الكتاب
عشق السكون: كل امرأة هاجر
المؤلف
المترجم/المحقق
أحمد الإبراهيم
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(2) 2015
عدد الصفحات
222
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/16/2018
التصنيف
الموضوع
عشق خليل الرحمن والأم هاجر .. في أعذب تصوير
درجة التقييم

عشق السكون: كل امرأة هاجر

هل من الممكن أن تلتقي الروح بالسر بالسحر بالشعر بالعذوبة بالدمع بالألم بالتراب بالحكمة بالصمت بالعشق .. بوصل من الله؟ كان هذا ما كان حقاً في قرون خلت .. في سيرة عشق كان قدرها ولا تزال أن تهاجر في الدروب وبين القلوب .. بين من سعت عشقاً ذهاباً وجيئة ففُرضت شعيرة، وبين من استغنى بيقينه عمّن سواه، فاتُخذ خليلا .. لذا، كم كان إلهامي أن تستهل الكاتبة روايتها العذبة بحديث قدسي كإهداء للقارئ .. يقول: “أنا أكبر سر للإنسان .. والإنسان أكبر سر لي”.

تحاول الكاتبة التركية الملهمة (نورية تشالاغان) في روايتها أن تسبر أغوار الشخصيات الرئيسة في قصة أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، والتي ترويها على لسان أمنا العاشقة هاجر، حيث يجمح خيالها بما كان قد اعتور في النفوس من خواطر وهواجس أثناء تلك الهجرة الربانية .. الهجرة التي بدأت بالعذاب وانتهت بالسكون.

تلعب الكاتبة باحترافية على وتر العاطفة المفعم بالروحانية، فتصور أمشاج المشاعر التي قد تكون تملكت هاجر .. كزوجة تارة، وكأم تارة، وكضرة تارة، وكيتيمة تارة، وكأمَة تارة، وكمتعبّدة تارة، وكعاشقة تارة أخرى. ومما أثرى الرواية، الترجمة الأخاذة التي قلّما يحظى بها أي كتاب مترجم، حيث تحمل كل كلمة مختارة معنى صوفي عذب وعميق لأحداث الرحلة الموغلة في النفس، وبأبعاد نورانية شاسعة .. الرحلة التي تختمها الكاتبة بمقصدها قائلة: “ما أرادت مسيرة هاجر قوله هو: كل إنسان هاجر .. والفرق بطريقة السير”.

لقد حولت أمنا هاجر كل رمز عابر في رحلتها الطويلة الصامتة إلى سر أزلي، استنطقته بحكمة وفلسفة وبصيرة .. تجاوزت بها دائرة الإيثار والغيرة والشك والهاجس، إلى السمو الروحي المتمثل في العشق الإلهي السرمدي، حيث تنعم النفس بالسكون في نهاية المطاف.

أما الرحلة الروحية التي لا لها مثيل، فتعبر خمس مراحل تقف من خلالها في محطات كثيرة، هي:

  • خطوات العشق
  • المسير وحيدة
  • كل امرأة هاجر
  • ديار الميم
  • سر العشق

هناك من يسرد القصص، فيأتي أحد أولي الألباب يستنطق عبرتها!.. وددت لو استمطرت كل ما علق في روحي من ودق الرواية التي نالت رصيد أنجمي الخماسي كاملاً، لكن رجاءي في الأسطر القادمة وما ستصف، وباقتباس في نص عذب (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

عن الأسرار:

  • ألف .. لام .. ميم .. كل حرف كنز، ولكل كنز سر، فالألف يمثل الإتحاد، واللام الأداة، والميم المكان .. شفرات حكاية مفعمة بالأسرار .. “كانت الميم انعكاس السر على الوجود”.
  • أول جريمة يرتكبها الظالم هو منع الكلام، فلا يحق للظلم أن يتحول إلى كلمات .. أما ترى الحارس يحكم قبضته على الفم المستغيث؟ بل ويتجرأ فيحبس الدمع؟ إذ أنه تعبير صامت عن الاعتراض!.. يصبح الصمت لغة، حين يعجز الكلام.
  • قُتلت محظية فرعون .. فبأي ذنب؟ تطاير شعرها والجلاد يمسك به، كما آمالها التي أرادت أن تتمسك بجسدها الغض، وآخر زفراتها تشهد: “لا زلت يافعة .. فدعوني أعيش”!.
  • يا لهول التناقض أمام النيل الجبار!.. لطالما وقفت أمامه يحذوها الأمل بعطائه، وهو لا يزال يحتضن كل يوم جسداً غضاً جديداً.
  • أُوكل لكل خبر أرجل .. وأرجل خاطفة، لا تبرح وقد وصلت بأعجوبة إلى كل الأبواب .. “ألا يقولون رجلا الخبر سريعة ويصل إلى كل الأبواب؟”.
  • عندما تتزلزل العاطفة، يجد الحزن له مكاناً في الحلق قبل القلب .. فيا للشقاء!.
  • عندما يلملم النهار أذياله ويفسح مكانه لليل .. يهلّ ويداعب بسحره حزن الأنوثة الغريب.
  • يتنكر الماضي في صورة صديق وفي، يشدّ القلب إليه ويرغم المستقبل للنظر إلى الوراء .. في العودة إلى الماضي كم من الذكريات لأحداث جرت، أمّا المستقبل فرحلة إلى أحلام قد لا تتحقق!.
  • لمَ يتمسك المرء بالماضي، فيعيش فيه وينسى الحاضر؟ أهي علامات شيخوخة؟ أم ضياع أمل؟
  • هل حقاً (البشارة مؤلمة)؟ قد يسبق الفرح رسول من الألم، وقد توقظ البشارة المرء من غفلته بشعور أليم في روحه!.
  • تصغر الهموم عندما يتم تقاسمها، وتهدأ وطأتها عند البوح بها. بيد أن الحزن يبقى سر الإتحاد، فلا يمكن تجزئته بغرض تقاسمه، وعندما يلقي الله بهذا الحزن في قلوب من يحبهم، تراهم يتمسكون به، ويسلكون فيه خطوة بخطوة طريق العبودية إليه وحده.
  • تقاس الصداقة بمدى تقاسم الأصدقاء همومهم.
  • كم هي قاسية ردود فعل الجسد! فرغم المكابرة، يبرز الحزن جلياً في العين، وتتعرج خطوط الألم على أطراف الشفاه.
  • قد ينهمر الدمع أنهاراً، فتتعجب النفس متسائلة: أمن عين واحدة ينهمر كل هذا السيل؟
  • وحدة الروح في الذات المنطوية كفيلة بسماع صوت العاطفة حين اضطرابها، فيصبح الإصغاء هو الحل، وإلا .. يتوحش القلق ويستحكم الحزن!. كم هي رقيقة تلك العاطفة الممتدة من الله لنا .. هي وسيلة الحديث معه، ولا حدود لهذا الحديث. “ما هي هذه العواطف؟ كم هي حساسة وكم هي رقيقة سهلة الكسر وكم لديها من الأشياء التي تريد قولها لنا. كل عاطفة عبارة عن هاتف ممتد من ربنا إلينا .. هي طريقنا للحديث معه ولا شك بأن الكلام القادم منه لا حدود له”.
  • قطرة قوة يهبها الله، كفيلة بالانتصار على أعتى جبابرة الأرض.
  • توهب الحكمة في الطرق والمسير!. هكذا تلقفها الأنبياء .. المسافرون دوماً في الحياة .. “جبلت حياة الأنبياء بالدروب .. كان كل واحد منهم كمسافر دائم في هذه الحياة. لم يقيموا في مكان .. لم يصبحوا سكان دائمين في أي منطقة. من يعلم أي حكمة جعلت الطرق والمسير الدائم تطوق حياتهم”.
  • المحبة تنبع من النفس، والعشق يفيض من القلب .. ولأن المحبة ترتبط بالجسد فتبحث عنها في المكان، أما العشق فلا يحده زمان ولا مكان.
  • يكمن العشق في الروح لا في العين .. ويُقرأ في القلب عندما يصمت اللسان.

وعن رفقاء العشق:

  • قضى النمرود اللدود بالحرق، فلطالما توعد إبراهيم العصاة بعقاب النار، فكان جزاؤه -كما ظن- على قدر إيمانه واعتقاده. توارت الشمس في ذلك اليوم .. أكان خجلاً أم خوفاً؟
  • اليقين في الدعاء، وكل لحظة من الحياة هي دعاء .. هكذا كان إبراهيم، أما نحن فننسى بأن الله رقيب علينا في كل حال، فيأتي الدعاء ليذكرنا بما نسيناه .. هكذا جاء رد سارة استنكاراً على سؤال الجارة الساذج: لمن هذه النار .. ألم يدعو إبراهيم ربه؟ غير أن تلك الجارة كانت على قدر من الفطنة لتستدرك أمور أخرى طرأت على جارتها سارة .. أمور كانطفاء البريق وغياب الحيوية والحزن الطاغي .. “كانت الجارة الذكية تعلم أن ضـربات قلب الإنسان تزداد سرعة عندما يفكر بأشياء سيئة، وأن ردود فعل الجسد الفيزيائية على الأفكار السيئة تؤدي إلى بعض التغيرات، وبأن الأفكار السيئة مدمرة”.
  • الصداقة الحقة لا تتطلب وساطة، ولا تتقاسم الأسرار، ولا تتحمل سوء الظن .. معان تجلت لسارة وهي تتحدث عن الخليل وربه كما اتخذه.
  • مكث إبراهيم أياماً سبعة وسط سلام النار الباردة، فافترش معه جبرائيل بساط الجنة الذي احضره معه، وتجاذبا أطراف الحديث بسعادة.
  • أبحرت سارة المسنة بين أطياف ذاكرتها البعيدة علّها تجد أمها وتتمسك من جديد بذيل ثوبها، في رغبة تواقة للأمومة، ولطفل يتمسك بطرف ثوبها هي أيضاً!.
  • صمتت هاجر بقدر ما ستروي عنها العصور .. صمتت لأنها قد علمت بأن أصحاب الكمال يترفعون عن الكلام وقد وجدوا في الصمت كمالهم .. آثرت هاجر الصمت بينما فاض من سارة الكيل .. كانت الأولى شابة بقدر ما كانت الأخرى عجوز .. “صمتّ لأنني أعلم أن أصحاب الكمال يجدون بالصمت كمالهم”.
  • أصبح حزن هاجر مع حزنها على إبراهيم حزنين .. فيا لمأزق قلبه الحنون بين قلبين تقاسما عشقه!.
  • حاولت هاجر الهروب، ولوهلة أدركت أنه أول معنى لإسمها .. عجباً كيف انعكس الاسم على المصير!.
  • تساءلت هاجر وهي تشعر بغصة الغربة: أهي الصحراء أم مرارة اليتم؟
  • في جوف الصحراء، لمحت هاجر النبع .. كانت أول مواساة لها من الله .. هرولت رجليها واتحدت روحها والماء .. كم أن للماء سحر، يروي الأيدي الجافة والوجه الذابل، ويطفئ شعلة الاحتراق في مقلة العين.
  • عند النبع، تجسدت خواطر هاجر في صور مرئية .. فتلك الشجرة بجانب النبع قد ظللت روحها، وخرير الماء يشبه صوت الصديق المواسي .. للنيل أيضا أيد طويلة وعريضة، كم كان يبعث الحياة في صوت موجه الرخيم وطلاسمه الغامضة .. يا لصبر هذا الماء عند النبع! كم هو خاضع للتراب وهو يجري في ثوبه!.
  • كان النبع يجري عندما سقطتا عينا هاجر كالبحيرتين على الماء، فعند الماء أتت البشارة .. الماء عزيز، والولد القادم كما الماء عزيز .. حينها تدفقت روح هاجر كالماء عائدة إلى البيت، غير مبالية بسارة.
  • أتى جبرائيل مواسياً!.. ألهاجر؟ أم لأبنها الذي حمل روح أمه الحزينة؟ .. لا حدود للسر الأزلي.
  • إلى أبعد مكان .. فلا الرياح تحمل خوفهما، ولا البشر يأتون بأخبارهما، ولا الطبيعة تسمع آهاتهما .. هكذا قررت سارة مصير هاجر وابنها .. “راقت هذه الأمنية لسارة فراحت ترددها لنفسها عدد من المرات: (ليذهبا)”.
  • قاطع الكلام إبراهيم وسارة، وانكسرت الكلمات بينهما وتباعدت أحاديثهما، حيث صمتت سارة، وصمت إبراهيم، مع قرار الإبعاد المجحف .. في أجواء القرار الباردة التي طغت، ووسط غضب سارة المشتعل، سرت قشعريرة، وحدق إبراهيم بحنان في وجه هاجر المشرئب صفرة وألم.
  • في (عشرة) من محرم وعند المخاض، وحين اصطفت حبات العرق على الجبين، كرذاذ ماء فوق التراب، وكتصدع نواة عن ثمرة فوق غصن .. تراءت لهاجر طلاسم الأرقام وتكشفت أسرارها .. عشرة .. أنه الخلاص، فهو يوم قبول توبة آدم، والتقاءه بحواء بعد الفراق، وميلاد الحبيب إبراهيم .. “فيما بعد سيقول المتحدث باسم الماضي الذي يسمّونه تاريخ، وهو يعد هداياه المباركة: في العاشر من محرم .. ولد النبي إسماعيل .. النبي إبراهيم صار أباً .. قبضت هاجر على سر الأنوثة .. جاء نور الكائنات .. نضجت الثمرة”.
  • لا يضاهي جمال بابل وهوائها وعروشها شيء، إلا أن بركة إبراهيم كانت تحل أينما حلّ.
  • وعن فراق آخر .. “أخيراً وصلنا إلى مصر. ولكننا قبل وصولنا إلى مصر كنا قد عشنا فراقاً آخر، فلقد فارقنا الحبيب لوط ابن أخ إبراهيم الذي يحبه كثيراً وتركناه مع بعض المؤمنين لقوم مسعورين، كانت حياة إبراهيم قائمة على الفراق الدائم .. كان يفارق الذين يحبهم فرداً فرداً”.
  • الرحلة إلى مصر كانت قطعة من العذاب، لكنه دعاء هاجر الذي جلب كل هذه الأمة .. هكذا تحدثت سارة بغيرة .. “كل هؤلاء الناس قد خرجوا من أجل دعاء هاجر”.
  • هاجر .. ذات الوجه الأسمر المحمرّ خجلاً، ذات العينين السوداوين المتدفقتين كالنيل، ذات الجسد الناعم والأنامل الرفيعة .. كان هذا اطراء سارة!.. أكان إعجاباً حقاً أم خاطرة غيرة؟
  • كان قد كُتب على إبراهيم فراق من يحبهم .. قد راق لسارة اكتشاف هذا السر، إذ سيهجر هاجر وابنها معاً، وقد كُتب على هاجر الهجرة من فلسطين، فأصبحت فلسطين تبكي كل من يتخذها وطناً، وستتحول إلى دمعة، تبكي بقدر ما أبكت هاجر .. “فلسطين وطن الفراق .. فلسطين التي تُبكي كل من يتخذها وطناً .. منذ الآن سيصبح اسم فلسطين اسماً للوطن الذي لا يريد الأمهات ولا يريد الأولاد”.
  • وعند إبراهيم .. سلامة القلب تعني الكثير: لا تؤذي الغير، ولا تنتظر على الجميل مكافأة.
  • ومن دموع هاجر المنهمرة تدفق النبع في الصحراء .. بركة للعالمين إلى يوم يبعثون.
  • تلقفت الأرواح دعوة إبراهيم، فهاجرت الأفئدة إلى هاجر وابنها في ذلك الوادي القاحل، عند البيت المحرم، وأصبح حقاً على كل مسلم أن يهاجر – كهجرة هاجر- مرة واحدة في عمره إليه .. “طارت روحه إلى مطارح لوح الغيب التي يدعونها الرؤيا .. أخبره ربي بأن إخراجي وإسماعيل من البيت قرار جيد”.
  • كانت الكعبة وهي بيت الله (قلباً) والعشق مفتاحها، وقد تجلى قلب هاجر داخل جسدها (كعبة)!.. من يصل إلى سر المفتاح في قصتها يصل إلى سر الكعبة.
  • “اتشحت الكعبة بالسواد مثلي، واكتسى حجر الجنة بالسواد مثلي .. كل شيء في بكة يشبهني”!.. هكذا تجود روح هاجر بعد مُضي العمر!.

………… والكثير الكثير من الأسرار!.

منذ نعومة أظفاري، تملكني حب أبوي لإبراهيم الخليل، وها هو يتدفق عشقا بعد أن جعلت مني هذه الرواية (هاجر أخرى). لا تزال عيناي الطفوليتان تبصرانه في السماء السابعة .. الحليم الأواه المنيب .. ذقنه الأبيض كما قلبه السليم.

(كل امرأة هاجر) .. رواية عشق لا يُشبهها شيء!!.

تُرى!؟ كم من (هاجر) تحمل رواية عشق .. لم تُروى بعد؟!

تاريخ النشر: نوفمبر 23, 2021

عدد القراءات:20 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *