الكتاب
زنزانة: عادة مدى الحياة
المؤلف
دار النشر
مؤسسة الإسلام اليوم للنشر والإنتاج
الطبعة
(1) 2014
عدد الصفحات
433
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
09/01/2016
التصنيف
الموضوع
الإنسان وهو محكوم في سجن عادة .. عليه فك أغلالها
درجة التقييم

زنزانة: عادة مدى الحياة

قد يخلق الإنسان من عاداته زنزانة، يحصر نفسه بين زواياها المعتمة!. وبينما يكون من العادات ما هو حسن محمود، يأتي بعضها -وهنا الكارثة- نتاج سطوة موروث ديني أو عرف اجتماعي لا أصل لهما، ترديه في قيد يأسره مدى الحياة، فيعيش كمن لا عاش حياة!. تبدو العادة وكأنها جندي مجهول يسيّر الإنسان ضمن جملة أفكار وأفعال تشّكل من هو، رغم أنه قد يكون في سريرته على خلاف ما يظهر!.

يعرّفنا الكاتب د. سلمان العودة -والذي لا يزال أسيراً في أغلاله لحظة تجديد هذه المراجعة- بتلك الأغلال، في محاولة جادة للتحريض على فكّها والاستمتاع بالحياة ضمن حدود شرعية وأخلاقية واجتماعية .. بلا إفراط ولا تفريط!. لا ينسى أن يحرّض من ناحية أخرى على العادة الحسنة، والإصرار على تحويلها من عادة إلى عبادة.

لقد خلع د. العودة جلباب الوعظ الذي يحرص كل عالم دين الالتفاف به ما عنّت له الفرصة بالحديث، فجاء كتابه في نسق سلسل شائق وواسع غطى ما استطاع به من أصعدة الحياة، يحدّث فيه القارئ -لاسيما من فئة الشباب- كإنسان ناضج، وبلغة عفوية أبوية دافئة، لا تقرّع بقدر ما تدعو إلى الارتقاء بالذات، من خلال ترسيخ قيم المحاسبة الذاتية وتحمل المسئولية وصدق الرغبة في التغيير .. لا على المستوى الفردي فحسب، بل المجتمعي!.

يعرض فهرس الزنزانة المحتوى في ثلاث صفحات، وضمن سبعة مجموعات تحمل كل منها وسم (هاشتاج) يعبّر عن موضوعاتها التي حملت عناوين لها وقع السحر، يسترسل بها القارئ واحدة تلو الأخرى بلا توقف، رغم امتدادها على أربعمئة ونيف صفحة!. أكتفي بذكر وسومها السبعة كما يلي:

  • السلم والفخ
  • مرايا
  • غرف ونوافذ
  • برايا
  • ورد وشوك
  • فوق العادة
  • رحلة عادة

لقد طرق الكاتب -كما أسلفت- جميع أبواب الزنازين بأجراس ذات صدى، أدون ما تردد من صداها في ذهني بعد القراءة، وباقتباس في نص تفاؤلي كإشراقة شمس يوم جديد (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • يستهل الكاتب -وقد رحبّ بالقارئ كـ “نزيل جديد”– ببعض الأقوال المأثورة عن العادة، أجد الصيني منها عميق المعنى، إذ يقول: “ازرع فكراً تحصد قولاً .. ازرع قولاً تحصد عملاً .. ازرع عملاً تحصد عادة .. ازرع عادة تحصد طبعاً (خُلقاً) .. ازرع طبعاً تحصد مصيراً”.
  • يرى الإنسان إنساناً آخر، فيمقته من أول نظرة . “وربما كان في لا وعيك يشبه شخصاً آخر خزّنت عنه موقفاً سلبياً في طفولتك .. نسيت الموقف ولكنك لم تنس الانطباع عنه فظل مخزوناً في اللاشعور”. يستشهد الكاتب في هذا بحديث خير البرية ﷺ حين قال: “الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ”. ويعلّق على التحليل النفسي الوارد بأنه “داخل فيما هو أخفى من السر كما في التنزيل”.

رافقني شعور منذ صغري لا يزال، أرى من خلاله إحدى (فاتنات) السينما العربية كـ (أقبح) ما وقعت عليه عيناي! لم أعرف السبب حين كنت في سن أصغر، ولم أستطع أن أراها قط كما كان يراها الآخرون، رغم التمجيد اللامتناهي لحُسنها وقد ماتت بعد أن هرمت!. تيقنت بعد حين أن سبب قُبحها (في عيني) لم يكن سوى مشهد لا أخلاقي أبصرتها فيه! قد اعتبرته هي وأشباهها (فن)، بينما اعتبرته أنا (عفن)!.

  • تتكرر معاينة الآلام فتألفها النفس ويقسى القلب! قد تكون تلك القسوة مطلباً عند الجرّاح، لكن ما بال النفس تستلذّ الطعام والعين تبصر صور الدمار على محطة التلفاز؟ يقول الكاتب: “اعتياد رؤية القتل والدمار في نشرات الأخبار يجعل المشاهد أقل تفاعلاً وتأثراً، وهذا ما وجدناه في متابعة الانهيارات الخطرة في العراق وسوريا ومصر وبورما وبلاد أخرى”.
  • ومع تكرار العادة، قد تُكتسب مهارة، لكنها قد تكون في موضع آخر مجرّد تلقين!. يتحدث الكاتب عن أحد المهرة في الضرب على لوحة مفاتيح الحاسوب الآلي دون النظر إليها، فإذا نظر إليها أخطأ. ويضرب مثلاً آخر أصعب يقول فيه: “الحفظ عادة، حيث إن كل مقطع أو آية يكون ممهداً عند قراءته للذي بعده دون تفكير، والتكرار يرسّخ ذلك، ولو بقي القارئ يتأمل ويفكر فيما بعد الآية أو المقطع لتردد أو توقف أو ارتبك”.
  • يسأله طفله سؤالاً يحدد فيه خيارات صعبة: بين عجوز تنزف على قارعة الطريق، وصديق عزيز أنقذ حياته سابقاً، وشخصية بارزة يسعى للاستفادة منها! أيهم سيقلّه في سيارته التي لا تتسع إلا لشخص واحد؟ يحتار الكاتب، فيجيبه طفله إجابة تنم عن التفكير خارج الصندوق وعن رفض محدودية الخيارات. فيقول الحكيم الصغير: “أعط مفاتيح السيارة للصديق الذي انقذك، واطلب منه توصيل العجوز إلى المستشفى، وابق بصحبة القدوة لانتظار الحافلة”.
  • يتحدث في لغة إيجابية عن الحياة وعن النظرة إليها، فيستخدم (الملفوف) في تشبيه بليغ قائلاً: “وجدت تفاصيل الحياة مثل ثمرة الملفوف، منا من يقطع ورق الملفوف ويأكله ويستمتع به أو يستخدمه في صناعة وجبة، ومنا من يقطع الورق ويرميه لأنه يريد أن يحصل على اللب. الباحثون عن اللب لن يجدوا شيئاً، لقد زهدوا في ورق الملفوف بحثاً عمّا هو أثمن في نظرهم، ثم اكتشفوا بعد فوات الأوان ألا شيء أثمن من ذلك الورق، وأن هذه الثمرة ليس لها لب، وإن شئت فقل: كلها لب”. وقد يكون الدافع وراء محاولة نيل اللب (الفضول المعرفي) ..!، أو إنه (التبطّر) الذي يلي التخمة.
  • ليس “قانون التجربة والخطأ” وما قدمته نتائج البحوث على الحيوانات، سوى حصيلة التكرار مرات ومرات .. من أجل تثبيت الصواب وتنحية الخطأ. فـ “الإنسان بإمكانه أن يتعلم من تجربة واحدة ومن تجارب غيره. مدهش أن يسلك الإنسان نفس الطريق ويتوقع الوصول إلى مكان مختلف”.
  • لم يتمكن دعاة الدين ودعاة الإصلاح منع مشاهدة مسلسلات الرومانسية المستهلكة والمستوردة من تركيا والمكسيك وكوريا، بل “ظلت مجتمعات الخليج السوق الأكثر طلباً تستقبل الكثير من القنوات المحلية والعالمية المخصصة لذلك النوع من الانتاج دون فرز أو رقابة”، فضلاً عمّا تبثه محلياً من مواد لا تقل في ضررها -أو عدم جدواها في أحسن الأحوال- عن تلك المستوردة!.
  • وللشراكة نفع مختلف!. يقول المثل الصيني: “قل لي وسوف أنسى، أرني وربما أتذكر، أشركني وسوف أحفظ”. ويعلّق الكاتب في قول لا يقل حكمة فيقول: “الحفظ هنا ليس مجرد تلقين، ولكنه وسم راسخ في العقل والقلب، يصعب محوه”.
  • قد تساعد القراءة السريعة في زيادة حصيلة (عددية) لا (علمية)! فيحلو للكاتب أن يشبهها بالـ “الوجبات السريعة” التي “تسبب السمنة ولا تفي بشروط الغذاء الصحي. لذيذة مشبعة بالدهون، قليلة الفائدة”. لكنه يشبّه القراءة على متن الطائرة أو على سرير النقاهة كـ “استشمار في الزمن والحال”. أما عن عادة استعارة الكتب والإبقاء عليها في الحفظ والصون، فينقل عن أحدهم دعاء تركه في طرة كتاب، يقول فيه: “من يسرق كتاباً أو يستعيره ويجحده عسى أن يتحول الكتاب في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يصاب بشلل ارتجافي قاهر، وعسى ألا تنقطع آلامه حتى يتحول إلى رمة متفسخة، وأن تعشش الديدان في أحشائه، وعندما يمثل يوم القيامة تلتهمه النار إلى الأبد”. وبعينين مفتوحتين إثر صدمة أقول: رغم سخطي على أصحاب تلك العادة، إلا أن هذا الدعاء يبدو لي مستخرجاً من سجلات سجون التعذيب!.
  • كان ضفدع (ماوتسي تونغ) يقبع في بئر ينظر من خلاله إلى السماء، حتى ظنّ أنها بحجم فوهته، ولو صعد نحوها لعلم بأن ما يراه لم يكن سوى جزء محدود من أطرافها المترامية. يُسقط الكاتب سلوك هذا الضفدع على بعض بنو البشر، فيقول: “يتعمد المرتزق بقلمه ولسانه أن يرى الأشياء كما يراها سيده، ومن زاوية واحدة، أو من لا زاوية. المهم أن يستمر النقيق”. وعن سقوط أسماء كانت أعلاماً عربية يقول في خيبة: “العالم يدرّس أدباً يحكي آلام البائسين، والعرب يدرّسون كتباً تمجد الظالمين”. لم يكن عرب التاريخ بأفضل حال من هؤلاء الساقطين، حيث ساد العهد الفاطمي قيم الانتهازية كرمز للذكاء. يقول أحد شعراءه في الزلزال الذي أصاب وباله البلاد والعباد مخاطباً واليهم: “ما زُلزلت مصر من كيد ألم بها .. لكنها رقصت من عدلكم طربا”. تذكرني هذه الوصولية بآراء بعض المرتزقة الجدد حين زخرفوها بأكذوبة أسموها اصطلاحاً (ذكاء عاطفي) لا حبذا تطعيمها برطانة أعجمية (Emotional Intelligence) يبررون فيها سوءة أخلاقهم!.
  • ومن أشد صور التجهيل .. (المقدّس)! كيف لا وقد تم إغلاق باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجري وتحديداً مع ضعف العصر العباسي، حتى تردى حال الأمة في ظلمات التقليد والتبعية للسلف الذي لو عاد لأنكر عليها تحجير العقل!. يعزف الكاتب على الوتر الحسّاس فيقول: “تقليد الماضي مثل تقليد المجتمع مذموم (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ). والإسلام يكرّس مبدأ الحرية الفردية واحترام العقل الذي تعاني مجتمعاتنا من تهميشه لمصلحة الجماعة، فترفض المبادرات الإصلاحية بحجة عدم ملاءمتها للمجتمع أو مخالفتها للرأي العام. كثيرون يميلون إلى بقاء ما كان على ما كان، والاكتفاء بما عليه الحال دون سعي للنقد أو التفكير (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)”.
  • قد تطفأ كلمة “أحبك” وإن كانت كاذبة الحرائق المشتعلة، حتى يحيا الكاذب لحظة في صدق كذبته، كما تقول الأديبة/ غادة السمّان!. غير أنه “من عادات الحب أن يتخلى عنك أحياناً في منتصف الطريق، أو عندما يتم اللقاء. وكانت العرب تقول: إذا نكح الحب فسد”.
  • يفرّق الكاتب أخلاقياً بين (الامبراطورية) و (الأريحية) و (المصلحية)، فيمارس المبتلى بها الأولى مع الزوجة، والثانية مع الأصدقاء، والثالثة مع زملاء العمل. لقد التقى الكاتب شخصياً بنموذج يسكب الشراب على ثوبه ويلطّخه بالحلوى ولا يكف عن الصراخ وهو في قعر بيته، أما خارجه “فهو مرتبط بمجموعة تسهر في الاستراحة أحياناً وتناقش قضايا الإصلاح ومشكلات الواقع، وتسافر إلى الصحراء للتخييم، حيث يبدو هذا الصديق فعّالاً خدوماً، ينصب الخيام ويعد الطعام”. إنه في كلمة قصيرة: “محل الرضا في دائرته الوظيفية لخفة دمه وعدم تدخله فيما لا يعنيه وقيامه بواجبه”.
  • وعن مثال آخر في ازدواجية الأخلاق، هنالك “شباب يبتكرون أنماطاً جديدة من الزواج (المسيار، المدراس، المحجاج، الزواج بالكتابيات، التحايل على الوثنيات). صدمة الحمل والإنجاب أو الخيانة أو عدوى الإيدز كفيلة بإفاقة الشاب لكن بعد الفوات”. قد لا ينكر الكاتب أن مثل هذه النماذج من (الفاحشة المقننة) جاءت نتاج فتاوى شرعية على لسان أصحابها المفتين الشرعيين، والتي تؤصل (شيئية) المرأة لا أكثر! لا بارك الله في فتاوى يحملون وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم يبعثون!.
  • علم الأنثربولوجيا يعني بالفروقات بين بنو البشر، عرقياً وثقافياً وعقائدياً واجتماعياً وجغرافياً …، يتطرق من خلاله الكاتب إلى وصف عمرو بن العاص لقوم الروم بأن “فيهم لخمس خصال. إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وأمنعهم من ظلم الملوك”. فيُثني على قراءة بن العاص الماهرة لعاداتهم وطبائعهم. ثم يستطرد في قول واقعي فضائحي عن مجتمعاتنا العربية، فيقول: “في مجتمعاتنا نعقد المقارنة لنبيّن تفوقنا، ونقارن أسوأ ما عندهم بأحسن ما عندنا أو نجعل واقعهم الحالي في كفة وتاريخنا المجيد في الكفة الأخرى. قد تكون المقارنة نتيجة زيارة عابرة لسياحة أو تجارة لم يكتشف الإنسان فيها الكثير، وقد نحتمي بالشريعة وكأن كل ما لدينا هو شرعي وكل ما لدى الآخر هو منكر”.
  • بينما يوصف رعاة الأغنام -ومنهم الأنبياء- بالسكينة، يلحق الفخر بالأعراب لتربيتهم الإبل!. إلا أن مصطلح (الأعرابية) لا يُعبّر بالضرورة عن الانتماء العرقي أو الجغرافي “في ظل التحولات العالمية، بل هي (أخلاق). فمن كان جافياً مستبداً إقصائياً اعتبر أعرابياً ولو كان في أبهى قصور المدينة، ومن كان لطيفاً مهذباً لم يكن كذلك أياً كان موقعه”.
  • هل هي مروءة العربي أم أنها عقدة نقص؟ “يميل العقل العربي إلى حكاية أكاذيب وتوهمات وإخفاء الحقيقة حفاظاً على (الوجه)، لذا لا يقرّ بالهزيمة ولا يحسن الاعتذار. يستخدم (الفهلوة) للتكيف لفظياً مع الخطأ وتسليك الأمور”. عاينت الكثير منهم لاسيما في محيط العمل، وتحديداً من ذوي أصحاب المناصب العليا.
  • ليس الظُرف دليل الهزل، بل إنه ينمّ عن ذكاء مستتر. يقول الكاتب عن أصحاب هذه المهارة: “الماهرون يلحظون كل ما هو غريب ومثير للسخرية في العالم، ويحبون التصرف في اللغة وإيجاد المشابهات المجازية، وإضفاء روح المرح على العمل. الدعابة وإضفاء شيء من المرح لتلطيف العمليات المعقدة التي تتطلب جهداً (عادة عقلية)”. استحضر مع هذه الكلمات عباقرة الفن الصامت، شارلي شابلن وخلفه مستر بين. يأتي معهم أدباء الأدب الساخر، لاسيما المصريين!.
  • الأسماء هي المفاتيح، حيث إنها أول ما تعلّم آدم عليه السلام من ربه. يذكر الكاتب بأن من الدراسات ما تؤكد “أن تعلّم أسماء الأشياء هو تعلّم المفاهيم والرموز والقدرة على التفكير، وهي أهم الخطوات المساعدة على التحليل والتركيب والمقارنة والتمييز واتخاذ القرارات وحل المشكلات”.
  • قد تستحكم الخرافة بالعقل الإنساني الذي تمّيز به، فتنقلب نعمة الاختيار إلى تسيير أعمى! تظهر أبشع صور هذه التبعية العمياء عندما تختلط تلك الخرافة بالدين، حيث ينشأ (الجهل المقدس). يفسّر الكاتب هذا المعنى فيقول: “الخرافة تحجب العقل عن التفكير العقلاني المنطقي، وتربطه بالروحانيات والسحر والشعوذة، وتعلّق الإنسان بالخوارق، على حين أن القرآن يعلّق الناس بالسنن الربانية الجارية التي وضعها الله نواميس للكون وعلامات للناس”. يتسلّط الساحر الذي يدّعي علم الغيب على عملية التفكير الذهنية المعقدة ليُتحف صاحبه بنتائج جاهزة “فهو يختصر على بعض السذج والأغبياء بهذا الأسلوب الخرافي عمليات التفكير السليمة، فتعطل الملكات والمواهب الربانية وتستحكم الغفلة (لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)”.
  • واستكمالاً لثقافة الجهل المقدس وحكاياتها الفلوكلورية “التي تنشط في الأزمات التي تستنهض العواطف” لاسيما حين تنال الألسنة مقام النبي الشريف ﷺ أو أزواجه أمهات المؤمنين أو صحابته الكرام، حيث “تروج النقول وتتقبلها العقول بلا تمحيص”. يذكر الكاتب قصة تداولها نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي مستخرجة من غابر الكتب (بطلها كلب ينقضّ على تتري نال من رسول الله)، لينجرف بعدها سيل التوبيخ على طريقة “كلب ينتصر لرسول الله وأنت لا؟”. ثم قصة كلب آخر مسعور لكنه فقيه، يتربص للذاهبين إلى المساجد فجراً ممن يشتم منهم الخليفتين!. ثم عجباً كيف يهدي به الله أربعين ألفاً للإسلام في مجلس واحد على شبكة المعلومات!. يعقّب الكاتب في أسى على هذه الحال المزرية فيقول: “وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرة لأمم الأرض”. لم ينته القول هنا، إذ أن الطامة الكبرى “حين يحتجّ معلق على هذه الأساطير، تنهال عليه الكلمات كاللكمات: اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً”.
  • لقد طالت تلك الأقاصيص -مع الأسف- مواعظ الدعاة والفقهاء من حيث لا يدروا، وقد غفلوا عن اسنادها. إذ قيل: “من أسند فقد سلم”. يتحدث الكاتب هنا عن تجربة شخصية فيقول: “وقد وقفت مراراً على أقصوصات من هذا القبيل ينشرها الوعاظ غافلين، وإذا تتبعت مصدرها وجدتها من وضّاعين أو ساخرين. وقد روى أحدهم قصة الميت الذي نُبش قبره فوجد مصروفاً عن القبلة، وبالسؤال عنه تبين أنه مدخن. وتحرّيت بنفسي عن القصة فوجدتها من وضع عيّار مدخن”. واسترجع بدوري ما كان يصلني شخصياً من هراء على مواقع التواصل الاجتماعي يتوعد من يكتمه ولا ينشره بلجام من نار!.. كالفتاة التي صاحب احتضارها صراخاً هستيرياً استدعى حضور شيخ لمعاينتها، لترى في حضرته مقعدها من النار، حيث كانت تسمع الأغاني رغم تأكيد الراوي على ما كانت عليه من الحرص على أداء الصلوات!!. والأخرى التي رأت مقعدها من النار أيضاً، حيث تم الاستعانة بشيخ آخر أفتى -وقد علم أنها كانت حريصة على أداء الصلوات أيضاً لكن من غير تغطية قدميها في بعضها- بأنه لم تُقبل لها أي صلاة .. بالغطاء وبدونه! يا شيخ؟ تلك صلاة بلا حجاب للقدمين! فما بال تلك الصلاة بحجاب القدمين؟ لقد أُخذت هذه بذنب تلك!!. وتلك التي كان يذوب لحمها ذوباناً أثناء تغسيلها (كالكراميل المذاب في الحليب الساخن)، الأمر الذي استدعى حضور عدد من المغسّلات، خرجن تلو الأخرى يولولن عن بكرة أبيهن وكأن مسّهن جان. إلا تلك الأخيرة التي اقتحمت بجسارة غرفة ملابس الذائبة لحمياً لترى (المعلّق في الدولاب من المحزّق والملزّق). تفتي عندها ببئس مصيرها دون التيقن بأن تلك الأثواب كانت لبعلها، أو مما أدنت عليها من جلبابها حين خروجها!. واستحضر أيضاً ذلك الذي شبع فسقاً وفجوراً وعربدة -كما كان يقول- حتى إذا تظاهر بالتوبة، بدأ في بثّ مثل تلك الأكاذيب .. الأكاذيب التي أقرّ بها حين واجهته ونصحته بالكفّ عنها، فما ورد عن النبي ولا عن صحابته ولا عن تابعيهم الكذب بقصد الهداية، بل أن دين الله أعزّ وأجلّ من أن يُهتدى إليه بالكذب والخديعة! عجباً كيف فُضح هذا المنافق حين تورط في قضية (زنا المحارم) مرتين، وحين تم القبض عليه متلبساً في غرفة الخادمة فجراً، وقد كانت زوجته الكاملة ديناً وعلماً مع ابنائه النوابغ في الدور العلوي، وقد ادعى من ذي قبل أنه يعتكف بعد صلاة الفجر في المسجد حتى طلوع الشمس، يحفظ القرآن!. إنه حقاً لعيّار آخر.
  • يستطرد الكاتب في أسى وفي قول حكيم قائلاً: “إن هذا العقل الأسطوري الذي يغفل سنن الله الكونية، ولا يميز بين حق وباطل، هو المسؤول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين، وغياب التفكير السليم وضعف التحليل الموضوعي وتراكم الأخطاء والسلبيات دون علاج. وكيف لنا أن نصحح أو نخطط .. أن نبني حضارة أو نؤسس مجداً إذا كانت العقول فاسدة والبصائر كليلة وطرائق التفكير والنظر متردية؟ لماذا نهادن تسلل الحكاية الوهمية إلى عقول العامة بل عقول الشباب والطلاب والمتعلمين الذين يظنون أحياناً أن التصديق أولى على سبيل الاحتياط؟ إن العقل الإسلامي عقل واع مدرك، حتى إيمانه بالغيب هو إيمان مبني على العلم والمعرفة والإسناد، وليس في الوحي ما تنكره العقول ولا ما تحيله السنن، ولكن منها ما لا تدركه العقول. ونقص العقل ثابت بالعقل ذاته. بيد أن الله تعالى أحال إليه وأمر بتحكيمه فيما يحسنه حينما دعاهم إلى الإيمان به (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (أَفَلَا يَعْقِلُونَ) (لِأُولِي النُّهَى) (لِّذِى حِجْرٍ)”.
  • ويستمر ليقول قولاً أشبه بالأقوال الرُشدية، إذ يرى أنه “من أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل، أو أن العلم نقيض الدين”. ثم يوجّه توبيخاً إلى المدعيّن، فيقول: “لا يحل للمصلحين والدعاة والمرشدين أن يهادنوا عقول البسطاء أو يداهنوها. نعم سيظل في الناس أقوام لا يعقلون، لكن الخطب الفادح أن تكون هذه هي الثقافة المهيمنة التي تضغط على عقول الناشئة وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطاً بترّهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية”. يضرب مثلاً عمّا يحدث في مدارسنا، حيث يشرح معلم الجغرافيا في حصة الفلك عملية دوران الأرض كحقيقة علمية، ليدحضها معلم التفسير في الحصة التي تليها، بل ويكّفر من يقول بها. يختم قائلاً: “أمانة الديانة تحتّم علينا أن نقدّس الإيمان الحق المجرد، وأن نحذر من اللحوقيات والإضافات الأسطورية المتلبسة به”.
  • ينتصر الغرب المادي على الشرق العاطفي، فيقول الكاتب: “ليس سراً أن العالم أصبح متقدماً علينا بمراحل، وحائزاً على الجودة والتفوق والإنجاز والتطوير، بينما السوق الإسلامية لم تفلح حتى في التقليد والمحاكاة التي فاز بها الصينيون”.
  • وبعيداً عن فتوى عباءة التخرج وعمامتها كتقليد متبع يرتديه خريجو الجامعات في بلاد الغرب وقد انتسب إليها المسلمون “على أن بعضهم يحكي أن قبعة التخرج ذات أصل إسلامي أندلسي، وكانوا يضعون المصحف فوقها إشارة إلى قوله سبحانه (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) “.
  • وفي لغة يُدركها المتصوفة قولاً وعملاً أكثر من غيرهم، يقول الكاتب عن منغصّات الحياة وحكمتها “بعض الشباب يمعن في التساؤل عن العلّة وراء العذابات والمصائب واختلالات الحياة، ولو تفكّر في الكون والنفس وغاص وراء الأسرار لهدأت ثائرة الشكوك، وصار يتقبّل بعض الإجابات التي كان يرفضها من قبل”.

وللمرأة نصيب فوّاح من كلمات د. العودة العذبة، اسكب من أريجها في نص رقيق يليق بها، رغم قساوة الواقع .. كما يلي في الأسطر القادمة:

  • إلى أولي النقص: إن للمرأة عقلاً قد يفوق المذكر من العقول، وللرجل عاطفة لا تُعيبه. يتمنى الكاتب أمنية فيقول: “ليت السائلين يرفعون الهم إلى ما فوق الحاجب ويسألون عن تهذيب العقول وعاداتها الابداعية، ليؤكدوا أن للمرأة عقلاً وقد تفوق به إحداهن العديد من الرجال. وليتهم ينزلون من شعر اللحية إلى ما تحته فيسألون عن رقة القلوب وصفائها وإيمانها وأخلاقها، ليأكدوا أن للرجل قلباً وعاطفة”.
  • يكاد يكون قدر المرأة الشرقية الرفض قبل الخلق. يقول الكاتب في شجى: “الجنس الناعم يواجه مشكلة التذمر منذ النطفة الأولى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ). وفي الإسلام اعتبر من حسن طالع المرأة أن تنجب أنثى في حملها الأول”. وأقول: مع هذا، لا يبرح النص الشرعي حدود متون الكتب، فالواقع لا يزال يحاكي جاهليته الأولى.
  • يشهد الكاتب كـ (شاهد من أهله) على شيطنة بعض بني جنسه في قتل إناثهم بشبهة علاقة حب أو رفض ارتداء الحجاب تصل في أقرب تقدير إلى عشرون ألف ضحية سنوياً تُدرج تحت جرائم الشرف!. يقول الكاتب في نص واقعي قاس: “الوسائل صادمة تتراوح بين قطع الرؤوس والحرق والطعن بالسكاكين والخناجر والصعق بالكهرباء ودفن البنت وهي حية، رمي الأحماض على جسدها ووجهها”. ثم وكأنه يصبّ فوق ذلك الوجه الملتهب ملحاً، فيقول: “القوانين في عدد من الدول العربية تخفضّ عقوبة الجاني، وكأنها تعمل لصالح العائلة ضد الضحية” … الدول العربية لاسيما التي تدين بالإسلام! مع خالص الأسف والعجب!
  • ومع هذا الاستبداد، يُصبح الطلاق نعمة تصرّ عليها المرأة العربية خلاف فطرتها في الاستقرار لاسيما الأسري!. يضرب الكاتب في هذا مثلاً من قعر بيوتنا المسلمة فيقول: “الطلاق صار أول الحلول وليس آخرها. وفي موريتانيا يصبح للمطلقة مزية، والمرأة كثيراً ما تهجر بيت الزوجية وتطلب الطلاق”.
  • وفي صفعة شهمة يوجهها الكاتب لأولي النقص من أمتنا فيوجع ويؤدب وهو يقول: “قال لي: كلما تخيلت صور بائعات الهوى نفرت من الإناث. أجبته: كلما تذكرت أن بناتي الأربع ينتمين إلى الجنس نفسه الذي تنتمي إليه مريم ابنة عمران وآسيا امرأة فرعون وخديجة وفاطمة وعائشة شعرت بالفخر، وأحسست بجميل النعمة، وقرأت سرّ التكريم، وشاهدت طرفاً من لطيف الحكمة”. ثم يعقّب في مقارنة حكيمة قائلاً: “بعض المجتمعات الغربية تسعى إلى تحطيم أنوثة المرأة، وبعض المجتمعات العربية تسعى إلى تحطيم إنسانيتها بالكامل، فالمرأة التي تتعرض للظلم تفقد أنوثتها لأنها تفقد أعزّ خصائصها .. الشعور بالحب والأمان”. ثم يختم متعجباً ازدواجيته “يحترم الأم ويهين الزوجة. ويذكرّه بالحقيقية التي تبدو له صادمة “أمك زوجة رجل آخر، وزوجتك أم رجل آخر” … أما أنا،! فكلما وقعت عيناي على مثل ذلك الكائن، استحضر نظرية التطور لداروين التي تنسب (القرد) في أصله للإنسان!.. وأتساءل: أين (متحف التاريخ الطبيعي في لندن) عنه؟؟؟
  • ثم يتحدث عن عادة بعض الدعاة الذين تخرج منهم الفتنة وإليهم تعود -وقد كثروا- فيقول ناصحاً: “واقع المرأة في مجتمع ما ليس حجة على الإسلام، ولا يحسن الدفاع عن هذا الواقع تحت ذريعة الخوف مما هو شرّ منه، فالعادة في أساليب الدعاة والمصلحين ألا يكتفوا بمجرد مدافعة الأسوأ، والعادة في أساليب الدعاة والمصلحين أن يحتكموا إلى نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه النبي وأصحابه”. وأقول: لقد جاء هؤلاء من الغلو في باب سد الذرائع ما يكاد يحرّم على المرأة (الاستنشاق) في حضرة الرجال، حتى لا يظنّه القوم السافلون دعوة (هيت لك)!. لقد تغافل هؤلاء المدّعين بأن الأصل في الدين الإباحة، وأن تحريم الحلال لا يقل ذنباً عن تحليل الحرام!.
  • وما أشبه كهّان الكنائس بوعّاظ السلاطين!. يذكر أحد المؤرخين الإيطاليين خبر إحدى النساء التي تناولت طعامها في دعوة عشاء باستخدام (الشوكة) والتي كانت محرّمة آنذاك، وقد شهد عليها بعض الرهبان ممن حضر، حيث أثارت سخطهم. لم تلبث المرأة حتى ماتت بعد الدعوة بأيام جرّاء وباء انتشر حينها، فما كان من الكهنة إلا أن “جعلوا من موتها في مواعظهم عقوبة سماوية وتحذيراً لكل من يُظهر ولعاً بالشوكة”. ثم يترّحم الكاتب على الشيخ علي الحصين الذي “سافر من بريدة مطالباً بفتح مدارس لتعليم البنات، وتوفي في حادث سيارة في الرياض ليقول معارضوه: إنها عقوبة على سعيه في سبيل لا يرضونه هم”.
  • وعن النبي الأكرم ﷺ الذي كان يلج بيته كزوج لا كأمير، يروي عن زوجاته أن “تُدل عليه إحداهن فتهجره، فلا يسخط بل يراضيها. ولما عاتبهن عمر قالت أم سلمة: إن في رسول الله ما يعظنا أكثر من موعظتك، لكنّا نعامله بما تعلمنا منه، ولو نهانا لانتهينا”. إنه لحق قول فصل! ولو كنت حاضرة المشهد، لقلت لعمر: رحم الله امرئ عرف حدّه فوقف عنده! فما شأنك أنت وبيت النبوة المحرّم؟ والله لقد غرّتك نفسك يا عمر!

ومن القول ما وافق هوى خاطري وكأنه يخاطبني سراً. أسرد منه في نص شاعري من الليلك يُشبه أروقة مدونتي .. ويُشبهني، كما يلي:

  • لا يؤتى التفكر أؤكله إلا إذا كان عميقاً .. حينها يتيقن فعلاً بأن وراء الأكمة ما وراءها. يقول الكاتب: “التفكر يمنح النفس هدوءاً وطمأنينة من داخلها، فلا تهزّها المؤثرات ولا تقلقها الجلبة. ويُربى على مكارم الأخلاق: الحلم والصبر وكظم الغيظ والتجاوز والصفح. إنه يفكر في الحالة الوجدانية الراهنة التي يعيشها ويراقب ادائه، ويسيطر على انفعالاته، ويعزز الثقة بالنفس، ويوسع دائرة المعرفة، ويشجع على حسن توظيفها لتكوين معرفة جديدة”. ثم يختم قائلاً: “وهو من أسباب تكريس الصحة النفسية وتبعاً لذلك الصحة البدنية، ويحقّ لنا أن نقلب المثل الشائع ونقول: الجسم السليم في العقل السليم”.
  • وعن الأنا وعجيب خلقها، بين تبعية عمياء ذليلة واستقلالية مكابرة منسلخة، يلخّص الكاتب قوله عنها في أن “تضخم الهوية قطيعة، وضمورها ذوبان”.
  • إن (العادة) حين يُنتقى أحسنها وتُستحضر مع النية الخالصة تصبح (عبادة). يقول الكاتب في قول حق عن ذلك الخاشع قلبه: “أصبحت الصلاة عادته وسرور قلبه وقرة عينه لا يشعر بثقلها بل بمتعتها. حتى الخشوع يكون عادة بعد المجاهدة الطويلة”. استحضر أحد الصالحين وهو يقول: “جاهدت نفسي على قيام الليل عام، ثم تلذذت به عشرين عام”.
  • ومن العادات ما هو قطعاً محمود “حين تكون سُلماً للصعود كالقراءة والحوار وبناء العلاقات وأداء العبادات والابتسامة ومراقبة الذات وتطويرها”. يخلص الباحثون في جامعة تكساس الأمريكية بأن “الأشخاص الذين ينظرون إلى الحياة بأمل وايجابية تقل وتتأخر عندهم علامات الهرم، وأن العوامل النفسية إضافة إلى الجينات والصحة البدنية تؤدي مجتمعة دوراً في تحديد سن الشيخوخة”.
  • من صدقت سريرته تأبى أساريره إلا أن تصطبغ به. يقول الكاتب عن أحد لا عبي كرة السلة الذي اعتاد التسديد، والذي فشل لما طُلب منه الظهور في مشهد إعلاني يمثّل الخطأ “لأنه تعود أن يصيب”. ثم يقول حكمته: “من تعود على الصواب يصعب عليه فعل الخطأ، ومن جرت سليقته العربية على الفصاحة لا يُمكّنه لسانه من اللحن” ثم يختم “جميل أن يصبح الصواب عادة”. بكل تأكيد، رغم ضريبته الباهضة من النكران والعداء والقذف.
  • عندما تصبح قيمة الوقت من النفع صفراً، فهو هدر و “بلا معنى”. وفي هذا المعنى يقول الكاتب: “الإنجاز من العادات الواعية. حين يخلو وقتك من انجاز يصبح بلا معنى، على أن مفهوم الانجاز يجب أن يتغير، وألا تكون شهرة العمل أو دويه معياراً” ويكمل “أعظم الانجازات تتم بهدوء”. وللجندي المجهول نُصب في كل مكان .. وأن الأشجار تموت واقفة!.
  • ليس للمتعلم سوى ما لُقنّ على مقاعد الدراسة حيث ينشأ في جمود فكري، أما المثقف فله من سعة الأفق ما يوازي سعة اطلاعه. يفرقّ الكاتب بينهما بقوله: “للمثقف رؤية ومرونة وسعة اطلاع واستعداد للتأمل في الفكرة الجديدة وإدراك وجه الصواب والخطأ فيها بحياد وهدوء. أما المتعلم فهو درس أموراً ضمن نطاقه الفكري ووفق معلومات محددة تقدم للجميع، وربما كانت سبباً في تصلبه وجموده”.
  • تتسامى قيمة الإنسان من خلال عباداته لربه ومناجاته. كيف لا وقد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته؟. يستطرد الكاتب في هذا المعنى فيقول: “عبودية الإنسان لربه وذله بين يديه تمنحه سمواً وارتفاعاً لهامته واعتزازاً بذاته دون كبر أو تعاظم”.
  • وعن هوايتي التي لولاها لم أكن لأكون هنا، يقول: “الإنسان القارئ هو إنسان مفعم بالحياة” ويقول: “مازلت أجد الكتاب كنزاً يثير فيّ كل معاني الدهشة والفرح، ويأخذني من عالمي المثقل إلى أفق أرحب وأوسع” ويقول: “القراءة هي المتعة التي تدوم وتكبر عندما تتلاشى المتع الكبرى”. ولم أزل اعتبر الكتاب أغلى هدية .. وودت لو انتبه الأصحاب!.
  • تحتفظ ذاكرة القارئ بما قرأ وإن توهم نسيانه، إذ تسترجعه الذاكرة عند قراءته في موضع آخر، وقد يكون بفهم أكبر. يضرب الكاتب مثلاً سديداً في هذا فيقول عن نفسه وقد سأل شيخه: “قرأت الكتاب ولم يعلق شيء منه بذاكرتي!. مدّ لي تمرة وقال: امضغها. ثم سألني: هل كبرت الآن؟ قلت: لا. قال: ولكن هذه التمرة تقسّمت في جسدك فصارت لحماً وعظماً وعصباً وجلداً وشعراً وظفراً وخلايا”.
  • على هذا، فإن للقراءة أبعاد أخرى بخلاف المنفعة المباشرة، العلمية أو الأدبية. يدرك الكاتب أن أي كتاب يقرأه فإنه يتقسّم “فيعزز لغتي، ويزيد معرفتي، ويهذب أخلاقي، ويُرقي أسلوبي في الكتابة والحديث ولو لم أشعر”.
  • ولأنني من اتباع المنهج الرشدي في تقديم العقل على النقل حال تعارضهما، تكريماً للعقل ومحاولة لتأويل النص، يقول الكاتب: “يعرف العالم الراسخ بقدرته على استثمار الكثير من النصوص ووضعها في مواضعها، وتحريك الكثير من القواعد بحسب ما يقتضيه المقام. ويُعرف غير الراسخ بأنه أسير لنص واحد وقاعدة واحدة، فهو يستنزفهما بطريقة آلية”.
  • على الرغم من قضاء الطالب أكثر من نصف وقته مصغياً إلا أن آخر ما يتعلمه هو الإصغاء “فالمطلوب هو الإصغاء النقدي والتفكير المحكم وليس التلقين وهز الرؤوس”. ثم يستطرد الكاتب قائلاً: “الإصغاء بتفهم هو بداية الحكمة، ويعني قدرة المستمع على تحليل المعاني الواردة في أقوال الآخرين، وكسب ودهم وتخفيف انفعالهم وإشعارهم بالاهتمام”.
  • أما العزلة .. وما أدراك ما العزلة! “حين تكون قادراً على التعامل مع العزلة باختيارك أو بغير اختيارك بنفس قدرتك على التعامل مع الحشد فأنت كما قال المتنبي: وحالات الزمان عليك شتى .. وحالك واحد في كل حال”. ثم يقول في حكمة بليغة “الطمأنينة هي جائزة النفوس المتصالحة مع ضمائرها”.
  • وعن الصلاة، حيث جُعلت قرة عيني، يؤكد الكاتب بأن “لصلاتك وقراءتك في كل مرة معنى جديداً. لا حاجة لتكرار السؤال عن كيفية التدبر أو الخشوع في الصلاة. لا يتطلب الأمر أكثر من فعل الحضور القلبي أو محاولة ذلك دون ملل وستنجح في النهاية (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)”.
  • وعن الصيام والنور المتدفق مع استهلال هلاله، “يأتي رمضان بروحانياته العالية وعاداته الجميلة في كل بلد إسلامي، ومعه عادة راسخة لا تتوافق مع سموه وتألقه! أن تزدحم الشاشات والأوقات بأعمال درامية محلية وعربية، منها التاريخي ومنها الاجتماعي. بعضها يجترأ على تجاوز المحرّم الاجتماعي ما لا يجترئ على الاقتراب من المحرّم السياسي، ويعاني فراغاً من البعد القيمي والحضاري”. ولو سُئلت عن آخر مسلسل شاهدته، لاحتجت استدعاء ذكريات الطفولة!.
  • وفي لغة عاشق صوفي، يصدح الكاتب قائلاً: “الحب أساس كل خير، وأساس الحب حب الله، وهو شعور مقدس ومقدم على الخوف وعلى الرجاء. هو رأس الإيمان ولسان الميزان”.
  • إن الحياة رحلة سفر طويلة، ليست بالهينة، فـ “اللهم أنت الصاحب في السفر”. وقد اعتدت الأسفار وحيدة إلى أصقاع العالم، وعلى حياة لا زلت أقطعها غريبة .. يبقى الله الصاحب أبداً.

… لا عجب إذاً أن يستنفد الكتاب رصيد أنجمي الخماسي كاملاً.

إنه كتاب بلا شك، يستحق الترجمة .. والإهداء .. والقراءة .. وإعادة القراءة!

تحمل مكتبتي الجوداء كتب أخرى للكاتب، قرأت بعضها، هي: كتاب/ بناتي. كتاب/ أنا وأخواتها: رحلة في أسرار الذات. كتاب/ علمني أبي: مع آدم من الطين إلى الطين. كتاب/ طفولة قلب: دون التذكر .. فوق النسيان. كتاب/ مع الأئمة: الجوامع والفروق والسير. كتاب/ أسئلة الثورة. ويقال أن هذا الأخير هو سبب محنة اعتقاله بلا تهمة واضحة، وقد عرض برنامج/ خارج النص على قناة الجزيرة مناقشة موضوعية عنه!. لقد كان طريفاً أن أفاجئ بنسختين للكتاب تصطفان جنباً إلى جنب على أرفف المكتبة!. وجدتهما وكأنهما تبتسمان لي وتغمزان وأنا متلبسّة بعادة شراء كتاب دون التحقق من شراءه مسبقاً، وقد راودني الشك!. إن ذلك عرض “هوس” القراءة الذي يجعلني أكرر هذه العادة!. يصاحبها عادة شعور بالذنب .. على الأقل!.

أخيراً، استرعى انتباهي كلمات الكاتب التي خطّها بيديه وكأنه يستشرف شيئاً ما من المستقبل، حيث قال في خواطره عن الاحتلال الإسرائيلي: “الاحتلال يرمي صديقي في السجن، فيجعل المسافة بينه وبين غرفة معيشته تقاس بالسنوات وبأعمار أبنائه وبناته الذين سيأتون له بأحفاد لن يراهم”. وفي خواطره عن يوسف الصديق في سجنه يقول: “عزلة فيها كمال الاتصال”.

وددت لو رددت أصداء الطرق على أبواب تلك الزنازين كلها .. مثلما طرقها د. العودة، لكن الأمل أن يعود من زنزانته شامخاً رغم أنوف الطغاة، ليتحفنا بخبر زنازين ليست كما خبرنا في كتابه هذا!. آمين.

لا أملك سوى أن أختم بأصدق ما جاء به قلمه .. اقتبسه بلا تعليق:

كلكم لآدم وآدم من تراب..

هذا قانون البداية، أما النهاية (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم:95).

وبينهما يمكنك أن تطالع صورتك، تلبس بشتك وتتعطر، وتنادي بصوتك خادمك المغترب لكي يحضر ساعتك التي ترتب مواعيدها بحسب الأشخاص الذين ستقابلهم.

ترمي بنظرة شزر على هذا (الإنسان) البسيط الذي لم يُلَمّع حذاءك بشكل لائق.

تخرج للشارع بسيارتك، تلقي التحيّة على الرجل الذي يشبهك وطنا ولقبا، يبادلك التحية، تجتاز شارعين وفي الثالث ليس لك أحقية المرور، ولكنك تعبر، لأن الطرف الآخر لا يشبهك لونا، فجأة تتلقى اتصالًا تتأفف (أووه ها العبيد)!

تقف عند الإشارة، يناديك أحدهم مستفسرا عن مكان ما، تتأمل ملامحه تنزل الزجاج، وفي داخلك نداء مستعلٍ: ماذا يريد هذا (الأجنبي)؟!

تصل مكتبك تهمس في أذن ابن قبيلتك وبلدتك (هاه وش عندهم الجيازنة، الحجز، القصمان، البدو، الحضران، المصارية)

وكلٌّ يغني على ليلاه، وليلاك شجرة عائلية تتصدر مجلسك، زامّا بها شفتيك كلما أحرقك تفوّق أحدهم استظللت بظلها.

هذا المار أمامك (هندي)، نعم هندي ولكنه إنسان، وربما يتميز عنك في أشياء كثيرة لا تعرفها.

هذا الآخر (باكستاني، بنقالي، فلبيني..) وقائمة طويلة تعبر هذا الطريق، ربما يتفوقون عليك في إنسانيتك وفي ذكائك وتقواك، ولكنه القَدَر الذي جاء بهم إليك بحثا عن لقمة..

وأنت العائد لبيتك منهكا جرّب أن تخلع حذاءك وتدوس هذا التراب، جرّب أن تدوس بعضك..

خفِّفِ الوطءَ! ما أظن أديمَ الــ … أرض إلا من هذه الأجسادِ!

جرّب أن تدوس أصل هذه الهامة المتغطرسة والأنف المرفوع..

جرّب أن تبحث عن مكان آخر غير التراب لكي لا تلقي بنفاياتك عليك..

جرّب أن تشم هذا التراب لربما تأففت من بعضك وأصلك الذي لم يُخلق..

جرّب! لربما سحقت بقدمك تربة أصلها رأس سيدك..

جرّب! لربما دُستَ قبيلةً من الرمل تُسمى قبيلتك، وكثيبًا من التراب يسمى وطنك..

جرّب أن تمشي حافيًا، وإذا تعثَّرت قدمك بأصلك فتذكر أولئك الذين ازدريتهم لعاهة المشية والشكل..

جرّب أن تطأ بشدة على الطين، وإذا ما سمعت صوتا ما فتَرَفَّق؛ قد تكون وطئت بقية لسانك الهاجي لغيرك..

جرّب أن ترى موضعا آمنًا لقدمك مابين الشوك، وإذا ما دهست عليه وسمعت أنين الترب فلربما تكون وطئت قلب أنثى.

وإذا ما أتعبك المشي جرّب أن تسجد لله، وما علق بجبينك من بقايا ترابٍ هو أصلُ هذا الإنسان الذي ازدريته..

في الحج وبينما الكل سواسية في زيهم وشكلهم، وكل مظاهر الأبهة معدومة، سلّمت على جمعٍ سلاماً عابراً، حتى إذا بدأ التعريف بهم صار هذا وزيراً وذاك مديراً، تبسمت وقلت: أعتذر لأني لم أعرفكم!

لم أكن مدركًا أنني أمارس عنصرية من نوع آخر، وأن بعض الاعتذارات هي عنصرية أيضاً.

هنا في مكة كان أبوبكر، وبلال، وسلمان، وصهيب، وعمّار مجموعة واحدة تلاشت بينها الفروق، وبقي تفاضلها بالتقوى (أبو بكر سيِّدُنا وأعتق سيِّدَنا).

كان لدى غاندي” حلمه بأن تشبع البطون السمراء الجائعة بدلا من المستعمر العنصري.

كان لدى مانديلا حلمه بأن تصدح الحناجر السمراء بالنشيد الوطني لأرضهم.

كان لدى مارتن لوثر حلمه الطويل بأن لا يُعامل أبناؤه الأربعة على أساس لونهم..

ليكن لدينا حلم أن ينبع نور الإنسان من الداخل لا من الخارج، وأن تشكل الألوان المتعددة لوحة مكتملة جميلة.

مثلك أنا.. أحن لذات التربة التي ركضت عليها طفلاً ولثمتُها شابا.

مثلك أنا.. مليءٌ بالطموح والتطلعات وأحمل هم الخلود بعد موتي.

مثلك أنا.. تجرحني الكلمات التي تحاكمني على وطنٍ لا أعرفه، ومكانٍ لا أنتمي إليه، وتحرمني من مسقط رأسي وحيي ولهجتي التي لا أعرف سواها.

مثلك أنا.. أحمل همّ صغارٍ تركتُهم هناك من أجل لقمة عيش.

مثلك أنا.. أعود لبيتي وأكون الرجل الأول يوم أن كنتُ عندك الرجلَ الأخير.

مثلك أنا.. حتى وإن كانت شجرتي في الأطراف، إلا أن ظلي ممتد لكل الوطن.

مثلك أنا.. وإن نقص مالي واندثر جاهي.

مثلك أنا.. تؤذيني نظرة دونية وعطف مبتذل وسلامٌ بنصف يد.

مثلك أنا.. أبحث عن الود، لكن من السماء (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) (مريم: 96).

تاريخ النشر: يونيو 1, 2021

عدد القراءات:137 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *