الكتاب
عدالة السماء
المؤلف
دار النشر
دار وحي القلم
الطبعة
(3) 2014
عدد الصفحات
108
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/27/2018
التصنيف
الموضوع
القصاص الإلهي ولو بعد حين
درجة التقييم

عدالة السماء

“وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ” يضم الكتاب النزر اليسير من وقائع شهدت على ظلم بنو البشر وجاءت عواقبها مصداقاً لوعيد الله تعالى في هذه الآية الكريمة، فأتى القصاص العادل لمن طغى وبغى .. ولو بعد حين!.

يعرض فهرس الكتاب أحد عشر عنواناً عن قصص إنسانية حدثت فعلاً .. منها ما هو مبكٍ ومنها ما هو يبعث على الفرح، تستحق التمهل والتدبر واستبصار العبر، قد شهد الكاتب شخصياً على بعض منها. وقد جاءت جميعها في أسلوب أدبي بديع خالص من أي تكلّف لغوي، فإنما القصد هو العبرة وإنما هو عمل يُرجى به وجه الله! أما عن سر نجاح الكتاب الذي أصبح الشغل الشاغل للمنصات الإذاعية ووسائل الإعلام وحديث الناس، فإنما هو يعود لفضيلة (الصدق) كما يؤكد الكاتب، إذ يقول في مقدمة كتابه: “إن الكلمة الصادقة هي التي تفيد الناس، لأنها تؤثر فيهم، وهي التي تمكث في الأرض ولا تذهب جفاء”.

يحظى الكتاب بثلاث نجمات من رصيد انجمي الخماسي، والذي أقتطف من بين قصصه المؤثرة القصة الأولى التي احتلت عنوان الكتاب والتي تأتي من عجيب تصاريف القدر وما يلحق بها من عدالة إلهية ما يدعو لتعظيم مقام الله وحده، وباقتباس في نص من نور (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كالآتي:

على الرغم من شظف العيش الذي كان الأب الكادح يقاسيه -وهو يعيل زوجه وخمسة أطفال ووالده مسنة وأختان- من بيع الخضار في زقاق الحي البسيط، فقد كانت الفرحة تغمرهم جميعاً لحظة رجوعه إلى البيت مساءً، فإذا كان يحمل من اللحم شيئاً وإلا فما تبقى من خضار يكون عشاءهم الذي يحمدون الله عليه حمداً كثيرا، وينعمون بنوم دافئ في الحجرة الضيقة التي تضمهم مع ما يحيطهم من أمتعة مكدّسة بها. تبدأ الأحداث الدامية تموج بالعائلة السعيدة مع موت الأب المفاجئ حين تصدمه مركبة وهو عائد إلى البيت يحمل بيده ما يلزم أسرته من عشاء اليوم، فيهجر الابن الأكبر مدرسته ليحلّ مكان أبيه في بيع الخضار وهو ابن الخامسة عشر، حتى يضطر إلى تركه بعد حين للالتحاق بالتجنيد الإجباري. وما يلبث الأمر كذلك حتى يتبعه الأخ الذي يصغره وهو على وشك إكمال دراسته في المرحلة الإعدادية، فلا تجد الأم بد من بيع بيتهم المتهالك الذي لا يملكون سواه من أجل سداد نفقاتهم ودفع البدل النقدي عن خدمة ابنها العسكرية. تستقل الأم مركبة أجرة لتلحق بموعد السداد الذي لم يبق عليه سوى يوم واحد في مدينة مجاورة، فيستمع السائق لقصتها الذي يلعب به الشيطان فيعمد إلى سحبها نحو منحدر معزول ويطعنها بخنجر ويسلبها ما جمعته من مال ويغادر. غير أن المجرم لا بد وأن يحوم حول جريمته، ففي أثناء عودته من المدينة التي قصدتها الأم، يستأذن الركاب الذين يقلّهم بحجة قضاء حاجته، فيهبط إلى ذلك المنحدر في الوادي السحيق ليعاين ضحيته، حتى يُفاجئ ببقائها على قيد الحياة حتى تلك اللحظة وهي مضرّجة بدمائها، فيعمد فوراً إلى صخرة كبيرة يحملها بثقلها ليلقيها على رأسها ويضمن موتها، فما كاد أن يهم حتى يضجّ المنحدر بصراخه الذي جلب نحوه الركّاب، إذ بحية ضخمة كانت تتربص له تحت الصخرة فتلدغه في التو، فتنقلهما سيارة الإسعاف، ويموت بالسم الزعاف، وتعيش الأم، ويهجر الناس ذلك الوادي الذي أصبح شؤماً تسرح فيه الأفاعي وتعوي بين جنباته الذئاب. يستمر الكدح وعطاء الجيران وتمر الأعوام ويكبر الأبناء، فيتخرج أحدهم طبيباً والآخر مهندساً والآخر ضابطاً بعد أن توسعت تجارة الابن الأكبر وأصبح تاجراً كبيراً. فيتساءل الكاتب: ماذا لو لم تستقل الأم هذه المركبة واتخذت أخرى تذهب بها في طريق معاكس أو إلى المدينة المعنية متأخرة عن موعد السداد؟ وماذا لو لم يعود السائق بعد فعلته؟ وماذا لو لم تبرز الحية ويتهافت الركّاب على صراخ المجرم؟ وهناك .. قرب الجسر الكبير في مدينة بغداد على ضفاف نهر دجلة، وفي المنزل الوثير الذي أصبح يجمع أفراد العائلة الكبيرة وقد تزوج الأبناء وكثر عدد الأحفاد، يدعو الابن الكبير -الذي كان خضرياً وحسب- الكاتب في يوم من أيام عام (1385 هـ) ليقابل والدته الصابرة شخصياً، ويسألها وجهاً لوجه عمّا راوده من أمور لا تفسير لها سوى قدرة الله العلي القدير .. “وجاءت الأم وقد أحاطت شعرها الأبيض بغلالة بيضاء، وفي وجهها نور، وعلى قسماته ابتسامة، وعلى لسانها ذكر الله .. وروت لي قصتها كاملة، فقلت لها: «وماذا كان شعورك حين تركك الجاني وحيدة تنزف جروحك دماً في بطن الوادي السحيق؟». فقالت والإيمان الصادق يشع من كلماتها: «كنت أخاطب الله عز وجل قائلة: يا جبار السموات والأرض أنت أعلم بحالي! فهيء لي بقدرتك القادرة أسباب دفع البدل النقدي عن ولدي، ليعود إلى أهله ويعيلهم .. يا رب». واستجاب الله دعائها وأعاد إليها مالها وولدها، وانتقم لها من خصمها، وبدل حال العائلة كلها إلى أحسن حال”. يعقّب الكاتب قائلاً: “إن الناس يغفلون وينامون، والله وحده لا يغفل ولا ينام، وما من دابة إلا على الله رزقها، والله لا ينسى رزق النملة في الصخرة القاسية وسط عباب المحيط، فكيف ينسى أرزاق الأرامل واليتامى؟! والناس يخشون الناس، والله أحق أن يخشوه .. والله يمهل ولكن لا يهمل .. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب”.

وللكاتب -إضافة إلى هذا الكتاب- كتب أخرى تصطف فوق أرفف مكتبتي الغرّاء، هي: فتوح البلدان الإسلامية / قادة فتح الأندلس / تدابير القدر / أقباس روحانية / نفحات روحانية. وكما تعرض شبكة المعلومات، فهو كاتب من مدينة الموصل الواقعة في شمال العراق (1919 : 1998)، التحق بالعمل السياسي كوزير، والعسكري كقائد شارك في حرب فلسطين عام 1948، وله من المؤلفات ما تتجاوز المائة وستين كتاباً في العلوم الدينية وكذلك السياسية، فضلاً عن عدد من المقالات والأبحاث المنشورة في الصحف والمجلات العربية والإسلامية.

وأختم كما ختم الكاتب كتابه موجهاً سؤاله إلى القارئ بعد أن اطلع على (عدالة السماء) في عواقب الأمور: “هل يمكن أن يحدث كل ما حدث صدفة؟”

حقاً! إنه يُمهل ولا يُهمل ..

و “إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ”

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: كان تسلسل الكتاب (51) ضمن قائمة من (52) كتاب قرأتهم في عام 2018، وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام .. ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: مارس 23, 2022

عدد القراءات:143 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.