الكتاب
عدالة السماء
المؤلف
دار النشر
دار وحي القلم
الطبعة
(3) 2014
عدد الصفحات
108
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/27/2018
التصنيف
الموضوع
القصاص الإلهي ولو بعد حين
درجة التقييم

عدالة السماء

“وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ” .. يجمع هذا الكتاب القصير بين دفتيه نزراً من وقائع شهدت على ظلم بني البشر حين جاءت عواقبها من جنس جورها، مصداقاً لوعيد الله تعالى في الآية الكريمة، حيث وقع القصاص العادل على من طغى وبغى، جزاءً وفاقا .. ولو بعد حين.

يعرض فهرس الكتاب أحد عشر عنواناً عن قصص إنسانية مؤلمة وقعت أحداثها بالفعل، منها ما هو مبكٍ ومنها ما هو مشوب بفرح في خواتيمها، تستحق التمهّل والتدبر والاستبصار واستخلاص العبر، قد شهد الكاتب شخصياً على بعض منها. وقد جاءت جميعها في أسلوب أدبي بديع خالص من أي تكلّف لغوي، فإنما القصد هو العبرة وإنما هو عمل يُرجى به وجه الله وحده. أما عن سر نجاح الكتاب الذي أصبح الشغل الشاغل للمنصات الإذاعية ووسائل الإعلام وحديث الناس وقت إصداره، لا سيما مع ترجمته إلى لغات أخرى، فإنما يعود لفضيلة الصدق كما يؤكد الكاتب، إذ يقول في مقدمة كتابه: “إن الكلمة الصادقة هي التي تفيد الناس، لأنها تؤثر فيهم، وهي التي تمكث في الأرض ولا تذهب جفاء .. والكلمة الصادقة إذا أراد بها كاتبها أو قائلها وجه الله، أثمرت مرتين، وأتت أكلها حلالاً طيبا”.

وعن الكاتب، فهو محمود شيت خطاب (1919 : 1998) يعود في أصله إلى مدينة الموصل الواقعة في شمال العراق. التحق بالعمل الدبلوماسي كوزير، والعسكري كقائد حيث شارك في حرب فلسطين عام 1948، وله من المؤلفات ما تتجاوز المائة وستين كتاباً في العلوم الدينية وكذلك السياسية، فضلاً عن عدد من المقالات والأبحاث المنشورة في الصحف والمجلات العربية والإسلامية.

يحظى الكتاب بثلاث نجمات من رصيد انجمي الخماسي، والتي أخصّها من بين القصص المؤثرة بالقصة الأولى التي احتلت عنوان الكتاب، وقد جاءت من عجيب تصاريف القدر وما يلحق بها من عدالة إلهية ما يدعو لتعظيم مقام الله جلّ وعلا، وباقتباس في نص من نور (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كالآتي:

على الرغم من شظف العيش الذي كان الأب الكادح يقاسيه -وهو يعيل زوجة وخمسة أطفال ووالدة مسنة وأختان- من بيع الخضار في زقاق الحي البسيط، فقد كانت الفرحة تغمرهم جميعاً لحظة رجوعه إلى البيت مساءً، وهم يستقبلونه بالتصفيق والأغاني والأهازيج، فإذا كان يحمل من اللحم شيئاً وإلا فما تبقى من خضار كاسد يكون عشاؤهم الذي يحمدون الله عليه حمداً كثيرا، وينعمون بنوم دافئ في الحجرة الضيقة التي تضمهم فرداً فرداً مع ما يحيط بهم من أمتعة مكدّسة في زواياها “لا يتمنون على الله غير الستر والعافية وألا يجعلهم يحتاجون إلى إنسان”. تبدأ الأحداث الدامية تموج بالعائلة السعيدة مع موت الأب المفاجئ حين تصدمه مركبة وهو عائد إلى البيت يحمل بيده ما يلزم أسرته من عشاء ذلك اليوم، فيجمع الجيران الفقراء من المال الزهيد ما يلزم تجهيز الفقيد ونعشه وما يكفي يومين لمعونة العائلة المكلومة، حتى يهجر الابن الأكبر مدرسته ليحلّ مكان أبيه في بيع الخضار وهو ابن خمسة عشرة عاماً، ثم يضطر إلى تركه بعد ثلاثة أعوام للالتحاق بالتجنيد الإجباري. وما يلبث الأمر كذلك حتى يتبعه الأخ الذي يصغره وهو على وشك إكمال دراسته في المرحلة الإعدادية حيث فرصة الحصول على عمل جيد، فلا تجد الأم بد من بيع بيتهم المتهالك الذي لا يملكون سواه من أجل سداد نفقاتهم ودفع البدل النقدي عن خدمة ابنها العسكرية. وبعد عملية البيع التي تستغرق وإجراءاتها الرسمية ما يقارب شهراً كاملاً، تستقل الأم مركبة أجرة لتلحق بموعد السداد الذي لم يبق عليه سوى يوم واحد في مدينة مجاورة، وذلك بعد انتظارها طويلاً في موقف الحافلات التي تأخرت عن موعدها، فتدفع للسائق أجرته مقدماً، وينطلق مستفرداً بها. وأثناء الطريق الجبلي الوعر يستمع لقصتها، وحيث يلعب برأسه الشيطان طمعاً في المال المتبقي بحوزتها، يعمد إلى تغيير مسار الطريق بعيداً نحو واد صخري سحيق، فيسحبها عنوة نحو أغواره ويطعنها بخنجره عدة طعنات ويسلبها ما جمعته من مال ويغادر تاركاً إياها تغرق في بركة من دمائها. غير أن المجرم لا بد وأن يحوم حول جريمته، ففي أثناء عودته من المدينة التي قصدها وأقلّ مجموعة من الركّاب مارّاً في طريقه إلى جانب الوادي السحيق، يستأذنهم بحجة قضاء حاجته، فيركن مركبته، ويهبط إلى ذلك المنحدر في الوادي السحيق ليعاين ضحيته وما آل إليها المصير، حتى يُفاجئ ببقائها على قيد الحياة تأنّ مضرّجة في دمائها، فيلعنها قائلاً: “ملعونة! ألا تزالين على قيد الحياة حتى الآن؟” ثم يعمد من فوره إلى صخرة كبيرة يحملها بثقلها ليلقيها على رأسها الجريح ويضمن هلاكها الأبدي، فما كاد أن يهم حتى يضجّ المنحدر المنعزل إلا من الهوام بصراخه الذي جلب نحوه الركّاب، إذ بحية ضخمة كانت تتربص له تحت الصخرة تلدغه في التو! فيتدّخل الركّاب وتنقلهما سيارة الإسعاف، ويموت السائق بالسم الزعاف، وتعيش الأم، ويهجر الناس ذلك الوادي الذي أصبح شؤماً تسرح فيه الأفاعي وتعوي بين جنباته الذئاب. يستمر الكدح وعطاء الجيران وتمر الأعوام ويكبر الأبناء، فيتخرج أحدهم طبيباً والآخر مهندساً والآخر ضابطاً بعد أن توسعت تجارة الابن الأكبر وأصبح تاجراً كبيراً. ثم يتساءل الكاتب في ذهول: ماذا لو لم تستقل الأم هذه المركبة واتخذت أخرى تذهب بها في طريق معاكس، أو إلى المدينة المعنية متأخرة عن موعد السداد؟ وماذا لو لم يعود السائق بعد فعلته تحت الظلام الدامس؟ وماذا لو لم تبرز الحية ويتكالب الركّاب على صراخ المجرم؟ لقد كان مسرح الجريمة وادياً موحشاً خالياً من الماء والكلأ فلا يقصده الرعاة، وكان سفحه ينحدر انحداراً شديداً ما يمنع الناس من ارتياده في العادة، “وما كانت المرأة الجريحة لتسلم من الموت الأكيد لو لم يعد إليها الجاني مدفوعاً بغريزة حب الاستطلاع، وبالقوة الخفية التي هي القدر”. وهناك، قرب الجسر الكبير في مدينة بغداد على ضفاف نهر دجلة المتدفق والمتلألئ في ضياء تحت نور القمر، وفي المنزل الوثير الذي أصبح يجمع أفراد العائلة الكبيرة وقد تزوج الأبناء وكثر عدد الأحفاد، يدعو الابن الكبير -الذي كان خضرياً وحسب- الكاتب في يوم من أيام عام (1385 هـ) ليقابل والدته الصابرة شخصياً، ويسألها وجهاً لوجه عمّا أحاط به من خوارق اللامعقول في هذه الحياة المادية لا يفسّرها سوى مشيئة الله العلي القدير التي لا يحدّها حد .. “وجاءت الأم وقد أحاطت شعرها الأبيض بغلالة بيضاء، وفي وجهها نور، وعلى قسماته ابتسامة، وعلى لسانها ذكر الله .. وروت لي قصتها كاملة، فقلت لها: «وماذا كان شعورك حين تركك الجاني وحيدة تنزف جروحك دماً في بطن الوادي السحيق؟». فقالت والإيمان الصادق يشع من كلماتها: «كنت أخاطب الله عز وجل قائلة: يا جبار السموات والأرض أنت أعلم بحالي! فهيء لي بقدرتك القادرة أسباب دفع البدل النقدي عن ولدي، ليعود إلى أهله ويعيلهم .. يا رب». واستجاب الله دعائها وأعاد إليها مالها وولدها، وانتقم لها من خصمها، وبدل حال العائلة كلها إلى أحسن حال”. يعقّب الكاتب وهو متيقّن بتدبيره تعالى التي لا تجري على مقاديره الصُدف، قائلاً: “إن الناس يغفلون وينامون، والله وحده لا يغفل ولا ينام، وما من دابة إلا على الله رزقها، والله لا ينسى رزق النملة في الصخرة القاسية وسط عباب المحيط، فكيف ينسى أرزاق الأرامل واليتامى؟! والناس يخشون الناس، والله أحق أن يخشوه .. والله يُمهل ولكن لا يُهمل .. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب”.

وأختم كما ختم الكاتب كتابه موجهاً سؤاله إلى القارئ بعد أن اطلع على (عدالة السماء) في عواقب الأمور: “هل يمكن أن يحدث كل ما حدث صدفة؟”
حقاً! إنه يُمهل ولا يُهمل ..
و “إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ”.

 

تم نشر المراجعة على صحيفة المشرق العراقية في 21 ديسمبر 2022 – صفحة (10)

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (51) ضمن قائمة من (52) كتاب قرأتهم في عام 2018 تتضمن كتابين لم أتم قراءتهما، وهو سابع كتاب اقرؤه في شهر ديسمبر من بين ثمانية كتب، والذي حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

وللكاتب -إضافة إلى هذا الكتاب- كتب أخرى تصطف فوق أرفف مكتبتي الغرّاء، هي: فتوح البلدان الإسلامية / قادة فتح الأندلس / تدابير القدر / أقباس روحانية / نفحات روحانية.

من فعاليات الشهر: لا شيء سوى استغلال الوقت الضائع من العام لقراءة المزيد، غير أن هذا الشهر لم تزد الكتب المقروءة فيه عن الشهر السابق إلا بواحد.

تسلسل الكتاب على المدونة: 122

 

تاريخ النشر: مارس 23, 2022

عدد القراءات:235 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *