادة، كالحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي والثقافي والاقتصادي”. تقول الكاتبة: هكذا “علقت الناشطات الشاطرات، وأضفن أن أي امرأة تغرر بها الليبيرالية وتقوم بأفعال مماثلة تستحق أن يبصق على وجهها وأن تتعرض للجلد”. لا تفوّت الكاتبة فرصة التهكم -وحُق لها- قائلة: “فمرحبا «ناشطات» ونيال المرأة وكرامتها بنساء كهؤلاء النساء”. وكأنني أرى كل واحدة منهن تتغلف بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، وتعلّق وساماً فوق صدرها يقول: (ضلع أعوج .. وأفتخر) .. فلا عجب!  لا تختلف تلك الأضلاع عن صويحباتهن المصريات المثقفات -ومرحباً مثقفات- اللاتي أطللن على الشاشات يؤكدن عدم خلق المرأة للمشاركة السياسية أصلاً، وثورة الرئيس اليمني الهالك على ثورة شعبه المطالبة بالمدنية، ضد (جريمة الاختلاط) التي اقترفنها اليمنيات حين نزلن الميدان والتحمن باليمنيين، يعتصمن ويطالبن وينددن!.
  • في نهاية المقدمة التي تتفاءل معها الكاتبة بالربيع العربي وتداعي أنظمته السلطوية، تطلق تساؤلات تبدأها بـ “متى تنتقل المرأة في العالم العربي من لازمة (أعطوني حقوقي) إلى صرخة (سآخذ بيدي حقوقي)”؟ ومتى تعي أن حقها فرض وليس مندوب؟ وأنها ليست بوعاء للزواج والإنجاب أو خادمة ذكور العائلة تسمع وتطيع؟ وأن الحديث عن الحريات دون حريتها، والديمقراطية دون مساواتها، والتغيير دون وضعها، ليس إلا هراء؟ وأن عليها الخروج من شرنقتها بأظافر حادة تشق طريقها بنفسها؟ وأن عليها استخدام عقلها وصوتها لا أذنيها فقط؟ وألا تساهم في تثبيت أسس المجتمع البطريركي باستسلامها واستحسانها؟ وألا تتكاثر وقريناتها كعدوات أنفسهن؟ وألا يصبح شغلها الشاغل خاتم وفستان وفارس يأتي فوق فرس أبيض رغم علمها وعملها؟ وتستمر “متى تنفجر «قنبلة» المرأة العربية؟ أعني قنبلة قدراتها وطموحاتها وحريتها ومكانتها وحقوقها؟ قنبلة غضبها على ما يفرض عليها فرضاً وتقبله غالباً كقدر من دون مسائلات؟ أعني قنبلة إيمانها هي بنفسها خصوصاً”؟ وعن الحل تقول: “الحل هو الهدم ثم الهدم ثم الهدم .. فالبناء من جديد .. رجالاً ونساء معاً واليد في اليد. هذه هي الثورة التي نحتاج .. هذه هي الثورة التي نستحق”. وما هذا الكتاب سوى صرخة غضب من صرخاته!.
  • تنتقل الكاتبة إلى (كي نبدأ) لتتوجه إلى القارئ العربي والغربي سوية، وتسرد قصصاً من قصصها تحدّد فيها ملامح (كيف يكون المرء عربياً)، معتمدة أسلوب النقد الذاتي الذي يبدأ بقول الحق على نفسه أولاً .. لا فضحاً بقدر وضع النقاط فوق الحروف. أولاً: عارض الفصام! أن يعيش في ازدواجية يُبطن بدواخله خلاف ما يقول ويفعل. يأتي هذا ارضاءً لثقافة “وهم الأكاذيب المطمئن” التي تسود المجتمع العربي مطالبة بكبت الحقيقة حفاظاً على البكارة العربية سليمة. ثانياً: عارض القطيع! أن يعيش مجرد رقم ضمن قطيع يتبع زعيماً أو شعاراً أو قضية بعماء. ثالثاً: عارض المآزق! وما أكثرها، كـ مأزق التوتاليتارية، مأزق الفساد السياسي، مأزق المحسوبيات، مأزق البطالة، مأزق الفقر، مأزق التمييز الطبقي، مأزق التفرقة الجنسية، مأزق الأمية، مأزق الأنظمة الديكتاتورية، مأزق التطرف الديني، مأزق كره النساء وتعدد الزوجات ورهاب المثلية، مأزق الاحتيال المالي، مأزق اليأس والفراغ وعدم امتلاك هدف معين، مأزق نزاع الشرق الأوسط، مأزق الأزمة الفلسطينية، مأزق تحيز الغرب، مأزق العدائية التي يقابلنا بها، خوفه، ادعاءاته، شكوكه وتصرفه بفوقية .. إلخ”.
  • وفي معرض هذا الحديث، تتطرق الكاتبة إلى مصاصي الطاقة او كما أسمتهم بـ (الظلاميين) الذين يقتاتون كـ (الطفيليات) على كل شيء حي في نسيج المجتمع العربي! إنهم كذلك في نفوسهم وقلوبهم وعقولهم “ولا قدرة لهم على العيش إلا كطفيليات. من شيمهم تشويه كل شيء حرّ وخلاق وجميل وخارج على سرب التفاهة والنفاق والازدواجية، لمصادرته وإلغائه. وإذا استطاع أحد من الناس أن تنمو حريته وأن يشع خلقه وجماله أطلقوا العنان للحقد والحسد والنميمة وحملات التشويه والتنكيل، لتدمير هذين الحرية والجمال الخلاق”. تنال تلك الطفيليات أكثر ما تنال من المرأة العربية الناجحة، لاسيما من خلال قذف غشاء الشرف المهترئ .. لسانياً .. يضمن فكّ شرف الجدود معاً!.
  • لا يبذل الغرب في عمومه جهداً لاكتشاف النسيج الفسيفسائي المعقّد الذي يشكّل في مجمله ثقافة عربية يكسوها من خليجها إلى محيطها، وما الاجتهادات الفردية من طرفه سوى استثناء يشذّ عن القاعدة، فضلاً عن تعاطي إعلامه صورة نمطية عن إرهاب إسلامي-عربي لا يحيد، بالإضافة إلى تداول أخبار تُغذي تلك النمطية رغم سطحيتها، كقصة القاصر اليمنية نجود التي تزوجت قسراً بأمر ذويها، والصحفية السودانية لبنى التي واجهت عقوبة الجلد في سروال جينز ارتدته في حفل ثم ألفّت به كتاباً بالفرنسية! تبدو الكاتبة مستسلمة أمام هكذا معضلة تواجهها بين حين وحين، إذ تقول: “فكم من مرة وجدتني مضطرة مثلاً للشرح أمام جمهور غربي غارق في الدهشة أن الكثير من النساء العربيات في هذه الألفية الثالثة يرتدين فعلاً بلوزات بلا أكمام وتنانير قصيرة، عوضاً من الاتشاح بخمار الرأس والعباءة والنقاب. وكم من مرة وجدتُ نفسي أنفي أن يكون للصحراء أي تأثير في شعري، لأن لبنان بكل بساطة بلد غير صحراوي”. كذلك، تنأى الكاتبة بنفسها عن اتقان الرقص الشرقي كمهارة يعتقد بها الغرب -وراثياً- عند أي أنثى شرقية! استرجع في هذا طفلة زميلتي الأسيوية حين شاهدتني أرتدي الـ (سبور)، ثم (وشوشت) لأمّها ما إذا كنت عربية حقاً كما أخبرتها سابقاً .. وتلك الأوروبية التي استنكرت عدم ارتدائي (اليشمك) وقد غطت بكفيّها وجهها معبّرة عن غطاء الوجه الذي يُفترض أن أضعه كوني عربية، فضلاً عن بنطال الجينز الذي كنت أظهر به حينها .. وسؤال معلمتي الأسترالية حين شاهدتني أثناء دراستي في إنجلترا وأنا اعتمر قبعة وأرتدي الجوارب الحمراء أسفل ميني جيب، ما إذا كنت ارتديهم في بيئتي التي من المفترض أن تكون صحراوية .. لا جغرافياً فقط بل ثقافياً!.
  • تأسف الكاتبة في (امرأة عربية تقرأ الماركي دو ساد) لشحّ المكتبة العربية المعاصرة من إصدارات إيروتيكية، رغم تراثها الثقافي الذي يزخر بما لا توازيها الإصدارات الغربية مجتمعة حتى اليوم. تعرض في هذا مقتطفاً لما جاء في كتاب الشيخ النفزاوي الأشهر (الروض العاطر في نزهة الخاطر) وقد وضعه في القرن الخامس عشر الميلادي. ثم تتساءل قائلة: “ترى! كيف انتقلنا من تلك الدرجة الكبيرة من التحرر في الأمس، ومن الحديث عن الجنس بهذه العفوية والفطرية، إلى حاضرنا المكبوت اليوم؟ متى بدأنا نتقهقر وننحدر نزولاً من فوق تلة المحظورات والتابوهات؟ ما هذا إلا غيض من فيض الأسئلة التي لا تنفك تؤرقني وتستحوذ علي”. عن نفسي، حاولت قراءة الكتاب المذكور لكن لم أستطع لجرأته الساخنة!
  • تفضح الكاتبة في (امرأة عربية تكتب شعراً إيروتيكياً) الازدواجية الشرقية التي تطول حتى الأدب، لا من خلال مقص الرقيب فحسب، بل من أولئك المنتسبين له المتشدقين بفضيلته في الوقت الذي يحرّمون فيه على الأدباء حرية التعبير. تتمادى تلك الازدواجية لتفرض على الأديبات من القيود ما لا تفرضه على نظرائهن من الأدباء! “ففي عالمنا العربي العزيز، يؤذن للرجال بالتحدث عن أعضائهم التناسلية بمقدار أكبر من الحرية (ناهيك باستعمالهم لها بمقدار أكبر من الحرية كذلك). كما يؤذن لهم كعلاوة مجانية بالتحدث عن أعضاء النساء التناسلية أيضاً. أما المرأة فحسبها أنها الجهة المباركة المتلقية للكلمات الذكورية، أو ذلك المفعول به الذي تخط عليه الأقلام الذكورية نصوصها. فالمرأة لم تخلق لتعبر عن نفسها بل ليُعبر عنها. في هذا الإطار، كتب الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري في كتابه (قوة الوجود): «عندما يمنحنا الأدب بطلة نظيرة لكازانوفا، وعندما يضفي هذا الاسم صفة إيجابية على الشخص الذي يحمله، عندها فقط يمكننا التحدث عن مساواة حقيقية بين المرأة والرجل”. وأضيف: ومن رجال الدين من يُسهب في حيض المرأة ونفاسها بحيث يُخيل للسامع أن (فضيلة الشيخ) بجلاله يحيض! وعن الخوض في الجنس، والحلال والحرام فيه بين الرجل والمرأة، استرجع الإشاعات الصفيقة التي طالت حياة د. نوال السعداوي قبل وفاتها بأعوام، والتي جاء في نصّها: “ماتت التي ألّفت كتاب المرأة والجنس” .. ولا أعلم مكمن الخلل؟ أفي كتاب عن الثقافة الجنسية؟ أم عن كتاب في ثقافة المرأة الجنسية؟ أم عن كتاب في ثقافة المرأة الجنسية بخط امرأة لا رجل؟.. وإن في عالمنا العربي العزيز يُسمح للرجل بالحديث عن عضوه وعضوها (على غرار: بدي دوا إلها وبدي دوا إلي)، بل إن هذا ما قد تستحسنه بعض النساء الذكوريات بغض النظر عن حديثه علمياً كان أم إباحياً!.. أمّا أن تتجرأ امرأة في مس عضوها ولو طبياً-تشريحياً-تثقيفياً كما فعلت د. السعداوي فعار وشنار!. ومن الطريف أن تهرع تلك الذكوريات إلى طبيب يفحصهن مهبلياً -مع وجود طبيبة- بحجة أنه (يفهم) في مهابلهن الملتحفة فهماً (أعمق)!.
  • تكمل الكاتبة كلامها في الشعر الذي ما هو سوى لغز .. إلهام .. فيض .. نشوى .. غموض .. طاقة .. خلق .. نجوى .. صقل .. كون .. خيال .. كلما تساءل الرفاق عن سر امتهانها الشعر لا الروايات! إنه الفضاء الذي لا يحدّه ممنوع أو مسموح .. إنه الفضاء الذي لا تكون فيه الشاعرة سوى هي. يأتي تعبير الكاتبة الشاعرة أكثر بلاغة وهي تقول: “لأن «الشعر دليل على أن الحياة ليست كافية» كما قال فرناندو بيسوا ذات مرة .. لأن الشعر حاجة ملحة، لا بل قصة متقدة، تبدأ بلا إنذار ولا تمهيد وتلبي نداء روحي المتلهفة .. لأنه مبارزة لا تنتهي بالسيف بيني وبيني .. لأنه يجعلني أدرك انني على قيد الحياة .. لأنه مضاعفة للحياة .. لأنه يمثل لحمي ودمي كما لطالما أردتهما: من دون الجلدة الوقائية”. ومع ذكر شاعر البرتغال الأول، استحضر أجواء سهرة (فادو) الشاعرية التي حضرتها في مدينة لشبونة والتي وإن لم أفهم تراتيلها حرفياً، إلا أنها لامست النوستالجيا العميقة بداخلي .. بأصوات البرتغاليات الصادحة وبوهيمية طلتّهن .. إن الشعر لغة عالمية!.
  • تنفي الكاتبة في (امرأة عربية تؤسس مجلة عن الجسد) شبهة الإباحية التي طالت مجلتها رغم أنها “لا تتنصل من وصمة البورنوغرافيا بسبب الطهرية والتزمت”، مع أن تعاطي البورنوغرافيا في الثقافة العربية سائدة وإن أتت بصورة مقننة، “ففي لبنان وبلدان عربية أخرى ما يكفي من البورنوغرافيا السياسية والاجتماعية والإعلامية والفنية والثقافية والعقلية والفكرية والأخلاقية”. وأقول: كذلك (الدينية)! فمن الفقهاء -ولا أعمم- من يتجرأ صوتاً وصورة بـ (قذف) مخاط من عضو ما في جسده يصوّر شبقياً تفصيلياً تشريحياً غانيات موعودات في جنة موعودة، لا تقلّ إحداهن سخونة عن المقعد الذي يقبع فوقه ومن أمامه المريدين يهيّجهم .. وكل هذا باسم الدين والدين منه براء!. كم يحلو لي تسمية هؤلاء الفقهاء بـ (عبّاد فرج المرأة).
  • وفي إطار حديثها عن مجلتها (جسد) التي حوربت بها على أصعدة كُثر، تستمر الكاتبة في لطم الازدواجية العربية التي تطول أجهزة الرقابة فيها أروقة الثقافة ما طال طائل الثالوث المقدس: الدين-السلطة-الجنس، وقد تغافل أصحابها بأن العصر الرقمي بات كتعويذة (شبيك لبيك)، لا يُعجزه وصل ما قطعته الرقابة!. لا غرو، فهذه المؤسسات الراعية للحداثة -كما تتظاهر- ليست سوى أداة لتنفيذ الأجندات الحكومية في الإبقاء على عصور الظلام مخيّمة فوق رؤوس الشعوب، تضمن بها رجعيتها ومن ثم ولائها المطلق. غير أن نعيق تلك الأجهزة ضد الغرب الذي ما برح شاهداً على جرائمها ونتائجه لهو الأكثر رجعية! تقول الكاتبة: “الرقابة! ذلك الملاك الأسود الشهير الذي يحوم فوق مثلث برمودا العربي في بلداننا، وأعني مثلث الجنس، الدين والسلطة. لو لم يكن مقصه شريراً لكنت شعرت تجاهه ببعض الشفقة، فأي رقابة في زمن بات فيه المنع ضمان انتشار أكبر ونجاح أوسع وتسويق أدهى لكل عمل، حتى أضحت الرقابة عدوة نفسها الأولى؟! أي رقابة في زمن صرنا نحصل فيه بكبسة زر بسيطة على كل المعلومات التي نريد وأكثر؟ يفترض في الرقابة أن تكون ماكرة وذكية وهي في عالمنا العربي غبية بامتياز .. يفترض في الرقابة أن تكون متطورة وهي في عالمنا العربي بدائية بامتياز. تزعم المؤسسات الثقافة العربية الرسمية زوراً أنها تحمي بالرقابة أخلاقيات الثقافة بينما هي لا تحمي إلا ثقافة محددة: ثقافة الكذب والمرض والرجعية والظلامية. تدعي هذه المؤسسات الشفافية والبرء والحداثة، لكنها في الواقع منخورة بطبقات سميكة من غبار الدجل والرياء والاهتراء والتخلف. إنها أزمة العقل العربي، المؤسساتي والرسمي، وأيضاً العقل غير المؤسساتي والرسمي، تلك التي تريد لكل شيء في هذا العالم العربي أن يكون مأزوماً بالمعنى الرجعي والظلامي للكلمة. إنها سلطة الدين، سلطة الدولة، سلطة الأهل، سلطة الخوف، وسلطة التابو المتمكن من ضحاياه. العقل العربي في أزمة، ولأنه كذلك يريد من الجميع أن يكونوا غارقين في الأزمة مثله .. يريد أن «يطمئن» إلى أن الوضع مستتب، وأن صفوه لن يتعكر بسؤال. هذا العقل لا يستطيع تحمل الأسئلة، لأن الأسئلة تسأل وتقض وتوجع وتجعل الحياة «المطمئنة» الراكدة كمستنقع متعكرة متلبدة. ثم نسمع العرب يتحدثون ويستفيضون حول سوء الفهم الذي يواجهنا به الآخر، بينما هم لا يفعلون سوى تأجيج سوء الفهم هذا، وخلق الأعذار والذرائع له، وحض الغرب على أن يكون تعميمياً من غير حق حيال الثقافة العربية، وأحياناً كثيرة عنصرياً أيضاً”. وفي الحديث عن الرقابة المثقوبة، وعن تجربتي في معرض للكتاب بإحدى المدن العربية، فوجئت بمنع رواية (قواعد العشق الأربعون) بحجة فكرها الصوفي .. ثم بمنع كتاب (الجنس في العالم العربي) وهو تأريخياً لا إباحياً، لإشكالية (العربي) فيه .. ولو كان (الغربي) لأُجيز حسب رأي صاحب دار النشر! المفارقة أنني حصلت عليه لاحقاً عن طريق البريد الحكومي التابع لنفس المدينة .. أما كتاب (من الجنس إلى أعلى مراحل العقل) فقد تم منعه كما يبدو لـ (الكلمة الفجّة) رغم أنني حصلت على كتب لنفس المعلم -ومن نفس المنفذ العربي- يحمل عنوانها ومضمونها الكلمة ذاتها! ترحل ذاكرتي الآن إلى ماض ليس ببعيد حينما كنت على مشارف العشرين أتجول يوماً في مكتبة المدينة كعادتي، حتى حُبست الأنفاس باقتحام رجل عاقد الحاجبين مفتول الشاربين يحمل شوال ويتوجه مباشرة نحو رف بعينه وكأنه يتقصّده، وشرع بتعبئة جميع النسخ المعروضة لكتاب ما فوقه في ذلك الشوال! في فضول سألته: لمَ؟ فأجاب باقتضاب: “هنالك أناس لا تحترم نفسها”. وبعد رحيله، تمتم لي عامل المكتبة بأنه رقيب ينفذ الأوامر، رغم أن الكتاب المعروض قد تم ترخيصه رسمياً، فلم الخلط؟ ولمَ قطع الأرزاق؟
  • إخصاء الجسد يتبعه إخصاء الفكر والروح! هل العفة تقتضي فرض المحرمات وتغليظ التابوهات، أم أن العفة تقتضي اروائها لتُزهر؟ تسترسل الكاتبة في حديثها عن مقص الرقيب الذي لا يطول العلم والأدب والفكر فحسب، بل يتعداه لما يشكل للإنسان إنسانيته. تقول الكاتبة: “(إذا طال مقص الرقابة الجسد، فسيطال في الوقت نفسه النّفس والكلمة. يجب أن يلقى جسدك من يصغي إليه). هيلين سيكسوس. ولكن أنى لنا نحن العرب أن ننجو من قبضة هذا العالم المليء بالإغراءات الدنيئة بدون رقيب ينقذنا؟ أنى لنا أن نكون القديسين والأنبياء الذين من المقدر لنا أن نكونهم بدون عين شقيق أكبر تسهر علينا؟ فالجميع في بلداننا العربية السعيدة تقريباً .. أثيريون وغير ترابيين .. كائنات هيولية تولد وتكبر، الجميع بلا أجساد، بلا أعضاء جنسية، ولا حاجات ولا غرائز ولا أخيلة جنسية ولا رذائل ولا «خطايا»، ولا عادات سرية أو علنية . . . إلخ”. وعن التشبيه بالأنبياء، تعرض الأديان الابراهيمية تعدد الزيجات لأنبيائها النبلاء، ولم تعرض الغريزة كإثم، ولم توصي لا بالتبتّل ولا بالإخصاء كحل .. بل نادت بإشباع الغريزة من غير ضرر ولا ضرار.
  • تستنكر الكاتبة التطرف الذي لحق ببعض النسويات ضد الرجل، بحيث هللت إحدى زميلات المهنة العربيات على خبر تمكّن فريق علماء أمريكي “في استخراج مني اصطناعي من النخاع العظمي لامرأة، أي بات في إمكان المرأة تالياً أن تستخرج منياً من عظمها وأن تلقح بويضتها أو بويضة امرأة ثانية، وأن تكفي نفسها بنفسها وأن تُنجب بلا «جميل» الرجل”، كما جاء في كتاب (هل الرجال ضروريون؟) للصحفية الأمريكية (مورين دود) .. وكأن جلّ ما تحتاجه المرأة من الرجل (نطفة مخصّبة)! لا تختلف تلك النسويات عن الذكوريين في اعتبار المرأة وعاء جنسي تفريخي لا غير -فضلاً عن اعتبار الرجل أداة تخصيب- وإن بررن تطرفهن هذا فلا يتجاوز حد توبيخ الرجل وتحميله مصائب أقدارهن! تكيل الكاتبة بدورها العيار قائلة: “يستفزني أن يكون رد الفعل الوحيد لدى الكثيرات من النساء العربيات الشكوى من معاناتهن عوضاً من محاولة التوصل إلى حل أو بصيص أمل مهما كان خافتاً، يضفي على حياتهن اليومية. «عندما تتوافر الإرادة تتوفر الوسيلة» ليست هذه مجرد عبارة منمقة أو كلمات صفت بعناية .. بل أكثر من ذلك بكثير” .. فإن شئن سيشاء القدر حتماً، غير أن ندب الحظ ولطم الخد أيسر عند إحداهن .. ولا عزاء!. تقول المناضلة الجزائرية جميلة بو حيرد: “يجب أن نكون حازمين في اتخاذ خياراتنا وتحديد رغباتنا كي نكون موجودين. الحلول الوسطى تؤدي إلى الدمار الذاتي”. أو “كن أو لا تكن” كما قال منذ أكثر من أربعة قرون الأديب الانكليزي ويليام شكسبير. إن حق المرأة السوية مساندة الأنوثة العاقلة الحرة ضد الهجومية الرعناء .. وحقها ألا تعتبر أي علاقة بالرجل هي حرباً بالضرورة معه ولا لطفها استسلاماً .. وحقها المساواة به لا بطموح السيطرة عليه .. وحقها الفخر بإنجازاتها الفردية لا شرطاً بالجماعية .. “حقها في أن تفرح بباقة ورد حتى وإن كانت تقود الجرافات وتغير زيت المحركات وتدفع فاتورة المطعم أحياناً”.
  • تستهل الكاتبة حديثها (المرعب) في (امرأة عربية لا تخاف استفزاز الله) بمقولة (وجيهة الحويدر) إحدى الحقوقيات السعوديات “سأكف المطالبة بحقوق المرأة السعودية حين أرى رجالا سعوديين بالغين يجرجرون إلى مراكز الشرطة حين يقودون سيارتهم، وحين ترتدي المرأة السعودية ملابس بيضاء مريحة بينما يجبر الرجل السعودي على لبس وشاح أسود، وقفازات سوداء ورداء أسود يحوله إلى كتلة سوداء، وحين يقال له إن له مكانين في هذه الدنيا: البيت والقبر”. أما نظيرتها المصرية في الحقوق (هدى شعراوي) فمن قبل قالت: “عندما يقترح الدين نظيراً أنثوياً لله، سأكنّ احتراماً أكبر له حينذاك”. تواجه الكاتبة كما تواجه معظم العربيات -في عالمهن المتعدد الأطياف- مقارنة تتعلق بمدى مساحة الحرية الممنوحة للمسيحية عن أختها المسلمة .. سواء في ارتداء الملابس أو إقامة العلاقات أو عادة السهر أو فرص العمل وغيرها. لا تتفق الكاتبة وهذا الرأي -وهي القادمة من مرجعية كاثوليكية- فتسأل وتجيب: “هل من فرق واضح وحقيقي ونهائي بين وضع المرأة العربية المسلمة والمرأة العربية المسيحية؟ أخشى أن لا. لا فرق فعلاً إذا توغلت في الأعماق. كل ما في الأمر أن الظلم والمعايير المزدوجة والأحكام المسبقة هي أحيانا أكثر وضوحاً في الحالة الأولى منها في الحالة الثانية”.
  • وفي معرض حديثها الآنف، تنقل في عن فيلسوف التشاؤم (فريدريك نيتشه) قوله “هل الإنسان أحد أخطاء الله الفادحة؟ أم أن الله أحد أخطاء الإنسان الفادحة”. ومن قبل، عميد كاتدرائية دبلن (جوناثان سويفت) الذي كان يقول: “لدينا ما يكفي من الدين لنكره، لكن ليس لدينا ما يكفي منه لنحب بعضنا بعضاً”. تتشابك الحياة لتتعقد أكثر وأكثر، وتحيل الأسئلة الوجودية حائرة بلا جواب مادام الأزل!. تواجه الكاتبة والدها المحبّ حين عاتبها في تربيته -لاسيما الدينية- وقد صارت إلى ما صارت إليه من إلحاد، بإن ممكن الخطأ تحديداً كان فيما ظنّه صواب، فتقول: “أنا نتاج لتلك التربية الدينية الصارمة التي منحتني إياها، وهي تربية تثمر حتماً نوعين من الأشخاص لا ثالث لهما: النوع «المثقل بالتعقيدات» والنوع «المدمن للانتهاكات» (نوعي أنا). لا مكان للحالات السوية في هذه المعادلة”. إنه (التطرف) بكلمة أخرى!. كمؤمنة خالصة .. أعتقد بالحب الإلهي مقابل لا محدودية إجرام البشر الذي لا يتورع من تحريف كل ما هو إلهي إلى هوى بشري يوافق الرغائب!. إن الله ليس سوى (حب محض) لكن (القديسين) هم أرباب التشويه والتحريف، ولا يحمل إثم البشر سواهم!

لم يخطر ببالي يوماً أن أكتب سطراً في سيرتي الذاتية! إذ لا شيء مميز سوى الغربة التي لازمتني وأنا أحيا في عمق زمن لا يشبهني! غير أن طرفاً من سيرة الكاتبة ما يتقاطع وما كنت وما صرت عليه. أعرض وأقتبس مخملياً في هذه المرة، كما يلي:

  • أؤمن بالانتماء الذي يحافظ على الهوية الفردية متفرّدة، لا تلك القائمة على إنكار الذات مقابل الذوبان في محيط أو المشاركة في سيمفونية مأمأة ضمن ثقافة القطيع. تقول الكاتبة: “ولطالما عزز هذا الكلام نفوري الفطري من التجمعات والإيديولوجيات والكفاحات الجماعية، حتى تلك التي تهدف إلى خدمة قضايا نبيلة، وتعلقي الشديد بفرديتي وإيماني الراسخ بفاعلية هذه الفردية. أعني بذلك الفردية «الحسنة النية» التي تحترم وجود الآخر واحتياجاته، وتعترف بها وتأخذها في الاعتبار، لكنها في الوقت نفسه تقاوم وبثبات كل محاولة لصبغها بلون متجانس وصبها في قالب واحد”. إنما الاختلاف ضمن الجماعة لهو مصدر غنى وقوة وتجدد .. لو كانوا يعلمون!.
  • تعترف الكاتبة بقساوة النقد الذاتي الذي توجهه إلى وطنها قبل تصديره عربياً، إذ ما لم يبدأ التغيير من الداخل فلا نفع به مع الخارج، فضلاً عما تحمله معاني الوطنية من ولاء أعمى يُفترض فيه الصواب دائماً. تقول: “إنني مقتنعة بأن الوطنية تعبير عن إحساس رومنطيقي خالص، تالياً هي غير مقبولة بالنسبة إليّ. الوطنية تعمي بصيرتك وتجعلك ميالاً إلى خداع ذاتك. الوطنية تؤطرك ضمن حالة مستمرة من الإنكار والعماء الذاتيين. لذا، إذا لم ننتقد أنفسنا بشراسة ولم نحاول أن نتطور ونمضي قدماً، فلا يجوز لنا عندئذ أن نرسم أي توقعات”.
  • مهما أوتي المرء من جلد فقد يجد دمعته أقرب عند أتفه سبب .. وليست الغربة في البعد عن الوطن، بل في الوطن الذي لا يبدو له غداً! تعبّر الكاتبة في الوطن الضائع عن رهابها الذي لا يفزع من ظلام أو صرصار أو مرتفع “رهابي .. صدق أو لا تصدق .. هو صوت: صوت صفير القذائف المرعب. كلما سمعته أقشعر بدني وتسارعت دقات قلبي. كلما سمعته إلى اليوم أروح أحدق في الأفق بفزع كي أرى مصدر «القذيفة». القذيفة .. نعم كي أرصد خصوصاً ما إذا كانت ستقع على رأسي ورأس أحبتي أم لا. إنه صوت يرمز عندي إلى انتظار الموت .. إلى انعدام الغد”. وعني، كان لانفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 صدى زلزل أركاني .. رغم آلاف الكيلومترات التي تفصلني عنه!. استرجع مكالمة صديقتي التي جاءت آنذاك في وقتها حتى أبثّها (رهابي). ولكن رب ضارة نافعة! وكما تقول الحكمة: (السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة)، تقول الكاتبة بشيمة المحارب الذي لا يُقهر: “نحن ندين للحروب التي تمر علينا لكونها أحالت العديد منا نحن الناجين، محاربين أقوياء .. شهيتهم مفتوحة إلى الحياة والإنجازات والسعادة والمعرفة والتطور”. وفي ختام حديثها عن (امرأة عربية لا تنتمي إلى أي مكان)، يجدر بالكاتبة أن تقول كما قال نزار قباني عن (بيروت ست الدنيا) بأن (الثورة تولد من رحم الأحزان)، مؤكدة: “إن نجاة امرئ من الحرب خير تمرين. لو لم تكن الحرب بهذه الوحشية لكنت أوصيت بها كأفضل درس للانطلاق في هذه الحياة. بالفعل أشعر كأن تراكم سنين من الثبات والجهد والمثابرة، من التصميم والإيمان الراسخ، من المطالبة بحقوقنا في البقاء على قيد الحياة، في أن نكون أحراراً وعلى طبيعتنا، من مكافحة الحروب الأبشع والأفظع تماماً كما الحروب الصغيرة، كل ذلك قد جبل فينا إرادة يمكن أن تحرك جبالاً”.
  • لا أعتقد بالانتماء العرقي أو الجغرافي أو العقائدي، بل أنتمي إلى حيث أجد ذاتي .. في ركن هادئ أو صفحة كتاب أو رشفة شوكولا أو تغريدة عصفور أو جناح فراشة أو مقطوعة موسيقية أو تأمل عميق أو خيال يجمح بي إلى ما وراء الحجب. تنقل الكاتبة نصيحة (جون دوناهيو) بأن: “على المرء أن يختار انتمائه ويجدد خياره هذا باستمرار”. لا يزعجني اللاإنتماء بقدر ما يرضيني انتمائي لذاتي، كالكاتبة التي تقول عن مدينتها: “ليست بيروت إذا شريكة ولا صديقة ولا حتى أماً، وليس من حب قوي يجمعنا ولا تواطؤ. لم تلدني ولا أنا تبنيتها. وفي الحقيقة لا يزعجني هذا الانفصال أو هذه البرودة في العلاقة، ولا أشعر بنقص في حياتي بسببهما، لأنني في كل حال بلا جذور. يحلو لي أن أفكر أن قدمي منغرزتان في الغيوم. أرضي الحقيقية هي مجموعة أماكن أعشقها وأجد فيها نفسي، موزعة هي في جميع أنحاء العالم. أزورها ولا أقيم فيها، أي إنها تظل تفاجئني وأظل عاجزة عن امتلاكها. وهذا هو تصوري الشخصي للتعلق والانتماء”. ولعل أصدق تعبير جاءت به الكاتبة ما أجده حقاً يشبهني، حين قالت: “سألني أحد أصدقائي مرة: (ما هو مكانك المفضل في العالم)؟ فأجبته فوراً: (رأسي). وبعد، فمن يدري، لعل مدينتي الحقيقية هي بكل بساطة … أناي”. أو كما قرأت مرة: (سُعداء جداً .. أولئك الذين لا يتعلقون بأحد). لذا، ليس مستغرباً أن تتغلب صفات كحدة المزاج واللاتساهل وعنف ردة الفعل حيال أمور لا تتماهى والمثاليات المرسومة من قبل الاستقلاليين. عليه، تعترف الكاتبة بأن “التفهم والتسامح والرأفة ليست شيماً متوافرة دوماً لمزاج وعر وقليل الصبر كمزاجي، خصوصاً حيال تجليات الجبن والسذاجة والمعايير المزدوجة في عالمنا العربي السعيد”.
  • ليست المرأة العربية المستقلّة عنقاء أسطورية، ولا خرافة لم يمتح بها خيال شهرزاد في لياليها، بل هي من لحم ودم تحيا جنباً إلى جنب نظيراتها التي لا تفرق عنهن غير في الاعتزاز بكينونتها. تنقل الكاتبة قول الأديبة الإنجليزية (فيرجينيا وولف) في هذا الصدد إذ كانت تقول: “في التاريخ .. المجهول كان غالباً امرأة”. وتوضح من ثم رأيها قائلة: “هذه مقولة تنطبق من دون شك على المرأة العربية. مع ذلك، ليست المرأة العربية «غير المجهولة» خرافة من الخرافات، فالمرأة العربية «الأخرى» تلك الأنثى غير النمطية، الثائرة، المستقلة، العصرية، صاحبة التفكير الحر، اللاتقليدية، المثقفة والمكتفية بذاتها، موجودة أيضاً. فوق ذلك كله، ليست نادرة بقدر ما يتصور البعض”.
  • يكاد النقّاد العرب يقومون بحكر (الجرأة) أنثوياً كمفردة مشينة توصم بها النساء الكاتبات دون غيرهن ما إذا كتبن إيروتيكياً، في حين يصبح الرجّال الكتّاب (طبيعياً) يكتبون .. فهم يستكشفون أدبياً كل جماليات الحياة. ثم تطرح الكاتبة سؤالها: “ماذا يعني أن تكوني امرأة عربية؟ يفترض أيضاً فيما يفترض أن نسأل: ماذا يعني أن تكوني امرأة تكتب في بلد عربي؟ والأفدح: ماذا يعني أن تكوني امرأة تكتب بلا مساومات في بلد عربي؟”. تجيب في أسى: “أن تكوني امرأة تكتب في بلد عربي يعني أن تمارسي على نفسك رقابة ذاتية، لهي أقسى وأشرس وأشد اعتباطية وظلماً من ألف رقابة «رسمية» تُفرض عليك فرضاً من الخارج. أن تكوني امرأة تكتب في بلد عربي يعني أن تخططي طويلاً وتبحثي عميقاً وتحسبي بدقة وتجازفي بذكاء وتسايري فلاناً وتداري فلانة إلى آخره. أما أن تكوني امرأة تكتب بصدق وشفافية في بلد عربي وبلا أي مساومات (كمساومة العائلة، مساومة الدين، مساومة التقاليد، مساومة المجتمع، مساواة الرقابة)، فيعني أن تكوني فوق كل ما سبق وقحة و «قدرية» وشجاعة”. ورغم أنني (مدّونة) فقط، فقد جاءت الكلمات المفتاحية (بكارة، فرج، زوجات، تعدد، عورة، امرأة، خمر، حكم، حديث …الخ) التي تناثرت في مدونتي عن كتب دوّنت رأيي فيها، كـ (طُعم) اشتمّه ذو لحية كما يشتّم الذباب الحلوى المكشوفة، فجاء محاولاً ضخ ما ظن باستطاعته ضخه من هراء -حسبه مقدّساً- ضد ما أوردت من رأي .. وعلى طريقة مقص الرقابة، جززت لحيته مطروداً من مدونتي مبصوق عليه! هذا غير ما كنت أواجه من رعونة وسباب وامتهان ذكوري في تطبيق (الوتس اب) حين كنت أرد البضاعة المهينة للمرأة على أصحابها وقد عرضوها في هيئة شرائع دينية ومواعظ مقدّسة توجب الإلزام .. لم يكونوا رفاقاً فقط، بل أقارب أيضاً! وعلى سيرة (الجرأة)، فقد وصمني بها رئيس العمل التنفيذي، لا لشيء سوى إصراري على رأيي الذي جاء مخالفاً لرأيه الإداري .. الوصم الذي جاء -فيما بعد- سبباً لمنع ترقيتي رغم اقراره بكفاءتي على العلن!. لا يزال يتحسس صفعة (جرأتي) التي (جرجرته) بها أمام أعلى سلطة حكومية، لازدواجية معاييره في الإدارة. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن الكاتبة وهي تعنوّن أحد فصول سيرتها الذاتية بـ (امرأة عربية تقرأ الماركي دو ساد)، تدفعني لكتابة فصل ما في سيرتي يحمل عنوان (امرأة عربية تقرأ نوال السعداوي)!. وأما تهمة القراءة للسعداوي .. فهي إذاً حكاية أخرى!. ملاحظة: لا أستبعد قريباً عنواناً آخر بـ (امرأة عربية تقرأ جمانة حداد).
  • وكما يكون من بعض الفنون جنون، فإن التغريد خارج السرب أو المأمأة خارج القطيع أو السباحة عكس التيار لهو جنون بامتياز في وطننا العربي. ليست الإشكالية في عناد الوعي الجمعي فحسب، بل في التعبير عن الذات مهما كان الرأي! توصف الكاتبة نفسها تارة بالجنون وتارة بالعناد، وبصدق تقول: “هل أنا مجنونة؟ غالباً ما أطرح على نفسي هذا السؤال بكل ما يعتريني من عقلانية وتهكم. ولأصدقك القول: لعلي مجنونة فعلاً، فأنا لا أملك الجواب اليقين، زد أنني لست متأكدة إن كان الجنون أمراً سلبياً بالمعنى الاستعاري للكلمة، لكن ما أنا على ثقة منه هو أنني عنيدة عناداً يبلغ أحياناً حداً منافياً للعقل (وقد يقول البعض غبياً). كما إنني دربت نفسي على تحمل الجدل، ذلك الذي ينجم عـن كتاباتي وأفكاري. ومع أنني لا أؤمن بمنطق «أنا أصدم إذاً أنا موجود» ولا أنظر إليه بعين التقدير، ومع أن الاستفزاز وتأثيراته الجانبية ليست من الأمور التي أضعها نصب عيني، إلا أنني أشعر بأنني قادرة على التعاطي معها إذا دعت الحاجة”. بالمثل، لطالما تم وصمي بـ (العنيدة) لاسيما من رجال، فقط لإدلائي برأيي يخالف رأيهم وبلا مواربة، في الوقت الذي ينبغي عليّ -كامرأة عربية- لزوم الصمت متوجاً بإيماءة من رأسي. كذلك، لست ممن أسعى للاستفزاز، لكنني (قدها) متى ما واجهت استفزازاً .. وإلى آخر رمق!.
  • تستمر الكاتبة كجبل لا يهزه ريح في الثبات على ما تؤمن .. تعتنقه وتحدّث به، وقد لاقت ما لاقت من ردود أفعال تتراوح بين النقد الموضوعي إلى التهديد حرقاً بالأسيد .. ولو كانت في حقبة (مطاردة الساحرات) لحُرقت وبُث رمادها وذهب بها وعاظ السلاطين مضرب مثل!. إنها متسلحة .. لا برشاش ولا بعضلات ولا بـ (بودي جارد)، وإنما بسلاح ذاتي متضخم عزة لا غروراً. تقول كلاماً أجده وكأنه يقرأني “فأما السبب الأول لحصانتي فلأنني من النوع الذي يرفض السير في محاذاة الحائط. قد يبدو ما يلي احتفاء بالذات لكنني سأقوله في كل حال: بشرتي الرقيقة تتحمل من الرضوض أكثر بكثير مما توحي .. وقد تحملت! هجمات الوحوش لا تجعلني أمشي بخطى متباطئة وحذرة في محاذاة الحائط تجنباً للتنكيل والتشويه، بل تدفعني إلى الإمعان في السير تحت الشمس بخطى ثابتة وواثقة. لا يعني ذلك أنني مغرورة ولا أقهر، بل أنني بكل بساطة امرأة تؤثر شق الطرق المجهولة والصعبة وغير الآمنة وصولاً إلى ما يشكل اكتشافاً جديداً، وأفقاً مفتوحاً، في الحياة وفي الأدب، حتى لو كلفتها هذه الطرق الكثير. أما السبب الثاني الذي زادني حصانة فهو أنني لطالما ازدريت ولا أزال أزدري الإجماع. فالإجماع عندي يساوي عقلية القطيع. ويعني أن الشخص المجمع عليه لا لون له ولا طعم ولا رائحة. لا نحتاج إلى ود ومجاملات كي نشعر بالأمان. لا نحتاج إلى إرضاء الآخرين كي نشعر بالرضى عن ذواتنا. لا نحتاج إلى حماية مشاعر ظاهرها مغلف بالتقدير والمجاملة وباطنها مفخخ بالكراهية والحقد. فإذا كان لا بد من أعداء (ولا بد منهم فعلاً) فليكن من أعداء، خارج الدمغة الفردية، لا أريد شيئاً يذكر لأن لا شيء يذكر. هذا لا يعني الخروج القسري والمفتعل عن السرب والتميز «بالقوة» لأن نتيجة التميز بالقوة فولكلور سخيف، ولا هو يعني استفزاز الكراهية والحقد بلا مبرر، بل يعني أن نكون نساء إشكاليات، لا نساء طبق الأصل عن الأخريات، نساء ذوات رأي خاص وأفكار خاصة وموقف خاص، لا عنصراً من عناصر المشهد النمطي السائد والمكرر والواحد، حتى لو كلفتنا هذه الخصوصية الكثير”. استرجع هنا موقفاً واجهت فيه أحد متملقي رب العمل حين أراد فرض رأيه الساذج فوق رأيي المهني. فبعد وصلة من توبيخ حاد لقّنته فيها معنى الكرامة -قبل أي شيء- وخرج بعدها من مكتبي مطأطأ الرأس، وجدت رئيسي وهو يطأطأ رأسه بدوره موجهاً لي نصيحة عرجاء قائلاً: “لو استمريت هكذا فلن يبقى لك صاحب”. كان من واجبي تلقينه درساً هو الآخر، فقلت: “لا أتشرف بصحبة منافق .. وإن كانت كلمة الحق تخلق لي أعداءً، فاللهم زدني أعداء”. لا أنسى كذلك دروسي لـ (ألعوبية) من (بتوع التنمية البشرية)، وقد وجدتها تتملق حذاء رئيسها مبررة تملقها بـ (ذكاء عاطفي) تستخدمه بحيلة لكف أذاه، في الوقت الذي غاب ذكائها وهي تجلد بحذائها موظفها البائس في العمل وخادمتها في البيت!.
  • لا تمنع روح الثقة والثبات والعزيمة من شعور التثبيط والمرارة والقهر الذي يعتمل في نفس كل امرأة حرة شاء قدرها أن ترعى في بيئة ميؤوس من إصلاحها، ليس فحسب، بل وإن تجور تلك البيئة بقوانينها الفاسدة عليها، الأمر الذي يجعلها تعاني الأمرين من أجل نيل حق مكفول لها إنسانياً. تفضح الكاتبة ازدواجية أخلاقية لأمة عربية تهجس بالجنس في الوقت الذي لا تجرؤ بالحديث عنه “أمة عربية سكيزوفرينية واحدة متحدة في غالبيتها الكاسحة حول دساتير الجهل والفصام والتخلف والخبث والتكاذب وفنون الاختباء خلف الإصبع الوسطى”. تتحدث الكاتبة هكذا في لوعة إثر ما واجهت من ردة فعل قاسية مع تأسيس مجلتها (جسد)، فتعقّب قائلة: “إن ردود الفعل هذه لم تغظني فحسب، بل أوقدت في إحساساً بالمهانة والخجل أيضاً: خجل من بلدي وثقافتي، أو بالأحرى توخياً للدقة والعدل، خجل مما أصبحنا عليه بتأثير من التطرف الديني والأنظمة السياسية الظلامية / القمعية .. خجل من أنني أخضع نفسي لهذا النوع من الذل، وأقبل التعرض لتلك الجرعات اليومية من التهديدات والقيود المفروضة على حريتي بالتعبير .. أنا المثقفة التي أعيش في هذا المكان الميؤوس منه، في هذه الفترة الميؤوس منها من التاريخ .. خجل أيضاً من نفاقنا ومعاييرنا المزدوجة التي ترغمني أنا وكثيرين غيري على النضال من أجل نيل ما يجدر به أن يكون أبسط حقوقنا كبشر”.
  • تستمر الكاتبة كـ (امرأة عربية تعيد تعريف أنوثتها) في فضح عور الثقافة العربية التي تنظر فقط إلى مؤهلات المرأة الفسيولوجية، فإن تنامى مؤهلها العقلي والفكري والروحي فلا بد وأن يكون على حساب أنوثتها! أما من وسطية بين هذين التطرفين؟ إن الأنثى السوية هي تلك التي تبتهج بالتبضع في أسواق الموضة الباريسية ابتهاج حصولها على كتاب جديد في الأدب أو الفلسفة!. تبدع الكاتبة في توأم الجمال هذا وتقول: “قوت للقالب وقوت للقلب .. الموضة والثقافة .. الجمال الخارجي وذاك الداخلي، يتآخيان هناك تآخياً يشبه التآخي بين الجسد والجسد .. العاشقين المعشوقين. لا أحد يتعجب من هذا الاجتماع البديهي بين العناية بالخارج والعناية بالداخل إلا نحن العرب. لماذا؟ لأن من يهتم بالشكل تافه حكماً في عرف مثقفينا، ومن يهتم بالثقافة مهمل لشكله حكماً في عرف أهل الأناقة والجمال عندنا. يا لهذا التسطيح السخيف والبائد! فكرة المعسكرين .. معسكر الجميلين من جهة ومعسكر الأذكياء من جهة ثانية هي فخ، وفخ عنيد، على رغم كل الأدلة المضادة على هذا التقسيم في أيامنا. ينبغي أن نطلب الكتب ولو في محال الثياب، وأن نطلب الأناقة ولو في المكتبات. هنا ضرورة وهناك ضرورة .. هنا توق وهناك توق .. هنا جوع وهناك جوع .. هنا لذة وهناك لذة .. وخصوصاً فيما يتعلق بالمرأة. فهل ثمة ما هو أجمل من أن تكون المرأة امرأة، وتظل كذلك ؟ لا أعتقد أن ثمة ما هو أجمل”. وعني، لطالما كنت الطالبة التي يرتبط (الامتياز) باسمها .. أما عن مظهرها، فكنت أتلقى التنبيهات عادة للزينة التي كنت أجمّل بها الزي المدرسي الباهت .. ولازلت أعشق الجمال في الجسد والعقل والروح.
  • غير أن المرأة العربية في ثورة نضالها تتناسى جانبها الأنثوي، إما سهواً أو عمداً .. إما حماس يذهلها عن أنوثتها، أو تحدي تتسامى به أمام الرجل عن طبيعتها! وكلاهما خطأ تًسهب الكاتبة في التعرض لهما متوجهة بحديثها إلى الحقوقيات العربيات والغربيات على حد سواء، فتقول في نبرة لا تخلو من عصبية: “لماذا أقول ما أقول، وماذا يعني أن تكون المرأة امرأة؟ أقول ذلك لأن بعض العربيات (والأجنبيات أيضاً) في غمرة نضالهن النسوي وانشغالهن الكفاحي بالمساواة، أن ذلك يفرض التخلي عن شيء ما، هو أنوثتهن، من أجل الحصول على شيء آخر يسمى المساواة”. وعن خطئ فادح آخر تأتي به التيارات النسوية “ألا وهو تحويل الرجل شيطاناً أكبر وعدواً مبدئياً للمرأة”. هنا، تغلظ عليهن بقولها: “تباً للهاث وراء مساواة مفخخة كهذه إذا كانت تستلزم التخلي عن «سر» المرأة وجوهرها. فماذا ينفعني لو ربحت العالم كله وخسرت أن أكون امرأة، أو أن أعامل على هذا الأساس؟ لست في حاجة إلى التشبه بالرجال كي أكون امرأة قوية. ولا داعي كذلك لأكون خصماً للرجل كي أصبح حليفة للمرأة. بالإضافة إلى ذلك، أوليس نزع صفة الأنوثة عن المرأة استسلاماً وبامتياز لابتزاز الرجال وآرائهـم السطحية في شأن المرأة، بصفتها مجموعة أفخاذ وحلمات ومؤخرات وشفاه وهكذا دواليك؟” إن اختصار المرأة في جسد -يُمجّد تارة بالتغطية وتارة بالإثارة- لهو أبشع صور الامتهان لإنسانيتها. تستمر في كلام فلسفي لا يعبّر سوى عن (أنا) صادقة بعد أن تجدّد سؤالها: “ماذا يعني أن تكون المرأة امرأة؟ لا يمكن اختصار المرأة طبعاً بعناصر تافهة مثل ارتداء التنانير أو استخدام الماكياج أو امتلاك شعر طويل. أن تكون المرأة امرأة لا يعني تحويل جسدها إلى سلعة بخسة أو لحم رخيص. في الواقع وعلى رغم إيماني الراسخ بأن كل شخص حر في التصرف بجسده وفق ما يحلو له، أعتقد أن نموذج الأنثى التي تعامل جسدها كلحم رخيص لا يقل إذلالاً وإهانة عن نموذج المرأة المحجبة، فكلاهما يمحو الكيان الحقيقي للمرأة .. الكيان الذي يتجاوز حد معاملة جسدها كسلعة أو غواية لا بد من إزالتها بممحاة سوداء. أن تكون المرأة امرأة يعني إذاً أن تكون ذاتها لا أي ذات أخرى .. ولا خصوصاً ذات الرجل – الأب أو الرجل – الزوج أو الرجل – الحبيب أو الرجل – الأخ والابن، وهلم جرا. أن تحيا المرأة هذه الذات .. ذاتها الشخصية، بجوارحها وباللاوعي وبالجسد وبالعقل وبدون خوف أو هلع أو حذر أو محظور أو خجل أو سوى ذلك من روادع داخلية واجتماعية .. ظاهرة وباطنة، وأن تحيا المرأة ما تحياه، وصولاً إلى كل شيء وتحقيقاً لكل شيء بدون أن تتملكها هواجس «اعتراف» الرجل بها وبنجاحها أو الفشل. أن تأخذ بدل انتظار أن تُعطى .. أن تكون المرأة هي خبرة ذاتها ومرجعية هذه الذات، لأن لا خبرة لتختبر خارجاً ولا مرجعية سواها لتعود إليها. هي المرأة مرجعية جسدها وروحها وكينونتها ولا قرار لأحد آخر في هذه المسألة: لا متطرفي الدين الذين يريدون إلغاءها، ولا متطرفي السطحية الذين يريدون تحويلها غرضاً وراء واجهة. وإذا كان على المرأة أن تتساوى بشيء أو بأحد، فعليها أن تتساوى بهذه الكينونة. آنذاك، تتحقق مساواتها مع وجودها الكائن .. وهذا هو شرط المساواة الوحيد”.
  • وفي خضم الحديث عن الأديان والتحريف، والأعراف والتكبيل، والقوانين والإجحاف، لا تكلّ الكاتبة ولا تملّ في شحذ همة المرأة العربية للنهوض الذي تأخر، فلا تُعطى الحقوق إلا بالمطالب. تقول: “لقد حان الوقت – منذ زمن ليس بقريب – كي نقوم نحن نساء العالم العربي بتحدي النماذج المفروضة علينا سلفاً في الدين وفي السياسة وفي الجنس وفي الكتابة وفي الحياة ككل. الوقوف في وجه هذه التحديات هو ما يخلق الفرق بين امرأة عربية نموذجية وامرأة عربية غير نموذجية .. بين امرأة خاضعة بما يكفي لكي تستسلم لـ «قدرها» وللحدود المفروضة عليها، وامرأة قوية بما يكفي لتعيش وتقول لا، حتى عندما يفترض هذان العيش والرفض أن تُمنى بخسائر”. يأتي شعر الفلسطينية (فدوى طوقان) أثيرياً ليحيي أرواح نساء موات لا زلن على قيد الحياة .. فهل من مجيب؟ “حجبّي نور حريتي .. وسدي علي رحاب الفضاء .. ولكن قلبي هذا المغرّد .. لن تطفئي فيه روح الغناء”. يُرجع الصدى صوتاً وجودياً للفيلسوفة سيمون دي بوفوار ليصفع تلك النائحات على أقدار سلّمن لها، يقول: “ليست المرأة ضحية قدر غامض، ويجب ألا نفترض في أي حال من الأحوال أن مبيضها يحتّم عليها أن تعيش ذليلة أو خاضعة إلى الأبد”. وأجدد بدوري صداها الذي يقرّ بأن المرأة ليست ضحية مبيضها ونهديها وشعرها وسحرها ونحرها وأعضاء أخرى .. غير إن المجتمع أرادها كذلك، حين قالت في كتابها الشهير (الجنس الآخر) “أن المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة”.
  • لا تُطق الكاتبة الدمى “ولم تنجح دمية واحدة لا باربي ولا أخواتها في إغرائي” لرفضها فكرة المرأة السطحية المسطّحة! وعني: لا أعرف تحديداً لمَ؟ ربما لأنني وجدتها جامدة لا تتفاعل .. لا تنخدع الكاتبة بترّهات كتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) وقد قرأته في عشرينياتها الطرية “من دون أن تفارق ابتسامة تهكمية وجهي” وعني: فقد مسحت بوصفاته العجيبة وكليشيهاته الرخيصة سطح مدونتي حين دوّنت مراجعة له تحت تصنيف (جندرية وجنسانية) .. لا تتمنى الكاتبة أن تكون رجلا “لا أتمنى أن يكون لي قضيب ولا أحلم يوماً بأن أكون رجلاً” في مقابل اطرائها قوة شخصيتها المتوازنة قلباً وعقلاً! وعني: أحب شخصيتي القوية التي تهزّ أشباه الرجال في الوقت الذي أعتزّ فيه بأنوثتي التي لم أتمنى دونها يوماً بأن أكون رجلا .. لا تدعم الكاتبة لا رويال الفرنسية ولا كلينتون الأمريكية حين ترشحتا لسدة الحكم، لا لشيء سوى لعدم أهليتهما في نظرها “فهل ينبغي لي ان أدعمهما معنوياً لا لشيء سوى لأننا نحن الثلاث نرتدي حمالات صدر قبل الخروج من المنزل كل صباح؟” وعني: لم أصفق بالمثل لـ (حيا الله) امرأة لمجرد الانتصار لبنات جنسي رغم حرصي التركيز على كل فضيلة تتحلى بها لتزكيتها.
  • يدين الكثير لأحد ما في رسم خط سير حياته! كان الروائي الأرستقراطي الفرنسي (الماركيز دي ساد) -والذي اشُتقت (السادية) من اسمه- عرّاب الطفلة التي أصبحت فيما بعد الكاتبة الغاضبة القاتلة. وبينما كنتُ في طفولتي -ولم أزل- أتبّع شغفي المجرّد في تلاوة كتاب تلو آخر، وأجعل من رأسي ملعباً أسرح فيه حيثما وكيفما شئت، كان (الماركيز) يشعل الفتيل في رأس الكاتبة الطفلة لمزيد من هلوسة وانتهاكات. تقول: “هكذا، كتاباً تلو كتاب، قراءة تلو قراءة، ومواجهة تلو مواجهة. أطلق الماركي دو ساد سراح رأسي. أمسكني بحزم ونظر في عيني وقال لي: «خيالك مملكتك. كل شيء مسموح في الرأس. كل شيء ممكن في الكتابة. شرعي النوافذ ولا تخشي أن تنتهكي وتهلوسي». فعلاً، أدين للماركي دو ساد بأنه أطلق يومذاك سراح رأسي. ومثله فعل فيما بعد كتاب آخرون لا يقلون عنه جمالاً وإغناء و «انتهاكاً». باختصار: أصبحت فاسدة .. وإلى غير رجعة”.
  • وفي معرض حديثها عن الروائي السادي، تتطرق الكاتبة إلى جانب من طفولتها المتعطّشة لقراءة كل ما كان مصنفاً فوق رف (+18) في مكتبة والدها .. الرف الذي كان بعيداً عن متناول يدها الطرية قصداً. وقد تواطئ هدوئها المحنّك وبراءة ملامحها في حبكة الستر الذي نسجته حول فضولها اللابريء واللامتناسب وسنّها! تستشهد بتحذير (هيلين إكسلي) القائل: “في مقدور الكتب أن تكون خطيرة جداً. لذا يجب تذييل أفضلها بتحذير: هذا الكتاب كفيل بتغيير حياتك”. ثم تعترف وتقول: “كانت تقاسيم وجهي البريئة المتناقضة مع شياطين رأسي أفضل «تغطية» لما يعتمل في ذلك الرأس الصغير من جنون وهلوسة وحمّى وفلتان”. لا تزال تلك الهالة الملائكية تحيطها وقد أصبحت امرأة، يقلل بها ضعاف النفوس من شأنها، الأمر الذي ينقلب ضدهم بمجرد مواجهتها .. الأمر الذي لا يزال يرافقني بالمثل!. تستمر وتقول: “ولكن ما زالت هذه التقاسيم المسالمة إلى اليوم في الحقيقة تخدع كثيرين في شأن طبيعتي وطباعي وأفكاري، وتستدرج أولئك الذين يبنون أحكامهم على إيحاءات المظهر والسطح إلى الوقوع في «الفخ»: فخي أنا. وهذا لحسن”. وعني، يلعن أولئك المغفلون حظهم متى أوقعهم في براثن براءتي!. وهذا لحسن فعلاً. ملاحظة: أسعى للحصول على نسخة من (الماركي دو ساد) قريباً، ووجهي الآن تعتليه ابتسامة ليست بالضرورة بريئة!.
  • تخلق القراءة للشغوف بُعداً من زمن آخر داخل زمن يحيا به ليس بالضرورة كما يهوى .. إنه ملجئ آمن ضد السفاسف والزيغ والتملق والجنون في محيط يموج بكل هذا وأكثر! في نشأة الكاتبة ما يعكس جانباً من هذا الشغف .. وجانباً من نشأتي معه، إذ تقول: “لكن تقليدية والدي وبيئتي، هذه التي كنت أستنكرها وأتمرد عليها من حيث المبدأ لم تزعجني فعلياً وعملياً، لأني كنتُ طوال نشأتي منذورة تماماً وبسعادة خالصة إلى عوالم القراءة والكتابة. فعلى رغم هذه التربية التقليدية وعلى رغم «القيود»، كنت أنمو حرة جداً من الداخل، ذلك أن قراءاتي الأدبية هي التي حررتني وأعتقتني. والحرية كما تعلمت لاحقاً تبدأ في الرأس ثم تنتقل منه إلى التعبير فالسلوك”.
  • ومع التوغل في هكذا عالم افتراضي من ورق، أجدني أذهل يوماً بعد يوم عن كل ما حولي، فيبدو الخيال كحقيقة والواقع مجرد وهم .. تؤنسني العزلة وأكتفي بصحبتي لذاتي، حتى تزداد وتيرة الشغف جنوناً ما أن يقتحم أحدهم خلوتي، أو أجدني مضطرة لتقديم واجب اجتماعي اختلط به مع أناس بأحاديثهم التي غالباً لا تعنيني! ثم تأتي الكاتبة بما يهيج هواجسي تلك وتقول: “في ظل هذه الأجواء، بدا لي الواقع أقل إثارة وتشويقاً من ذاك الذي كنت أستغرق فيه بين صفحات كتبي الأثيرة: بدا تافهاً جداً، سخيفاً، وبكل صراحة لا يستحق ذرة من وقتي. أضف إلى ذلك كله أنني كنت أحب وحدتي ولم أمانع العزلة والانفراد بنفسي. في خضم كل تلك القراءات الرائعة التي نهلت منها وحلمت بها وكتبت عنها. كنت أستمتع كل الاستمتاع برفقتي الخاصة، مقتنعة تماماً بأن وجود ولو شخص واحد فقط قادر على أن يخنق علي فسحتي تلك”.
  • أتفق مع الكاتبة بالتمام وهي توصي المرأة العربية -تحديداً- بتبني القراءة كمشروع أول في بناء الذات .. أياً كان المنهل، فالخير أو الشر المستخلص من أي قراءة إنما يصبّ في جملة الإفادة المرجوة، وطالما أن العقل بلغ من الوعي درجة القدرة على التمييز بينهما! هذا ما أوصي به صبايا الجيل الجديد كلما سنحت لي الفرصة، رغم اتساع فضاء الخيارات عندهن. تقول الكاتبة في هذا قولاً حماسياً: “هذه هي النصيحة الوحيدة التي أسمح لنفسي بتقديمها اليوم إلى النساء اللواتي يطلبن مشورتي، وهن يحسبن أن حماستي المتقدة إنما هي حكمة يفيض عليهن بها معلم روحي. أجيبهن: الكتب .. لا تخشين الكتب، حتى أكثرها انشقاقاً عن المألوف، حتى تلك التي تبدو «خليعة» أو «لاأخلاقية» في الظاهر. فالثقافة رهان أكيد في الحياة، سواء أكانت ذات نوعية عالية أم متدنية، قديمة أم عصرية، تنتمي إلى ثقافة النخبة أم الثقافة الشعبية، وأنا مقتنعة كل الاقتناع بأن القراءة هي إحدى أهم الأدوات التحررية التي يمكن أي شخص وأي امرأة عربية معاصرة على وجه التحديد أن يستغلها”. وكما يضيف نجاح أي امرأة إضافة خاصة لي، أعتقد بوجود الكثيرات من يشاركني الشغف. تقول الكاتبة: “لكن كيف لقوة الأدب ألا تقنعني وهو الذي كان محرري الأول ومطلق يدي ومخيلتي؟ فضلاً عن ذلك، أنا على ثقة بأنني لست استثناء، فحالي حال نساء عربيات كثيرات غيري. بالفعل كم من امرأة عربية تدين للقراءة بالخطوات الأولى التي سلكتها الأنثى غير التقليدية الكامنة فيها، تلك التي ما لبثت أن أصبحتها لاحقاً”.
  • يقول أحد الحكماء: “العافية عشرة أجزاء: تسعة أجزاء منها صمت، وجزء منها اعتزالك عن الناس”. ليست عزلتي التي ألجأ إليها سوى: تجديد .. فيض .. عشق .. رؤى .. نجوى .. صلاة .. ترقي .. سمو .. جمال .. وأكثر من ذلك! لا يمنع هذا من إطراء جمال اللقاء والحديث والمشاركة مع من أحب، لكن (أنا) الحقيقة تتجلى في العزلة. تقول الكاتبة قولاً لا يختلف عن فيوضات المتصوفة .. أعيشه: “لا بد من الإشارة إلى ذلك الشعور بالوحدة الذي يرافق عادة كل روح رحالة لا تنفك تبحث عن مجهول يستحوذ عليها. لا أقصد الوحدة بمعنى معاداة المجتمع وتجنبه، بل على العكس تماماً، فأنا أستمتع بصحبة الناس عندما تكون اللقاءات مثيرة للاهتمام وفي جرعات صغيرة وغير مفروضة علي فرضاً. بل أقصد بكلامي الوحدة كحالة نفسية وفكرية داخلية: تلك التي تسمح لك بالإصغاء إلى نفسك، فتدرك مدى ضعفك وهشاشتك .. تلك التي تتيح لك فهم كيفية عمل دماغك والعالم من حولك فهماً أفضل، فتتخلص من الأوهام التي تُنسج في شأنهما .. تلك التي تشعرك كأنك تطفو، وكأنك منفتح على كل الإمكانات، فتدفعك إلى التضحية دونما تردد بكل ما كنت قد جهدت لتحقيقه .. تلك التي تجعلك تبصر الأشياء من حولك «فعلياً»، بعيداً من أي تدخل أو تأثير أو إلهاء من مصدر خارجي فتصاب تالياً بخيبة أمل «فعلية»”.
  • وعن الارتحال الذي أهواه .. وحيدة مستمتعة بروح المغامرة والاكتشاف والتحرر والنضج والتعلم .. وكأنها ولادة تتجدد. تقول الكاتبة عن جنون السفر الذي ما برح يلازمها بشراسة تبدو انتحارية: “أسافر لأن السفر عندي أشبه بالتنفس والعيش مما يجعله تالياً يستحق العناء. فالتنقل في مختلف أرجاء العالم والتعرف إلى أشخاص جدد واكتشاف ثقافات جديدة، يستحق كل التعب والفوضى والأخطار والارتباك والخيبات التي ترافق هذه التجربة الفريدة. هذا هو أحد الأسباب الأساسية للوجود. أعني بذلك رؤية أشياء جديدة، قراءة كتب جديدة، القيام بأمور جديدة، تناقل أفكار جديدة، اختبار مشاعر جديدة، تعلم دروس جديدة، الشعور بالحب تجاه أشياء جديدة (وأشخاص جدد طبعاً). إن لم يكن هذا عيشاً، فما العيش إذا؟”.
  • لا تزال الكاتبة تتحدث في لغة صوفية وهي (امرأة عربية تعيش وتقول لا) .. تسمح لكل تغيير أن يحلّ، ولكل جديد أن يأخذ دوره، وللنقد أن يستعّر ذاتياً قبل الغير! فهل الثبات دليل الحق دائماً؟ وهل الماء الراكد إنما يأسن لا محالة وإن كان عذباً؟ توصي الكاتبة “إذا أن نعيش يعني أن نتقبل ما نحن عليه، لكنه يعني أيضاً القدرة على تقبل التغيير أيضاً. ولعل هذا أحد الأسباب الذي يدفعني دوماً إلى توضيح آرائي مع إفساح المجال لبعض النقد الذاتي وهامش من التنويع. فالتغيير حق من حقوقنا كبشر، وهو ليس مرادفاً لعدم الثبات على مبدأ معين كما يحلو لبعض الأشخاص الصارمين التفكير .. بل على العكس تماماً: التغيير يعني أن نسمح للكون بالتغلغل فينا، فيشق بأمواجه درب عقولنا وأرواحنا. جل ما أكرهه هو أن أبقى على ما أنا عليه خلال عشر سنوات من الآن أو خلال خمس سنوات أو حتى خلال سنة واحدة فقط. أحياناً أتساءل: ألا يمل الأشخاص الثابتون العنيدون من أنفسهم؟ ألا يسأمون أبداً من تكرار الكلمات والأفكار والمفاهيم عينها؟ لا أقصد القول إن المزاجية والتقلب يجب أن يكونا ميزتين من ميزاتنا، كما لا أدافع على وجه التأكيد عن السلوك المتقلب الذي لا يعول عليه. كل ما أقوله هو: دعونا نسترخ قليلاً فلا نحمل الأمور جدية لا تستحقها فلنكن منفتحين دوماً على احتمالات أخرى. فلنسمح لتيار الأفكار الجديدة بأن يجرفنا في بعض الأحيان. فأن يصاب الإنسان بالسأم أو باللامبالاة هو أسوأ ما يمكن أن يحل به. لسان حاله كالآتي: «هذا فعلته وذاك اختبرته». كم هذا مؤسف .. إنه نقيض العيش بامتياز”. وتختم في كلام يُنقش بماء الذهب عن تفرّد الإنسان الذي لا تشبه بصمته بصمات الآخرين. تقول “كل إنسان مميز في ذاته وكل طريق نسلكها في هذه الحياة طريق فريدة من نوعها. فلنبحث عن النواة في قلب كل شخص .. الكل يتضمنه الجوهر، والجوهر ليس ساكناً، لا بل إن سر روعته يمكن في كونه عصياً على القبض أو الإدراك، بما أنه يتغير باستمرار“.
  • أطربني قول الأديبة الراحلة مي زيادة والذي جاء حريرياً في وصف علاقة العشق بين القارئ والكتاب متى استفردا ببعضهما .. تماماً كما أشعر، إذ قالت: “الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيه غريبان بحميمية كاملة”. استرجع هنا تجليات امرأة روحانية صادفتها يوماً، حين سألتني بعد أن اطلعت على بعض من كتاباتي ما إذا كنت أؤمن بتناسخ الأرواح، وما إذا كانت روح الأديبة الراحلة -احتمالاً- تسكنني؟!. لا أملك سوى الابتسام.

ومع نهاية الحكاية!

أفخر -كما الكاتبة- بأنني قتلت ما استطعت حتى الآن قتله من وعظ قدسي وعرف مجتمعي يطمس البصيرة ويمسخ الكرامة!.. “قتلت شهرزاد بيد مختلف الزعماء والممثلين الدينيين الذين جعلوني أدرك حجم الهوة بين الالتزام الواعي والالتزام الأعمى لمبدأ ما .. أي مبدأ”.

بعد هذا! لم يكن مبالغاً (الطاهر بن جلون) -وقد قرأت له رعباً في أدب السجون العربي- أن يقول في حق الكاتبة قوله: “جمانة حداد جريئة وحقيقية: هي تكشف النقاب عن خبث المجتمع العربي وتخدش جميع الذين يخافون الرغبة. هي شاعرة حقيقية، أي إنها غير مهذّبة”.

وكما أردد دائماً: “أي كتاب لا يوّلد كتاب فهو مبتور”. لم يخيّب هذا الكتاب ظني فعرض من بين صفحاته مجموعة جيدة، أعرضها بدوري كما يلي:

تأملات في شقاء العرب – المؤلف: سمير قصير / قوة الوجود – المؤلف: ميشال أونفري / أوهام ضائعة – المؤلف: بلزاك / جوستين (مصائب الفضيلة) – المؤلف: الماركيز دي ساد / لوليتا – المؤلف: فلاديمير نابوكوف / سكسوس (ثلاثية الصليب الوردي) – المؤلف: هنري ميللر / خطاب العاشق – المؤلف: رولان بارت

ومع الكتاب الساخن الذي حصلت عليه وقت إصداره من متاجر لندن، والذي لا أستبعد منعه حينها في شرقنا الأوسط، مصداقاً لما قالته الكاتبة في نقدها للمدن العربية “حيث في وسع الرقابة أن تعتدي بمقصها على الأفلام في غمضة عين، إذا ما تناولت مثلث برمودا الشهير: الدين والسلطة والجنس” .. تصطف كتب أخرى للكاتبة فوق أرفف مكتبتي الجوداء، هي: الجنس الثالث / سوبرمان عربي / بنت الخياطة. لا يمنع هذا من سعيي الحصول على إصداراتها الأخرى .. وأرجو ذلك قريباً.

ختاماً ..
و (كي أبدأ ثانية) وأجيب قبل الكاتبة عن (هل أنا حقاً امرأة عربية؟): 

لن تتقدم هذه الأمة طالما بات السجن المؤبد قدر حوائها المحتوم في ظلمات ثلاث عقلية ونفسية وجسدية ..
ولن تتقدم مادام ركام الأولين يُنفض عنه غبار القبور ما استجد جديد فوق ساحة الحياة، في عملية نبش دوغمائي أخرق يتحرى ما كان في غابر الزمان ليتم إسقاطه -عمياناً- على الواقع .. شرعاً وعرفاً وقضاءً!.

وتعيد الكاتبة وتكرر:
“لا تفتقر النساء العربيات كلهن إلى العزيمة وقوة الشخصية. حسبنا دليلاً على ذلك:
أن نقرأ نحن الغربيين والعرب نصوص مفكرات عديدات مثل مي زيادة، هدى شعراوي، إيتل عدنان، مي غصوب، فاطمة المرنيسي، لور مغيزل وخالدة سعيد ..
أن نكتشف روايات كاتبات على غرار أهداف سويف، علوية صبح، هدى بركات، حنان الشيخ وسحر خليفة ..
أن نتأمل أعمال فنانات مثل زها حديد، منى حاطوم، هيلين الخال وغادة عامر ..
أن نفهم قصائد جويس منصور، سنية صالح، نازك الملائكة، ناديا تويني وفدوى طوقان .. 
أن نشاهد مسرحيات جليلة بكار، رجاء بن عمار، لينا خوري، دارينا الجندي ونضال الأشقر ..
أن نستمتع بأفلام جوسلين صعب، رندة الشهال، دانيال عربيد، ليلى المراكشي وغيرهن كثيرات”

وأضيف:
أن نصفق لفكر حر .. لا يحيد عن الحق، ولا يتملقّ أصحاب النفوذ، ولا يخشى لومة صاحب ولا وعيد قديس .. وأن نرفع القبعة لصاحبتها: جمانة حداد

مع جزيل الشكر والامتنان والتقدير

تاريخ النشر: أكتوبر 13, 2021

عدد القراءات:46 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *