الكتاب
متعة القراءة
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Comme un roman - By: Daniel Pennac
المترجم/المحقق
يوسف الحمادة
دار النشر
دار الساقي
الطبعة
(2) 2016
عدد الصفحات
268
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/08/2020
التصنيف
الموضوع
القراءة وأجوائها وأحوال القرّاء
درجة التقييم

متعة القراءة

كتاب موجه ليس لعشاق القراءة فقط، بل لكل من يدفعه الفضول معرفة (الأجواء) التي يعيشها القراء، وتقلباتها التي تقلب أمزجتهم، بين نقد وإعجاب وهوس وملل وواجب وروتين .. وربما إلى عالم آخر!. قد يكون هذا الكتاب ملائماً لليافعين بشكل أكبر، حيث يسرد موضوعاته بتشويق وبتسلسل وبشيء من الشقاوة، في مقاطع نصية قصيرة تبعد عن الإسهاب والوصف والعمق. لا بأس في أن يقرأه الآباء أيضاً قبل تقديمه لأبنائهم.

يعرض الكتاب الذي نال نجمتين من رصيد أنجمي الخماسي في صفحة المحتويات أربع فصول رئيسية، يتفرع عنها موضوعات متنوعة لا بأس بها، هي:

  1. ولادة الكيميائي
  2. يجب أن تقرأ
  3. التشجيع على القراءة
  4. ما الذي سيقرأه الآخرون؟

اقتطف من جميل الكتاب الذي أنهيته في سويعات ما علق في ذهني منه، كما يلي:

  • في التقنية الذكية التي استخدمها أحد المعلمين لعقد صداقة بين الطلبة والقراءة الفردية، كان عليه أن يتغلب إلى جانب معضلة الفهم .. الوقت!. تصبح القراءة سلوك اعتيادي بدوام الممارسة، بحيث تصبح حصيلة الطالب القرائية خلال عام هي سبع روايات بمعدل ألف صفحة لكل واحدة منها، خلال خمس ساعات مخصصة للقراءة في الأسبوع.
  • يكيل الكاتب الإطراء لـ “حراس المعبد” كما طاب له أن يسمي (أمناء المكتبات)، فلولاهم لما اهتدى أحد لضالته من الكتب والقصص، في ذاكرة فوتوغرافية تصّور لهم ترتيبها على عالم الأرفف اللامتناهي. يوصيهم أيضاً بأن يتكّرموا بقصّها على زبائنهم، ليشهدوا -بلا عجب- وثباتها من الرفوف إلى أيديهم.
  • يصف أحد المعلمين معاناته في أول الفصول الدراسية عندما يختبر مهارة الطلبة في الوصف! فالمكتبة لدى أحدهم جرف صخري، وعند آخر جدار مصمت، وعند ألطفهم ديكور من رفوف. وعن القارئ، فهو يظهر على هيئة كاهن لعصر ما قبل الطوفان حيناً، أو منطو مستغرق في نسك القراءة حيناً آخر، أو بتول لا يشتهي الطعام أو حلو الثياب على مدار العام، أو محافظ لا يبتسم ولا يرتاد السينما لا ولا المقاهي. أما حين يأتي دور الكتاب، فهو شيء عجيب غريب مهاب خطر معبود ذو قدسية يطوف حوله المريدون في خشوع وتبتل.
  • يستعرض الكاتب في سادية أساليب التعامل مع الكتاب، أصنّف كل منها -شخصياً- كجريمة لا تُغتفر، مهما سالت مدامع الأسباب! من آثارها: صفحات مثنية، هالة فنجان قهوة، بقايا طعام، طبعة مستحضر واقي شمس، بصمة إبهام محشو في غليون، جلدة مكرمشة بعد جفافها من ماء مسكوب، زخرفات هامشية، مقاطع مضللة بقلم نيون، إعاقة مستديمة بسبب الانبطاح مفتوحاً على الوجه لمدة أسبوع، تغليف بلاستيكي قبيح، اختناق تحت كومة من كتب اختفى تحتها سرير … وغيرها الكثير من ممارسات وحشية! رغم ما سبق، فإني أتعاطف مع كل من ارتكب جريمة حجز كتاب مستعار لديه بعد أن شغف به، فلم يُعيده .. “إنه ثمن الحب .. اتاوة الحميمية” حسب تعبير الكاتب.
  • عبّر الكاتب عن ضرورة القراءة، بتعبير “العقيدة الجامدة” من خلال مواقف ثلاث: الأول في موقف المعلم الذي عادة ما يشيخ سريعاً بين هموم الطلاب المتشعبة تعليمياً وأسرياً وفسيولوجياً وعاطفياً، وأهمها استفسارات ذويهم اللامتناهية عن (ضرورة القراءة). الثاني في الذين يقرأون والذين لا يقرأون، فالفريقان مقتنعان بـ (ضرورة القراءة) فيستزيد الأول ويأسف الثاني. أما الثالث فعن ذلك الذي طلّق زمن القراءة، وجحدها من بعد تحقيق نجاحاته، فهو ينتمي لذلك الصنف الذي لا لشيء من فضل عليه، غير أنه لا ينكر (ضرورة القراءة) .. فقد ساعدته!.
  • فيما عناه بـ “حالات اجتماعية”، يعيب الكاتب الزمن الماضي الذي كان زمن الكبار فقط، إذ يقول على لسان أحد الآباء: “أطفالنا هم أبناء وبنات عصرهم، بينما نحن لم نكن سوى أطفال أهالينا”. وفي ذاك الجو الخانق، كان توقيت النزهات ثابت في يوم الأحد، والقناة الواحدة في التلفاز تجتمع عليها العائلة بأكملها، والكتب تنتظم في صفوف فوق الأرفف لا يطالها الصغار. بل والأدهى والأمر، تحريم القراءة على الفتيات بالأخص قراءة الروايات، لما لها من مفسدة لا تطول البيت فقط، بل والزواج المستقبلي. رغم ما انتابني من تقزز في ثوان معدودة، فقد شفع ثأر فتيات هذا العصر لذاك التخلف! حين اكتسحن كافة ميادين العلم والعمل واعتلين المراتب الأولى فيها، وما قراءة الرواية أو كتابتها -فضلاً عن الكتب- سوى الهامش في مسيرة نجاحهن.
  • يختتم الكاتب بخواطر، يعنونها بـ (الحق في أن نصمت)، غير أنها تدعونا للتعبير! فالإنسان لأنه حي .. يبني بيتاً، ولأنه فانٍ .. يكتب كتابا، ولأنه اجتماعي .. يتعايش، لكنه ولأنه وحيد .. يقرأ.

بعيداً عن الموضوع الرئيسي للكتاب، فمن الممكن جداً الاستفادة من:

  • تجربة المعلم -التي خصص لها الكاتب الفصل الثالث بأكمله- في ابتكار تقنية تعمل على تحفيز دافع القراءة لدى الطلبة المستجدين، ذوي المعدلات دون المستوى الأكاديمي المطلوب.
  • أسلوب المعلم -الذي خصص له الكاتب موضوع رقم 36 في الفصل الأول- في خلق بُعد آخر داخل الفصل، ينقل إليه الطلبة ليحيوا مع الأدب كلمة بكلمة. فلقد كان حسب تعبير إحدى طالباته: “لم يكن يقدم لنا الأدب عبر قطارة التحليل، بل كان يمنحه لنا على شكل رشفات كبيرة”.

وللكتاب لغة لطيفة أقتبس من همساتها ما راق لي في نص رهيف (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • بينما يجتهد “التلفزيون المفسد” حسب تعبير الكاتب، في إفهام الفرد من خلال ما يبثه من صوت وصورة وأضواء ومؤثرات، فإن عملية القراءة تحترم الجهد الذاتي لهذا الفرد في التفكير. يقول: “عندما نقرأ يجب أن نتخيل كل هذا .. القراءة فعل خلق دائم”.
  • كل عملية قراءة هي في الواقع عملية مقاومة .. مقاومة لكل عوارض الحياة، نفسية، عائلية، مرضية، ثقافية، اقتصادية، مهنية … قد تصل إلى مقاومة الموت، ففي القراءة حياة. يقول: “لقد شكّلت الدراسة بالنسبة لي علاجاً عظيماً ضد أشكال القرف، فلم يصبني حزن ما إلا وانتشلتني منه القراءة”.
  • وفي خاطرة يسطرها الكاتب من خلال موضوع (الحق في عدم القراءة)، يقول: “إنه لحزن عميق وعزلة داخل العزلة أن يكون المرء منفياً عن عالم الكتب، حتى لو كانت من الكتب التي يمكن الاستغناء عنها”.
  • وفي اطراء أحد المعلمين المخلصين، يصفه الكاتب فيقول: “كان يفتح عيوناً ويشعل مصابيح ويقود اتباعه على طريق الكتب، وهو طريق حج لا نهاية له ولا يقين فيه، طريق الإنسان نحو الإنسان”.
  • تخلو مادة الرياضيات من التعقيد، إذ أن الفيصل هو عبقرية المعلم. يقول: “فإن عرف تلميذ من وقت لآخر مدرساً يدفعه حماسه إلى اعتبار الرياضيات لذاتها وبالتالي إلى تعليمها كما تُعلّم الفنون الجميلة.. مدرساً يحبب التلميذ بالرياضيات بفضل مجهوده الخاص، ويتحول الجهد بفضله إلى متعة .. فإن ذلك يخضع للصدفة أكثر مما يخضع لعبقرية المؤسسة التعليمية “.
  • وعندي .. لا أغلى من كتاب أُهدى لي. عن هذا المعنى يقول الكاتب: “عندما يعطينا شخص عزيز كتاباً لنقرأه، فإننا نبحث قبل كل شيء عن هذا الكائن العزيز في السطور، نبحث عن علامات الأخوة، ثم يأخذنا الكتاب فننسى من جعلنا نغرق فيه”.

بخلاف ما سبق من محاسن في عالم القراءة نظمها الكتاب، يؤخذ عليه ما يلي:

  • المراهق المنزوي في غرفته (تحت موضوع 6 في الفصل الأول) .. ما قصته؟ هل الكتاب ذو الخمسمائة صفحة في ذاته ممل؟ أم أنه يجده ممل؟ أم أنه يجد القراءة عموماً عملية صعبة ومملة؟ لم يكن الموضوع واضحاً!.
  • في حديثه عن أهمية استقطاع وقت للقراءة يومياً، يقارن الكاتب -وكأنه يستنكر- كيف لامرأة تعمل وتسوق وتتسوق وتعيل أطفالها وتعتني بأسنانها وتعشق ثلاث رجال، بأن تجد الوقت للقراءة، مع ذلك! بينما “الأعزب العفيف” الشحيح المال لا يلقى؟ أجد التلميح في (قذف أخلاق المرأة وإطراء عفة الرجل) دليل مستتر لعقدة نقص!.
  • استخدام بعض الألفاظ القاسية في التعبير، بصرف النظر عن ترجمتها حرفياً، فإن الترجمة أيضاً فن، والمرادفات بحر لا ينضب في اللغة العربية. أذكر على سبيل المثال: العمى / اللعنة لقد نمت / لعنّا / هو القارئ ما ألعنه / ألعنوا الملل / فهو لعين حقيقي / لعنت الأمير أندريه / يا ابن …… / الملعونة الاسم.
  • باستثناء الرابع، تتعنون الفصول الفرعية بأرقام تسلسلية بدل كلمات توصيفية! يا حبذا لو تم تسميتها بدل ترقيمها.

وبلمحة قارئة، وجدت بضاعة الكتاب من جنسه، إذ حوى عدد لا يستهان به من الكتب والروايات التي تغوي القارئ النهم .. أذكر منها على سبيل المثال:

  • الكتب: كراتيل: أفلاطون / أفكار: باسكال / الاعتراف: جان جاك روسو.
  • الروايات: النفوس الميتة: نيقولاي غوغول / فوق البركان: مالكولم لوري / ذهب مع الريح: مارغريت ميتشل / البؤساء: فيكتور هيجو / العطر: باتريك زوسكيند / الأوراق الملصقة: جورج بيروس / الأحمر والأسود: ستندال/ ملاحم خريفية: جيم هاريسون / ديوان فتحات: جورج بيروس / الحرب والسلم: ليو تولستوي / الأخوة كارامازوف – الجريمة والعقاب – الليالي البيض: فيودور دوستويفسكي.

في عجالة -وعلى سبيل النقد الأدبي- فإن هذا الكتاب القصير اللطيف:

  • سليم اللغة وواضح المفردات في العموم، غير إنه يحوي عدد من التركيبات اللغوية الغريبة، مثل: المماحكة المنطقية، قصة باروكية، المواقف المقولبة، الإنسان المقولب، ألواح التويتاء، ويحمحم كحصان / هذه اللقية، إنه لشيء ثقيل راض.
  • ترجمة مبسطة، إلا أنها تحوي بعض الألفاظ والعبارات العامية -الشامية على الأرجح- مثل: بالله عليك اسمع هالأفندي، قال خذوا راحتكم قال / وإلا شو / هس العمى / تموّتنا من الضحك / عالموضة / هااااات لشوف / سكّر تمّك / شايفة حالها / أقول لك اقرأ العمى / كلما دق الكوز بالجرة / دار نشر علتان / يصطفلو / الأزعر / ولك العمى انبطح على الأرض / مليحة كتير / بشرفك / دوشي أنا / أبو تسريحة موزة وجزمة / ويلاّاااا / آ آ آ.
  • متناغم الإيقاع في سرد الأفكار حول موضوعاته المختلفة وعلى طول الكتاب.
  • محرك في أسلوبه الأدبي لعاطفة القارئ، ومحفز لحسّ القراءة لديه نحو الاستزادة، لا سيما مع كم المراجع الأدبية المدرجة ضمن موضوعاته.
  • لطيف الخيال في إيراد بعض الأمثلة لتوضيح فكرته، من خلال المعلمين والطلبة والأصدقاء والآباء وأبنائهم.
  • لا يخلو من الأخطاء المطبعية، أذكر منها ما يلي حسب ترتيب الصفحات: ص35 تنضاف: تُضاف / ص46 يقرأان: يقرآن / ص60 حاص المدينة: حاصر / ص76 الخمير الحمر: الحمير.

في الختام، فلنحيي سنة القراءة! ففي حياة القراءة .. تحيا حيوات!.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (37) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2019 ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (يونيو)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

حافل بالقراءة وبإعداد مراجعات الكتب المقروءة .. مع استمرار الحجر الصحي“.

 

تاريخ النشر: مايو 31, 2022

عدد القراءات:16 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.