الكتاب
كابوس ليلة صيف
المؤلف
دار النشر
دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2019
عدد الصفحات
77
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/13/2022
التصنيف
الموضوع
ثيمة الحمار في الثقافة العربية
درجة التقييم

كابوس ليلة صيف

كتاب وجيز يكشف عن ثيمة الحمار الملازمة للوعي الجمعي العربي، لا سيما من خلال ما تزخر به أدبيات الثقافة العربية. فبينما تعجّ هذه الأخيرة بحشد من توليفات سخرة وسخرية وعنف وهوان حمّلها الإنسان العربي أكداساً مكدّسة فوق ظهر ذلك البهيم الشفوق، يأبى القدر بدوره إلا أن يسخر سخريته ليقرّ ذلك العربي لنفسه بآصرة الحمار، مصائرياً لا وراثياً .. هكذا بأم قلمه، وبيده لا بيد عمرو.

قد يتقاطع كتاب د. طه جزاع مع مسرحية الأديب الإنجليزي وليم شكسبير في عنوانها (حلم ليلة صيف)، ومع الفنتازيا التي حولّت فيها الفلاح بوتوم إلى حمار، كما حدث في كابوس العامل الكادح أبو صماخ. غير أن الكتاب جاء يحاكي واقعاً مراً يكدح فيه الإنسان العربي كدحاً وطنياً خالصاً يلاقي قباله من ضنك العيش وتكميم الحلق وتكبيل المسعى وقمع الحق ما يجعل منه (أصبر من حمار) كما يصوّر التراث العربي .. أو كما يقول المؤلف على لسان الحمار في كابوسه: “بل وأكثر من ذلك! لها نباهة وإحساس ومشاعر ورحمة تفوق أحياناً رحمة البشر”.

يستعين المؤلف بقائمة من مراجع قديمة وحديثة تصب في صلة الإنسان بالحمار .. تشبيهاً أو تقريعاً، وقد استبرأ لنفسه ابتداءً من أي شبهة قد تطال إنسان بعينه في تشبيهه بالبهيم الذي ذكر. ويقتبس من تلك المراجع ما حملته (لائحة حقوق الحمير) التي سنّها الفيلسوف العراقي صالح مدني، والذي نبّه فيها على أن الحمار الصابر -علاوة على هذا- ذو سجية حكيمة، فهو “لا يُتنحر أو يُعنفص إلا بسبب قاهر وبعذر شرعي وبتبرير من القانون” .. فـ (اتق شر الحليم إذا غضب).

قبل الولوج في الكابوس، يُطرب المؤلف قارئه بعشرة سيمفونيات من نهيق جاءت عن حمير أصحابها الأدباء. ومن أشد ما ضرب عليه المؤلف في هذا المقام فأوجع مستلهماً سردية الإنسان-الحمار: الطغيان السياسي في الأنظمة العربية وما يلحقها من أدوات رقابية تقمع الرأي الحر، والتي تعزز بدورها الرمزية والإيحائية والتصويرية والاستعارية والمجازية، كأساليب بلاغية رائجة لدى أدبائها ومفكرّيها وأحرارها. فهذا صاحب رواية (حمار في المنفى) يهمز ويلمز قائلاً في النهيق التاسع: “الضلال الفكري هو أن تفكر بشكل يتناقض مع تفكير السلطة” والعياذ بالله! غير أن الويل الأحمر يكمن حين يتحالف طاغوت السياسية مع طاغوت الدين في ثنائية تفرز زمرة من (مطبّلين ومزمّرين) تنفخ على هوى الطاغوت الأكبر وما يحلّ جلالته وما يحرّم، فيُستغنى بها عن جلود الحمير ذات الجودة “لصناعة بعض آلات الطرب” ومنافخ المزامير، لا سيما الزمرة التي تلعن الموسيقى بطبيعة الحال. يقول حمار المؤلف مخاطباً رفيقه الجحش الأمهق: “في البلدان التي لا تحترم الموسيقى وتحرّمها لا يحتاجون لجلودنا، جلودهم تكفي لصناعة الطبول والدفوف والمزامير”.

ومن كابوس المواطن المغدور الذي تخرّج في قسم الفلسفة وعمل -ولا حسد- كمراقب لعمّال النظافة في مصلحة البلدية حين أوصدت أمامه الأبواب، أنقل ومضات مما علق في ذهني بعد قراءة لياليه الخمس وقد تراءى له أنه مُسخ إلى حمار واتخذ من جحش رفيقاً يسامره .. وباقتباس في نص حالك (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، وقد حظي الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي:

الليلة الأولى:

  • في المجموعة القصصية التي عنونها صاحبها بـ (انتحار حمار)، تفضح إحداها الصورة النمطية التي يتبناها العقل الغربي -تحديداً الفرويدي- ضد الإنسان الشرقي ككائن يعاني من ضغوطات على رأسها الكبت الجنسي، تُحيله إلى مخلوق ذو شهوة طاغية يشعل سعارها الإدمان على المواد الإباحية كتعويض. فهذا أحد الحُمر العربية يقرر الفرار من رئيسه الذي ما انفك يحمّله ما لا يطيق، إلى استراليا فوق ظهر سفينة محمّلة بالأخشاب، وما أن تطأ حوافره الجزيرة الأسترالية طالباً اللجوء الإنساني (أم الحماري .. لا أعلم)، يتم رفض طلبه لضعف حجته، ولكسله وملله ورفضه طبيعته التي تخوله للعمل الشاق كما أظهرت نتائج التحريات الاستخباراتية الأسترالية. حينها، لا يجد الحمار بد من تهديد الشرطة بالانتحار ما لم يُستجاب له، مطالباً في الوقت ذاته حضور الصحافة حتى يتسنى له الكشف عن انتهاكات حقوق المرأة والإنسان عموماً في بلده. وأثناء فورة تهديده وهو فوق مبنى الهجرة، يزلّ حافره فيهوى صريعاً. في اليوم التالي، تصدر جريدة مغمورة الخبر التالي: “انتحار حمار مهاجر عانى من أمراض نفسية بفعل العقد الجنسية الخطرة التي تراكمت في ذهنه نتيجة لإدمانه على القراءات غير المنضبطة لأدب الفراش، ومتابعاته المستمرة لمواقع الصفحات الإباحية في أحد مراكز اللجوء السياسي”.
  • أما المحكمة الافتراضية التي نصبّها إخوان الصفا وخلان الوفا برئاسة ملك الجان بيوراسب الحكيم، والتي كان طرفاها بنو البشر وقبيلة الحيوان، فقد شهدت تداعيات تسلّط الإنسي على الدابة لما له من امتيازات حباه الله بها وسخرّ له ما دونه من خلائق كما ادعى، في حين انبرى البغل ومن بعده الثور يعقبه الكبش والجمل والفيل والفرس والخنزير والأرنب وسائر من دُعي من “السباع والجوارح والحشرات والهوام وحيوان الماء” في تقريعه. غير أن جدّ الحمير قال قولاً أوجز فيه وأبلغ وقد رضي بما قسمه الله بين الخلائق، فهو الذي لا يُعطي عطاءاً كاملاً لكائن بعينه، بل أن حكمته تعالى تتجلى في تزامن الأخذ مع العطاء والنعمة مع الحرمان. فيقول: “وما من شخص آثار الربوبية عليه أظهر إلا ورق العبودية عليه أبين. مثل ذلك نيرا الفلك وهما الشمس والقمر، فإنها لما أعطيا من مواهب الله تعالى حظاً جزيلاً من النور والعظمة والظهور والجلالة، حتى أنه ربما توهمها قوم ربين إلهين لبيان آثار الربوبية فيها، حرما التحرر من الكسوف ليكون ذلك دليلا لأولي الألباب على أنّها لو كانا إلهين لما انكسفا “. ويستمر يضرب الأمثال في الكواكب النيّرة والأفلاك الدائرة وسائر الخلق من جن وإنس وملاك.

الليلة الثانية:

  • من خلال حبها لحمار دوناً عن الآدميين، تستخدم د. رغد السهيل في روايتها الأولى (أحببت حماراً) الأستاذة الجامعية د. أمل، التي تستغرق في رمزية معلنة لتُحدّث عما أصاب أرض العراق من ويلات ونكبات تنتهي “بالحاكم المدني بعد الاحتلال الأميركي لبغداد بول بريمر .. تُف بول بريمر” .. لم تنس خلالها أن تستحضر من عراقة تاريخه عبقاً يتمثل في قصائد سومرية وشخصيات وايحاءات وعطور أنثوية. ملاحظة: وعن نتفة التفل المنثورة عرضاً على البول بن بريمر .. كم جاءت وقورة إلى جانب عاصفة الهجاء التي زلزلت بها أرجاء كتابه حين نشرت مراجعته على مدونتي، في الوقت الذي لم أتمكن من إتمامه لشدة هراء ما جاء فيه!. تظهر لغتها من جانب آخر نسوية في إبراز قدر المرأة العراقية، فتستهل روايتها بمقولة للأديبة الإنجليزية (فيرجينيا وولف) التي كانت من طلائع النسويات العالميات، إذ قالت: “مستقبل الرواية يعتمد على المدى الذي يمكن فيه تعليم الرجال على تحمل الخطاب الحر لدى النساء” .. فتضرب مثلاً في (أم صابر) و (أم مظلوم) اللتان تمثلان توأم الصبر والظلم في خضم الحروب التي شهدتها مدينة بغداد، و (فهيمة) الجميلة عاشقة الفلسفة التي تضحي بعروض الزواج من أجل تربية أخوتها بعد استشهاد والدها في معركة زُج به فيها ووفاة والدتها بالسرطان، و (لهيب) طالبة القانون التي تصرّ على استكمال دراستها لتدافع عن حقوق الإنسان كأفضل محامية في العالم العربي، والباحثة شروق المتفوقة في البحث العلمي والتي تُقتل لاحقاً على يد زوجها غسلاً للعار، ويخرج الزوج بعد جريمته من السجن بكفالة مالية” .. ولا تزال الأخبار تنقل لنا مصائر شروق وأخواتها، على مدار الساعة!.

الليلة الثالثة:

  • يستمر الحوار بين الحمار المثقف والجحش الصغير جدلياً عميقاً، ليطرح الأخير في براءة سؤالاً وجودياً يتعلق بمدى إساءة الإنسان للحمار، رغم تفانيه في خدمته وما يقوم به من أعمال شاقة تجعل منه مضرب مثل لأي إنسان يعمل بجد “كقولهم عن أحدهم: يعمل مثل الحمار”. ثم يستفتيه في شرعية قتل الحمار لصاحبه “إذا أساء إليه كثيراً”. يجيبه الحمار من خلال مطالعاته العريضة في شئون الحمير وسلوكياتها، التي لم تثبت بأي شكل من الأشكال قتل حمار لآخر كما يفعل الإنسان بأخيه، غير أن الحمار قد يستفحل به العناء إلى درجة تدفعه لارتكاب جريمة قتل في حق صاحبه!. يستشهد في رأيه هذا بحادثتين، وقعت الأولى في إحدى ولايات السودان والأخرى في المكسيك. فبينما يُحتجز الحمار الأخير في زنزانة مع مجموعة من المشاغبين بعد ركله رجلين وتكليف صاحبه بمصاريف علاجهما، يتم احتجاز الأول في قسم الشرطة بعد تقدّم صاحبه ببلاغ عن تورطه في مقتل شاب عُثر عليه في حديقة وسُجلت الحادثة ابتداءً ضد مجهول. رغم هذا، فإن حمارنا المثقف لا تنقصه شهامة، إذ أقرّ لجحشه بفضل بعض أبناء البشر على قوم الحمير، لما قدموا من خدمات جليلة في سبيل الدفاع عن حقوقهم، فيقول في نخوة: إن الكثير من البشر المحترمين العقلاء كتبوا وتحدثوا ودافعوا عن الحمير انطلاقاً من إنسانيتهم وشعورهم بحقوق الحيوان على الإنسان، ومنهم من يعيش في مجتمعات وتحت ظل حكومات تضطهد وتعذب وتشرد وتقتل الإنسان قبل الحيوان، لكنّهم أبوا إلا أن يدافعوا عنها، وعن الحمار خاصة لأنه مثال للحيوان الخدوم الصابر المظلوم الذي تُساق له أسوأ التُهم وتُلصق به أبشع الأوصاف من دون ذنب ارتكبه“.

الليلة الرابعة:

  • بينما يوصي أحد حكماء العرب قومه بالترفع قائلاً: (عظّموا أنفسكم بالتغافل)، يأتي الفارسي عمر الخيام ليدلو بدلوه في نفس المنهل، ببيت شعري على لسان حماره يقول فيه: كن حماراً في معشر جهلاء .. أيقنوا أنهم أولو العرفان“. وفي رواية (الحمار السادس)، يوضح صاحبها فائدة التغافل الموصى به، من أجل تيسير أمور بعينها قد تصعب من دونه. كالحمار الذي رفض حمل مواد البناء إلى داخل مدرسة كبقية أقرانه، مما دعى الخيام إلى وشوشته عن حقيقة أمره كأستاذ لهذه المدرسة في حياة موازية عاشها سابقاً .. فدخل متبختراً!. كم يحلو لي انتهاج أسلوب (الاستغباء) أمام مدّعي علوم الطاقة ومن لف لفهم من أضراب التنمية البشرية، غير أن هذا يكون عادة مصحوباً بنظرة حارقة نحو الدعيّ تخبره من هو (الغبي) حقاً!. إن نهج التغافل رغم قيمته الوجدانية قد يحمل تبعات لا يُحمد عقباها إذا تم استخدامه نحو شريحة ما وبشكل مستمر، كما يظهر في قول يُنسب إلى أحد الصحابة الكرام: (عندما سكت أهل الحق عن أهل الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق) .. إن هكذا وضع يشهده الواقع الآن، مع الأسف!.
  • أما صاحب (يوميات حمار وطني)، فقد أجزل العرفان للأديب توفيق الحكيم الذي سنّ سنة الحوار مع الحمار حول مجريات الأحداث الدائرة في زمانهما، غير أن كاتب اليوميات -وهو ثائر فلسطيني- قد جعلها على لسان حمار من أجل عرض ما هو أفدح! فالقضية الفلسطينية تشكو من ضعضعة وتفكك وتخبط اعتراها نتيجة انشقاق الصف الفلسطيني على نفسه بين فصائل متنازعة. ويتساءل حمار المؤلف في أسى يشوبه خزي يبثه للجحش الصغير، وقد بدى وكأنه يحمل هموم أمة عربية تضاهي حمل رؤسائها، قائلاً: ولا أدري يا جحشون ماذا كان سيقول هذا الثائر لو بعث حياً وشاهد ما يحدث الآن في فلسطين والدول العربية، وماذا سيقول عن القدس التي صارت عاصمة لعدوه؟ سيكون بحاجة إلى قطيع من الحمير لا حمار وطني واحد ليعبر عن آرائه بحرية وصراحة”.

الليلة الخامسة:

  • وفي الليلة الأخيرة، يفرغ بطلنا الحمار ما في جعبته من أخبار لجحشه الصغير، يبدأها بالكاتب المصري الساخر محمود السعدني الذي ارتأت فيه إحدى الفتيات الباريسيات -لا سيما من تركيبة عظام وجهه- إنسان نادر يعود في أصله إلى سلالة هجين بين بشر وحمير، وذلك حسب العصر الحميري وعلم الأجناس والسلالات الذي تخصصت فيه! لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ألحتّ عليه الفتاة المغناج بالنزول ضيفاً في بيتها -مخدعها تحديداً- ليتمكنا من إنجاب طفل يحمي هذه السلالة من الانقراض بأي ثمن وبأي وسيلة، فقد أوشك السعدني على الموت كما بدى لها .. فما عليهما سوى انتهاز الفرصة طالما أنه لا يزال على قيد الحياة، وقد بدأت تناديه بـ (الحمار) بدون كلفة .. “وهكذا تخطط البنت لاستدراج الحمار إلى بيتها”. على هذا، لا يتحرّج السعدني من الإثبات لمكتشفته أن العصر الذي نعيش فيه هو بالفعل العصر الحميري .. لا بيولوجياً بل ثقافياً، حيث يقضي معها وقتاً “يحدثها عن بلاده العربية المنتمية إلى العصر الحميري، وكيف يعيش الناس فيها وماذا يأكلون، وعن تناقضات السياسة فيها، وعن عادات شعوبها وأحزابها وقضائها وانتخاباتها وفتاواها واجتهاداتها وتناقضاتها”.
  • يبدو أن الفتاة الباريسية “الكركورة” قد ألهبت شهية السعدني، لا لعرضها الليلي بل لكشف مزيد من سمات العصر الحميري كما عرفه. فهناك حروب أهلية يقتل فيه الأخ أخاه، وأحزاب متصارعة لا تتفق، وانتخابات مزورة تبلغ نتائجها عادة بالمائة مائة إلا كسر عشري، وبطر أهل العروش بكروشهم ومجونهم، والدرجات العلمية التي تُشترى بالمال. يذكر المؤلف هنا تجربته حين استلم رئاسة التحرير لصحيفة في بلد حميري، من نظيره السابق الذي كان يحمل لقب (دكتور)، بينما يكتشف بمحض الصدفة أنه لا يقرأ ولا يكتب!.
  • وبعد أخبار عن جلد الحمار ولبن الأتان ومالها من استطباب وعلاج ومنافع تتهافت لأجلها دول العالم، بل وتقيم لها أنصاب تذكارية وتخصص لها أياماً احتفالية، ومسابقات تستعرض فيها إطلالتها ورشاقتها ….، وبعد أخبار أخرى تتحدث عن ثارات عشائرية سُفكت فيها دماء الرجال كرمى لحمارة قوم فاتنة اغتصبها حمار قوم صبياني ….، وبعد قصص تتبعها قصص، وأقوال وأحداث وفضائح ومظالم لا تجري سوى في بلاد الحمير، يختم الحمار الحكيم قوله في مسك محللاً أصل المعضلة، وعلّة الظلم والعنف والهوان الذي أسقطه الإنسان العربي على مخلوق الحمار، سواء كان مادياً بالضرب أو معنوياً كمضرب مثل في الغباء: فلو تحققت لهذا الإنسان أبسط وسائل العيش الكريم والرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية، وأجواء الأمان والاستقرار والحرية والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وغيرها من الحقوق الإنسانية، لما تورط بتلويث يديه بالدم والرصاص والفوضى والمذابح والحرائق والخراب والاقتتال مع أبناء جلدته، وتدمير بلاده، ولما أنكر مكافأة الحمير ورعايتها وشكرها على صبرها وجلدها وشقائها معه في أحلك ظروف الأيام والسنين، من دون أن ترتكب جرماً واحداً بحق أبناء جلدتها أو بحق الإنسان“.

……. ويستيقظ أبو صماخ على قرع باب حجرته، حيث افتقده فريق عمل (فندق الحمار الديمقراطي) الذي يقطنه، ولم يشاهدوه ذاهباً إلى عمله كعادته منذ أربعة أيام! لم يكن وضعه طبيعياً على الإطلاق، الأمر الذي تحتم استدعاء الإسعاف لنقله، وهو في حالة بين إغماء وإعياء وذهول، تراءى له فيها شبح جحش أبيض يقف على منعطف قريب منه، كسيراً .. دامع العينين.

على مستوى شخصي، فقد قرأت كتاب (النباهة والاستحمار) للمفكر الإيراني د. علي شريعتي، الذي أشار إليه د. طه جزاع في كتابه، وقد شدّتني درجة الوعي والجرأة والمصداقية في فضح واقع تعس ينعم به الجهلاء وهم كثر، بينما يفطن له قلة أمثال شريعتي، وهو الذي كان يحمل فكراً سابق لأوانه! ومن جملة ما قال، استحضر رأيه في حرية الإنسان وتحديد مصيره: “إذا غير الإنسان ذاته وطبيعته فإنه قادر على تغيير مصيره ومصير تاريخه، ولا يرتبط هذا بالجسم والمال والمقام .. والذي يبقى للفرد إنسانيته فقط”. أما رواية (مزرعة الحيوان) للأديب الإنجليزي جورج أورويل، والتي أشار إليها المؤلف كذلك، فقد قرأتها أيضاً رغم قلة قراءتي للروايات. أسترجع من أجوائها كم كان الحمار (بنجمين) حكيماً حين آثر الصمت في خضم ما كان مستشرياً في المزرعة من فساد يتزعمه الخنازير .. وذلك لاستحالة تحويلها من دستوبيا إلى يوتوبيا.

أما عن الفضول الذي دفعني لمزيد من البحث في هذا المخلوق الرهيف، فقد فوجئت بمعلومة مفادها أن المسلمين يُطلقون على كل مائة عام اسم (حمار)، استنباطاً من الآية الكريمة (قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) في قصة عزير عليه السلام وحماره .. ولا أعلم مدى المصداقية في هكذا تقليعة .. تبدو لي وكأنها تحاكي مناسبة اليوبيل اليهودي!. أما (أبو عبد الملك مروان الثاني بن محمد) والذي كان آخر الخلفاء الأمويين، فقد تضاربت الأقوال في سبب تلقيبه بـ (مروان الحمار). فمنهم من عزاه إلى شجاعته وصبره في الحروب، ومنهم من قال لغباء وبلادة كانتا فيه! أما إسلام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي كان غير مرجواً لغلظة عُرف بها، فقد ورد عن أحد الصحابة استنكاره موقف امرأته التي لمحت رقة وداعه لهما حين قررا الهجرة، وكأنها رجت إسلامه، حيث قال لها: (والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب).

ولأن الشيء بالشيء يُذكر .. والحمار بالحمار كذلك، أسترجع موقفاً شابهُ (حمار) تعرضت له أثناء جولتي في معرض للكتاب بإحدى المدن العربية! فبينما كنت أبحث عن رواية (حمار صادق) والتي تصب في نفس المعضلة التي جاء بها الكتاب، أخطأت في دار النشر المعنية، حيث صادفتني بائعة من أرض الرافدين تجلس في خيلاء بين الموسوعات المعروضة في جناحها. وما أن سألتها عن الرواية، حتى اتسعت عيناها مستوضحة عن صحة ما سمعت قائلة: “حمار؟؟؟” وحين أكدّت لها ما سمعت وقد ابتسمتُ خجلة، أشارت قاطبة الحاجبين إلى دار النشر المجاورة قائلة: “تجدين الحمير هنا” .. وكأنها تناكف جارها!. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فلما انتقلت إلى الجناح المجاور أسأل صاحبه عن الرواية وقد قدمت اعتذاري مسبقاً بسبب عنوانها، وجدته يسلمني الرواية من فوره مستنكراً بلهجة بيروتية: “ليش بتعتزري؟”. بعد ذلك، سألته عن كتاب (خمسون فكرة يجب أن تعرفها عن الطب) الصادر عن داره، فسلمنيه كذلك قائلاً في هزؤ: “عن هاد بدك تعتزري” .. فعلاً! (بيمون) الحمار عند قوم العرب!.

في الختام، لقد احتل هذا الكتاب رقم (2) في قائمة من كتب لا تنتهي أعددتها لعام 2022، وقد جاء ضمن مجموعة راقية من طرف المؤلف كهدية لا أنساها!. لقد لفت انتباهي وأنا اختم بهذا الكتاب مجموعته المهداة، حس الفكاهة الذي يمكّنه من الكتابة في الأدب الساخر باحترافية لا تختلف عن مستوى الجودة في إصداراته الفكرية الأخرى .. فضلاً عن الخلفية الأكاديمية المرموقة، وسمت الوقار الذي يعلوه في الأغلب!

د. طه جزاع .. لمقامك الكريم عظيم الامتنان .. ووافر التحية والتقدير.

 

تاريخ النشر: أبريل 1, 2022

عدد القراءات:85 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.