الكتاب
منارات: قصص إنسانية صارت لهم تاريخاً ولنا دروساً
المؤلف
دار النشر
بلاتينيوم بوك للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2018
عدد الصفحات
228
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/23/2024
التصنيف
الموضوع
مسارات .. شيّدت نحو الحق منارات
درجة التقييم

منارات: قصص إنسانية صارت لهم تاريخاً ولنا دروساً

﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ .. قصص إنسانية خلّدت أصحابها في صفحات التاريخ، ومدّت من خلَفَهم بدروس في الحياة تستحق التبصّر بها والامتثال! هكذا يعبّر مؤلف كتاب (منارات: قصص إنسانية صارت لهم تاريخاً ولنا دروساً) في مقدمته، فليس التاريخ سوى أخبار الأولين التي صنعتها الأقوال وضُربت فيها الأمثال، وجملة من أسرار وحقائق وعلوم وأخبار، كما يُخبر ابن خلدون .. وليست تلك السوابق التي جرت في سالف الأيام معين للترف الفكري، بل للسعي نحو استلهام العبر وانتهاج مساراتها. لذا، يبدع المؤلف في استنباط المُثل واستخلاص الدروس أيما إبداع، وهو يستقرئ تاريخ السيرة النبوية، وأعلام الصحابة، وقصص الأنبياء، وأحوال الملوك والساسة والطغاة من الأولين والآخرين، وذلك لأجل الوقوف على تلك النقاط المضيئة التي من شأنها إنارة شعلة الحياة للإنسان الذي بات أحوج ما يكون للفتة عن حياة الدعة، ولعظة ضد سطوة الغفلة، ولحكمة تعزز ذاته وتثبّت أسس بنائها، وقدوة يجعلها دائماً نصب عينيه. عليه، تنتقي هذه المجموعة القصصية جوانب ذات عبرة من قصص التاريخ ترتجي منها الحكمة والمتعة والنفع والفائدة، متجاوزة في هذا أي سرد تفصيلي لأحداثها الطوال.

وعن المؤلف .. الكاتب والصحفي (د. عبدالله العمادي)، فهو بالإضافة إلى مقالاته المنشورة، اليومية والأسبوعية والدورية، في العديد من الصحف المحلية والعربية، فهو يقدم دورات تدريبية في مجال التحرير الصحفي والكتابة الإبداعية. وقد عمل من قبل كنائب لرئيس تحرير جريدة الشرق القطرية، وكمستشار إعلامي لوزير التعليم والتعليم العالي، وكمدير لإدارة الإعلام والاتصال بالمجلس الأعلى للتعليم.

ومن الكتاب الذي ضم ما يقرب المائة عبرة عن مائة قصة، أستقطع ما علق في روحي بعد قراءته، وباقتباس في نص حكيم (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) .. وقد استقطع الكتاب بدوره ثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي:

  • في (رسولنا والتخطيط الاستراتيجي)، يستشعر المؤلف خطة الهجرة التكتيكية التي رسمها النبي ﷺ ضمن خطته العشرية بينما كان لا يزال بين ظهراني قريش، ما يجعل من مقادير الأمور لا تسير على البركة وحسب كما يظن البعض، أو عن طريق الوحي المباشر، إنما هي تتم بتخطيط استراتيجي مسبق واجتهاد بشري محكم .. فمن حثّ الصحابة ابتداءً إلى الهجرة نحو يثرب، وإبرام الاتفاقيات مع الأنصار في بيعتي العقبة، إلى إرسال دفعة من أصحابه نحو أرض النجاشي الذي لا يُظلم عنده أحد، كفريق احتياطي في حال تعرّض الفريق الأساسي في مكة للأذى. تظهر ملامح التخطيط كذلك في تكليف أبي بكر الصديق تجهيز راحلتين قادرتين على السفر الشاق قبيل هجرتهما سراً، حيث قام بتعليفهما بحذر دون أن يلفت انتباه أحد إليه، وفي توصية ابن عمه علي بن أبي طالب برد الأمانات التي أودعها أصحابها عنده. كذلك: “من ضمن التخطيط للهجرة -من بعد أن اقترب موعد الانطلاق كثيراً- استئجار دليل أو مرشد للطريق من خارج مكة، يعرف دروب الصحراء وممن لا شأن لهم بما يجري بين محمد وقريش. وكذلك الترتيب مع أحد الرعاة التابعين لأبي الصديق رضي الله عنه، أن يقوم بدفع أغنامه وقت الهجرة للسير على آثار راحلتيهما كيلا يكتشف قصاصو الأثر ذلك، ثم تكليف أسماء بنت أبي بكر فيما يخص مسألة التموين اليومي اللازم، ويقوم أخوها عبد الله، وكان صغيراً يومها، بتتبع الأخبار في مكة ونقلها إلى النبي وصاحبه كل مساء”. فمع التأمل لتلك الاستعدادات والاحترازات والأعمال الممنهجة، يتبيّن كيف أنها لم تكن من المثاليات في شيء، بل جاءت نتائجها عن جهد واجتهاد. لذا، يقول المؤلف: “وهكذا كانت الأمور تجري ضمن سيناريو محكم تم التخطيط له منذ أشهر، حتى وصوله صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه إلى مقصدهما، وبدء مرحلة جديدة في الدعوة. ومن هنا يتبين لنا أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعمل بالبركة، كما هو شائع عند العامة، بل كان في كل تحركاته من تلك التي لا وحي بخصوصها يسير وفق تخطيط محكم بقدر ما تفرزه اجتهاداته البشرية”.
  • أما عن القيم الأخلاقية التي قد تنعكس في موقف عابر، فتقلب موقف إنسان ما من حال إلى آخر، يحدّث الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في (رجال أدين لهم بحياتي) عن نقطة تحوّله إلى الدين الإسلامي، التي لم تواتيه بعد لقائه مع دعاة أو بعد قراءته لكتاب، بل عبر جنود بسطاء تساموا بأخلاقهم! فعندما تم اعتقاله هو وخمسمائة من المناضلين ضد ألمانيا النازية وتهجيرهم إلى منطقة في جنوب الجزائر، أثاروا هناك عصياناً آخر وهم محاطون بالجنود الجزائريين المدججين بالرشاشات والأسلاك الشائكة وبقائدهم الفرنسي، ما حداه آنذاك إلى إصدار أوامره للجنود بإطلاق النار عليهم .. الأوامر التي قوبلت بالرفض، وقد برر أحدهم موقفهم وقد هُددوا بالسياط: “إن مما ينافي شرف محارب من الجنوب أن يطلق رجل مسلح، النار على رجل أعزل”. وعلى الرغم من أن الطاعة العمياء هي أصل العمل العسكري، إلا أن أولئك الجنود البسطاء رفضوا أمراً يمس أخلاق الرجال .. وكان موقفاً مؤثراً وعلامة فارقة يقول عنها الفيلسوف نفسه كأول احتكاك له بالإسلام: “كان احتكاكاً برجال .. رجال أدين لهم بحياتي”.
  • وفي سابقة من نوعها، يظهر في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز (مجتمع بلا فقراء). فبحسب علوم الإدارة الحديثة، يعتبر هذا الخليفة بمثابة أكفئ مدير مالي عرفته الأمة الإسلامية، حيث لم يكن للفقر وجود في عهده الذي لم يستمر لأكثر من عامين، ما أوقع العاملين على أمر الزكاة في حيرة من أمرهم بخصوص الأموال التي لم يجدوا لها مصرفاً. “حيث تروي كتب التاريخ قصته المشهورة، يوم أن كان أمراؤه وموظفوه على المناطق المختلفة يبعثون إليه يسألونه كيفية التصرف في أموال الزكاة بعد أن تجمعت وفاضت ولم يجدوا من يسأل عنها من الفقراء والمساكين. قال لهم عمر: أنفقوها على الفقراء، فقالوا: ما عاد في أمة الإسلام فقراء. قال: فجهزوا بها الجيوش، قالوا: جيوش الإسلام تجوب الدنيا. قال: فزوجوا الشباب، قالوا: من كان يريد الزواج فقد زوجناه. قال: اقضوا الديون على المدينين، فقضوها وبقي مال. قال: انظروا إلى المسيحيين واليهود، من كان عليه دين فسددوا عنه. ففعلوا ذلك وبقي مال. قال: أعطوا أهل العلم، فأعطوهم وبقي مال. قال: اشتروا بها قمحاً وانثروه على رؤوس الجبال لكيلا يقال جاع طير”.
  • وبينما يروى عن القائد التتري تيمورلنك قُبح منظره، وعن وزيره الذي امتدح سلطانه وذكّره بتعويض الله فقدان جمال وجهه ببسطة في الجسم والقوة والجاه والثروة .. يصارحه جحا بدمامته التي بكى منها! فإن كان الخاقان الأعظم قد رأى وجهه مرة في المرآة فانقبض، فما يصنع نصر الدين خوجة وهو الذي ينظر إليه ليلاً ونهارا؟ وبصرف النظر عن حقيقة الرواية من عدمها، فإن ظاهرة الموظف المجامل أو المنافق أو المتملّق أو المتسلّق أو المدّاح شائعة، وما يصحبها بطبيعة الحال من قربى وزلفى ومصالح مادية لا تعد ولا تحصى. لقد كان النبي ﷺ يمدح بعض صحابته أمامه وبحضور من كان حاضراً، في الموضع الذي يستوجب المدح حقاً، كما قال لعمر يوماً: “ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك”، وذلك لعلمه المسبق بأن هذا المدح لن يتسبب في فتنتهم أو في اغترارهم بأنفسهم. رغم هذا فقد كان النبي ﷺ حريصاً على ألا يشيع المدح في أمته لما له من مردود ليس بالضرورة محموداً على المادح والممدوح معاً، حيث ورد عنه توصيته: “إياكم والتمادح .. فإنه الذبح”. يقول المؤلف في (اتقوا المدح فإنه الذبح): “فأما وجه الخطر على المادح، أنه حين يجد قبولاً من الممدوح لمديحه، وإن كان مبالغاً فيه، فقد يتجرأ بعد قليل ليواصل في هذا العمل وخاصة إن كان من ورائه نفع ماديّ ينتظره، فيدخل من حيث لا يدري أو يدري، عالم الكذب والنفاق والخداع وغمط الحق. وأما الممدوح فإن وجه الخطورة عنده متمثل في احتمالية وقوعه في فتنة الشعور بالزهو والفخر والترفع”. وقد كان من هديه ﷺ تجنّب المبالغة في المدح إن استحق أحدهم المدح لصفة فيه أو لعمل أدّاه “والتوجيه النبوي كان دقيقاّ، فقد مدح رجل رجلاً عند النبي ﷺ فقال: ويحك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك .. مراراً! إن كان أحدكم مادحاً لا محالة، فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحداً”.

ختاماً، لا بد للقارئ بعد أن يفيق من سحر تلك النفحات الربانية، أن يستشعر فيض تلك الطاقة الإيمانية التي حين حُق له استلهامها، أصبح حق عليه أن ينتهجها فكراً وسلوكاً، وأن يحدّث عمّا أمكنه منها ولو بآية .. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

تم نشر مقالة عن الكتاب في جريدة الشرق

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (8) في شهر يناير، وضمن قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لعام 2024 والذي أرجو أن يكون استثنائياً بحق في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه، وقد حصلت عليه من معرض للكتاب بإحدى المدن العربية عام 2020 ضمن (90) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!

وعلى رف (الأدب العربي) في مكتبتي، تصطف الكثير من الكتب الحديثة، ومن تلك التي تعود في إصداراتها الأولى إلى أعوام ماضية، وقد انتقلت إلى مكتبتي من مكتبة العائلة .. أذكر منها: (هكذا أفكر) – تأليف: عارف حجاوي / (جنون آخر) – تأليف: ممدوح عدوان / (رسائل مي: صفحات وعبرات من أدب مي الخالد) – تأليف: مي زيادة / (العرب لا يحبون البصل: دراسة في متخيلات اللغة العربية) – تأليف: إبراهيم محمود/ (النظرات والعبرات) – تأليف: مصطفى لطفي المنفلوطي / (أسطورة الأدب الرفيع) – تأليف: د. علي الوردي / (كليلة ودمنة) – تأليف: عبدالله بن المقفع / (أوراق على شجر) – تأليف: أنيس منصور / (اندهش يا صديقي) – تأليف: عبدالوهاب مطاوع / (بدر شاكر السياب : شاعر الوجع) – تأليف: د. انطونيوس بطرس

من فعاليات الشهر: ومع الأمنيات التي حمّلتها العام الجديد مع انقضاء العام الفائت .. فلقد افتتحت في أول يوم قناة لطيفة على موقع يوتيوب، والتي سأخصصها لنشر مراجعات الكتب صوتياً.

ولا زلت أترقّب شحنة الكتب التي طلبتها من متجر نيل وفرات للكتب، والتي ستحمل لي أكثر من ستين كتاب. كم يبدو العام مثمراً بالخير مع تباشيره!.

تسلسل الكتاب على المدونة: 458

تاريخ النشر: يناير 26, 2024

عدد القراءات:269 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *