الكتاب
صديقي ما أعظمك
المؤلف
دار النشر
دار الشروق للنشر والتوزيع
الطبعة
(2) 1996
عدد الصفحات
116
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/07/2022
التصنيف
الموضوع
كم أنت عظيم .. برأي كاتب حكيم
درجة التقييم

صديقي ما أعظمك

وكل ما هو جميل في الداخل، يغدو في الخارج .. على صفحات هذا الكتاب!

فهنا، يغدو القارئ الذي اعتبره الكاتب صديقاً له .. عظيماً، يشيد بعظمته حين يصغي لصوت الآخرين فلا يستأثر برأيه، وحين يعرف قدراته من خلال إدراكه الواعي بنقاط ضعفه وقوته، فيوجهها نحو الطريق الذي سيحمله نحو ما يصبو إليه .. وهو الإنسان الذي عرّفه الأديب الإنجليزي شكسبير على لسان هاملت “أعجب مخلوقات هذا الكون .. ما أعظمه وما أغربه”.

وعن صديق القارئ العظيم .. فهو محمد عبد الوهاب مطاوع (1940 : 2004)، الكاتب والصحفي المصري الذي حرر (باب بريد الجمعة) الأسبوعي في جريدة الأهرام المصرية خلال ما يقارب ربع قرن من الزمان، وساهم في زيادة نسبة التوزيع للأعداد الصادرة منها في ذلك اليوم بالتحديد .. فقد كان يتلّقى أسبوعياً الآلاف من رسائل القرّاء وهي تحمل هموماً مادية أو صحية أو عائلية أو اجتماعية، فيتصدّى لها بأسلوب أدبي إنساني رفيع يجمع بين ثراء العقل وجزيل الحكمة مدعماً بالمأثور من القول، وبمجهود شخصي يعينه فيه فريق عمله من أجل إعانة أولئك القرّاء واستقبال من أمكن منهم في مكتبه، حتى استحق لقب (صاحب القلم الرحيم) .. رحمه الله. وبالإضافة إلى المناصب التي تدرّج فيها خلال عمله الصحفي حتى وصل إلى منصب رئاسة التحرير، فقد أصدر زهاء خمسين كتاباً تتضمن قصص إنسانية مختارة من بين رسائل بريد الجمعة، وشيء في أدب الرحلة، ومقالات في أروقة النفس والحياة.

هو إذاً كتاب في أدب المقالة الذي يتنقّل فيه الكاتب بين دهاليز النفس العميقة وبين أروقة الحياة على اتساعها، ليجود من درر الحكمة ما يعزز عظمة الإنسان .. صديقه! والمقالات التي نال بها الكتاب من رصيد أنجمي الخماسي ثلاث، هي:

  • ‎مانجريا
  • ‎صديقي ما أعظمك
  • ‎انهض يا سيدى .. «الشاب»
  • ‎أشياء صغيرة
  • ‎أوراق العمر
  • ‎أنت بوذا
  • ‎اضحك بصوت عال
  • ‎ليالي «التلج» .. في فينا
  • ‎لسانك سكر
  • ‎حلم صباح بارد
  • ‎عطر الأحياء
  • ‎نماذج من البشر
  • ‎نماذج أخرى
  • ‎صديقي ألكسندر
  • ‎الأستاذ مريضاً
  • ‎أراك لا تفعل
  • صخور الآخرين
  • نفثة في الهواء
  • معنى الأشياء
  • سرقوني

ومن مقالة (انهض يا سيدى .. «الشاب»)، أعرض ما أشار إليه الكاتب ابتداءً من خلال قصة رمزية عن شباب الروح الدائم مهما تعاقبت الأعوام .. وباقتباس في نص نضر (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): روى أحد الأدباء ذات يوم قصة خيالية عن مهاجر عربي هاجر إلى أمريكا الجنوبية في منتصف هذا القرن، فاحتفل به أقاربه الذين سبقوه إلى المهجر وطافوا به شوارع المدينة التي يعيشون فيها، فقادتهم أقدامهم إلى مقبرتها، وأعجب الوافد الجديد بجمال حديقة المقبرة وشواهدها الرخامية الثمينة، لكنه لاحظ خطأ شائعاً في بياناتها جميعاً! فكل شاهد منها يحمل عبارة من هذا النوع: فلان الفلاني ولد عام 1860 ومات عام 1930 وعمره عشرون سنة! أو: فلان الفلاني ولد عام 1870 ومات 1940 وعمره خمسون عاماً .. وهكذا! فلفت أنظار أقاربه إلى هذه الأخطاء في حساب الأعمار، فضحكوا منه وقالوا له إنه لا خطأ هناك، لأن الناس في هذه المدينة لا يقدرون عمر الإنسان بما عاشه من سنوات من مولده إلى رحيله، وإنما بما عاشه من لحظات السعادة .. وهكذا، فقد يكون عمر إنسان مثلاً 70 عاماً لكنه لم يعش فعلاً سوى عشرين سنة، وقد يكون عمر آخر 60 عاماً لكنه عاش 50 عاماً من السعادة، فيكون أطول عمراً من الأول بحساب السعادة وليس بحساب السنين. وأعجبت الفكرة المهاجر الجديد وكان في الأربعين من عمره، فتأملها طويلاً ثم تنهد بأسى قبل أن يقول لرفاقه: إذا مت اليوم أو غداً فأرجو أن تكتبوا على شاهدي هذه العبارة «جبور جبر من بطن أمه إلى القبر» أي إنه لم يعش يوماً واحداً من السعادة منذ ولد”. والكاتب إذ يعتبر نفسه من المؤمنين بهذه الطريقة في احتساب عمر الإنسان الحقيقي .. “بروح الشباب وليس بشهادة ميلاده”، فمن الممكن لديه أن يبلغ الإنسان الخمسين بينما لا يزال على مقياس السعادة في العاشرة من عمره، أو أن يكون شيخاً وهو لا يزال في أوائل العشرين، إذ أن المقياس لديه هو “روح الشباب وحماسه” ويوضّح قائلاً: “فالشباب عندي ليس مرحلة من العمر تبدأ في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة وتنتهي قبيل الأربعين، وإنما هو كما يقول الشاعر الأمريكي صامويل أولمان: شعور في النفس وقوة في الإرادة وتوقد للخيال وللمشاعر والعواطف وتغليب للشجاعة على الخوف والتهيب .. أما الشيخوخة فهي ضعف كل ذلك عند الإنسان ولو كان شاباً في عنفوان شبابه” .. ويستكمل قوله المفعم بروح الشباب وهو يوجهه إلى قارئه العظيم: فأنت شاب مهما كان عمرك إذا كانت إرادتك وقلبك وخيالك وشجاعتك ومشاعرك شابة فتية لم يدركها الوهن” .. رغم هذا، فالروح الفتية والروح القديمة بحاجة إلى بعضهما البعض، إذ أن “الشباب في حاجة دائمة إلى حكمة الشيوخ، والشيوخ دائماً في حاجة إلى قدرة الشباب، وكلاهما يتطلع إلى ما ينقصه لدى الآخر ويتعذب به! والشاعر العربي حين قال: (أواه لو عرف الشباب .. وآه لو قدر المشيب) كان يحلم بهذه الروشتة المضمونة للسعادة“.

ختاماً أقول كالكاتب الذي تعلّم من بريد قرائّه الأسبوعي .. بأن ما أهمّ كل نفس، قد يبدو كرأس دبوس ضئيل بجانب جبال الهموم التي تجثم على الكثير من النفوس .. نفوس قُدّر لها أن تتألم لكنها تعلّمت ألا تتكلم! حينها، تستحق تجارب الآخرين التي عايشتها تلك النفس الشكر، بما أضافت من دروس، وحياة إلى حياتها.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (31) في قائمة احتوت (70) كتاب قرأتهم في عام 2022، وهو الكتاب رقم (7) ضمن (23) كتاب قرأتهم في شهر نوفمبر .. وقد كان ضمن مكتبة العائلة العريقة التي استحوذتُ عليها كاملة بما تضم من كتب قديمة قد لا تتوفر حالياً في المكتبات .. وهو كتاب يعود في طبعته الثانية إلى عام 1996 وقد قرأته للمرة الأولى خلال تلك الفترة تقريباً، وأعود لقراءته للمرة الثانية اليوم، كعادتي بين الحين والآخر في قراءة قديم الكتب واسترجاع شيء من ماضي الفكر!

وعلى أرفف مكتبتي الجوداء، يصطف 42 كتاب آخر للكاتب في طبعاتها الأولى، اقتنيتها جميعاً وأنا في سن مبكرة جداً، وهي مجموعة أسالت الكثير من دموعي .. رغم هذا، فهي من الكتب المحببة لدي والتي لا أتردد في تصنيفها بـ (تستحق القراءة وإعادة القراءة).

من فعاليات الشهر: لا شيء سوى مصارعة الوقت لقراءة المزيد من الكتب وتعويض ما فات خلال العام .. وقد أجّلت عمل الأمس إلى اليوم كثيراً والذي أصبح فائتاً كذلك!

تسلسل الكتاب على المدونة: 362

 

تاريخ النشر: نوفمبر 7, 2022

عدد القراءات:51 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *