الكتاب
روح الثورات والثورة الفرنسية
المؤلف
دار النشر
مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة
الطبعة
(1) 2015
عدد الصفحات
192
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/06/2022
التصنيف
الموضوع
الثورة الفرنسية الملهمة لثورات الشعوب الأخرى
درجة التقييم

روح الثورات والثورة الفرنسية

في هذا الكتاب، يظهر دور العقل الجمعي لأي مجتمع في تحويل المعتقد السائد إلى واقع عملي، وإمكانية إبدال القناعات بتبديل ظروف البشر المعيشية، وهو الأمر الذي يظهر بوضوح في التعبئة الثورية الجماعية للشعوب على الأنظمة الاستبدادية، والتي يبرز على إثرها عادة قائد مغوار يأخذ بيد الثورة حتى النصر. غير أن إشعال الثورة في حد ذاته هو أمر يسير بالمقابل مع تغيير روح الشعوب جوهرياً، كما أن ثورات الشعوب بطبيعتها تستغرق زمناً طويلاً، بعد سفك الدماء وبذل الأرواح، حتى يتم تناولها بالبحث والتمحيص والتحليل التاريخي واستيفاء الدروس.

يتصدى لهذا العمق من التحليل التاريخي، الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون (1841 : 1931)، ولا عجب! فهو الأشهر في علم الآثار وعلم الأنثروبولوجيا لاسيما في حضارات الشرق، والتي لا تزال مؤلفاته (الحضارة المصرية / حضارة بابل وآشور / حضارة العرب / حضارة العرب في الأندلس / حضارات الهند) تحظى بمكانتها ضمن المراجع العلمية الأولى في نطاقها. عُرف عنه تمجيده للحضارة العربية-الإسلامية لاسيما في عصرها الذهبي، والإقرار بفضلها على العالم الغربي.

إذاً، يتناول المؤرخ الثورة الفرنسية من ناحية سيكولوجية لا سيما وهو يشير إلى مدى تأثير الجمهور الفرنسي في ديناميكية الأحداث، وقد تاق إلى الحرية التي لم يتبناها ملوك فرنسا إلا كشعارات فارغة، حيث تحول مجرد الاعتقاد المتمثّل في حلم أو خيال أو أسطورة أو مثل أعلى، إلى يقين جمعي ثم إلى حراك ثوري ومن ثم إلى بلوغ مرحلة اللاعودة والإصرار على سحق الملكية حتى التغيير الجذري التام وتشكيل التاريخ من جديد، وهو الوضع الذي آلت إليه فرنسا كما هو الحال اليوم.

ومع أن فكرة الكتاب العامة تبدو واقعية ما يضمن تحقيق استيعاب مباشر للقارئ العادي، ومن غير أي تعقيد يُذكر، إلا أن ترجمته جاءت غير متقنة بشكل استلزم إعادة قراءة بعض النصوص عدة مرات، بغية التثبت من صحة الفهم! لهذا، فقد استغرق الكتاب بين يديّ مدة أطول عن المخصص له! من ناحية أخرى، لم أجد مادة الكتاب كافية ووافية، فضلاً عن الحشو اللغوي وسرد تفاصيل غير مهمة، الأمر الذي يحثني إلى البحث عن كتب أخرى تتناول الثورة الفرنسية بشمولية أكبر، لا سيما من ناحية عوامل نشأتها وتطورها مرحلة بمرحلة، وتحليل وجهة النظر الاجتماعية للمؤرخ الفرنسي الذي وضع من قبل كتاب سيكولوجية الجماهير، كما هو معلوم. قد أحاول قراءة هذا الكتاب مرة أخرى على أن أبدأ بقراءة كتاب خاص بالثورة الفرنسية على حدى.

ينقسم الكتاب إلى جزئين رئيسيين، يندرج تحت كل منهما عدة فصول تتفرع بدورها إلى عدة مواضيع ذات الصلة، أذكرها تباعاً في الأسطر التالية، وهي بذلك تجعل من عملية تصنيف الكتاب متشعبة، فهو كتاب في السياسة وفي التاريخ وفي الحضارة وفي علم الاجتماع:

الجزء الأول: روح الثورات

  • الباب الأول: صفات الثورات
    • الفصل الأول: الثورات العلمية والثورات السياسية
    • الفصل الثاني: الثورات الدينية
    • الفصل الثالث: شأن الحكومات في الثورات
    • الفصل الرابع: شأن الأمة في الثورات
  • الباب الثاني: النفسية التي تسود الثورات
    • الفصل الأول: تقلبات الخلق أيام الثورات
    • الفصل الثاني: النفسية الدينية والنفسية اليعقوبية
    • الفصل الثالث: النفسية الثورية والنفسية المجرمة
    • الفصل الرابع: روح الجماعات الثورية
    • الفصل الخامس: روح المجالس الثورية

الجزء الثاني: الثورة الفرنسية

  • الباب الأول: مآخذ الثورة الفرنسية
    • الفصل الأول: آراء المؤرخين في الثورة الفرنسية
    • الفصل الثاني: مبادئ النظام السابق النفسية
    • الفصل الثالث: الفوضى النفسية أيام الثورة الفرنسية وما نسب للفلاسفة من الشان
    • الفصل الرابع: الأوهام النفسية أيام الثورة الفرنسية
  • الباب الثاني: تأثير العقل والعاطفة والتدين والاجتماع أيام الثورة الفرنسية
    • الفصل الأول: روح المجلس التأسيسي
    • الفصل الثاني: روح المجلس الاشتراعي
    • الفصل الثالث: روح مجلس العهد
    • الفصل الرابع: حكومة مجلس العهد
    • الفصل الخامس: مظالم الثورة الفرنسية
    • الفصل السادس: جيوش الثورة الفرنسية
    • الفصل السابع: روح زعماء الثورة الفرنسية
  • الباب الثالث: النزاع بين المؤثرات الوراثية والمبادئ الثورية
    • الفصل الأول: تقلص الفوضى – حكومة الديركتوار
    • الفصل الثاني: إعادة النظام – الجمهورية القنصلية
    • الفصل الثالث: النتائج السياسية التي نشأت في قرن واحد
  • الباب الرابع: نشوء المبادئ الثورية في الوقت الحاضر
    • الفصل الأول: تقدم العقائد الثورية بعد الثورة الفرنسية
    • الفصل الثاني: نتائج النشوء الديموقراطي
    • الفصل الثالث: الأشكال الحديثة للمعتقدات الديموقراطية

ومن الكتاب الذي نال من رصيد أنجمي الخماسي نجمتين، أقتطف شيء من التحليل التاريخي للثورة وروحها، وأقتبس في نص ثوري (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • إن الثورة -بصرف النظر عن بواعثها- لا تثمر نتائجها إلا بعد ترسّخها في روح الجماعات، فالجماعات هي من تنهض بالثورات لا تستحثّها ابتداءً، وهي ليست على شيء ما لم يقودها قائد، حتى أنها قد تجاوز الحد الذي حُرضّت لأجله، في أغلبها. يقول المؤرخ في (تقسيم الثورات): “وإن الثورات السياسية الفجائية -التي تعجب المؤرخين- هي أقل أهمية من غيرها في بعض الأحيان! فالثورات الكبيرة هي ثورات الطبائع والأفكار”.
  • لا مفر من وقوع الأمم التي تتقّلب فيها الظروف المواتية، من الوقوع في الثورات، حيث لم يتمكن الإنجليز عام 1688 من إنهاء النزاع القائم منذ قرن بين العرش الذي حرص على الحكم المطلق، وبين الشعب الذي طال بحكم النوّاب، إلا بشن الثورة. يقول المؤرخ في (الثورات السياسية): “خاصة الأمة، لا عامتها، هم الذين يبدؤون بالثورات في الغالب، ولكن الثورات تستمد قوتها من الشعب عندما يهيج، وقد لا تتم الثورات إلا إذا دعمها فريق كبير من الجيش، فلم تأفل الملكية في فرنسة يوم قطع رأس لويس السادس عشر، بل يوم امتنع جنده عن الدفاع عنه”.
  • إن ثورة الإصلاح الديني عصفت بأوروبا عصفاً حتى كادت تودي بفرنسا بعد تحويلها إلى ساحة حرب مدة خمسين عام، وهي من اللاعقلانية تأتي بنتائج غير منطقية، لا يعدلها في قلة القيمة نتائج أي توجه آخر! يشهد على ما للمعتقدات من تأثير سريع الانتشار بين الناس خلاف الأفكار العقلانية، ثورة الإصلاح الديني وبلبلة النفوس آنذاك في مذاهب لاهوتية. يقول المؤرخ في (قيمة ثورة الإصلاح الديني العقلية): “لوثر الذي همه سعادته الأبدية وخاف من الشيطان خوفاً لم يقدر كاهنه على إزالته، كان يبحث عن أقوى الوسائل التي يرضي بها الله ليتقي جحيمه، وبعد أن شرع في إنكار حق البابا في بيع المغفرة، رفض ما له ولكنيسته من السلطان رفضاً تاماً، وأنحى باللائمة على الطقوس الدينية والاعتراف وعبادة القديسين، وصرح بأنه لا يجوز للنصارى أن يتبعوا غير ما جاء في الكتاب المقدس، ثم قال: إن النجاة الأبدية لا تكون إلا بفضل الله وكرمه”. وبينما لم يسهب الراهب مارتن لوثر في حديثه عن مشيئة الإله، تصدى المصلح جان كالفن لتعريفها، كما يوضح المؤرخ مستكملاً: “ولم يحدد لوثر «نظرية المشيئة الأزلية» هذه تحديداً تاماً، وقد عرفها كالفن بأوضح من ذلك، فجعلها أساس مذهب لا يزال أكثر البروتستانت تابعين له، فعند كالفن «أن الله اختار من الأزل أناسا للنار وآخرين للجنة» وكان جوابه وقتما سئل عن علة هذا الظلم: «أن الله أراد ذلك». وهكذا رأى كالفن، الذي لم يفعل سوى إيضاح زعم القديس أوغوستن، أن الله القادر على كل شيء يعني بخلق أناس ليكونوا خالدين في النار غير مبال بأفعالهم وفضائلهم. ومما يستوقف النظر أن تستولي هذه الغباوة الفكرية على النفوس زمناً طويلاً، وأن تظل مستحوذة على كثير من الناس حتى الآن”. وعلى الرغم من لا منطقية الاعتقاد بمشيئة إلهية تخلّد أناس في النار وآخرين في الجنة، اعتباطاً، إلا أنه لاقى صدى في قلوب المؤمنين. يستمر المؤرخ ويقول: “وهنالك شبه بين نفسية كالفن و روبسبير، فكان الأول كالثاني أستاذاً غير متردد: قتل من لم يكن على مذهبه، وكان يقول: «إن الله يريد أن تطرح الرأفة والإنسانية جانبا عند الجهاد في سبيله». ونستدل من حالة كالفن وأنصاره على أن المتناقضات تلتئم في أدمغة المؤمنين، فيستحيل من حيث المنطق العقلي أن نثبت أخلاق على مبدأ «المشيئة الأزلية» القائل إن بعض الناس ناجون وبعضهم معذبون، مهما كانت أفعالهم، ومع ذلك لم يلق كالفن صعوبة في إبداع أخلاق قوية قائمة على أساس غير منطقي”.
  • إن النصر ليس بالعدد والعتاد وقوة السلاح فقط، فللمبادئ الثورية فعل العقيدة الراسخة عندما تتأصل في النفوس! يقول المؤرخ في (العوامل النفسية والعوامل الحربية التي أوجبت انتصار جيوش الثورة الفرنسية) وهو يضرب مثلاً بأبناء جلدته وبالمغايرين لهم من شبه جزيرة العرب: “يجب -لإدراك السبب في انتصار جيوش الثورة الفرنسية- أن نذكر مقدار ما كان عند جنودها الحفاة العراة من الحماسة الشديدة ومن الصبر على المكاره ومن إنكار النفس، فهم لما أشبعوا من المبادئ الثورية شعروا بأنهم رسل دين جديد أوحي به لتجديد العالم، وقد منحهم إيمانهم بطولة وبسالة لم تزعزعها قارعة، فأنقذوا الوطن من العدو وصاروا يحاربونه حرب استيلاء”. وبين ثورة فرنسيي القرن الثامن عشر الميلادي، وثورة مؤمني صحراء العرب في القرن السابع الميلادي، يعقد المؤرخ مقارنة ويقول: “ويذكرنا تاريخهم بتاريخ قبائل جزيرة العرب التي آمنت بما جاء به محمد، فتحولت إلى جيوش مخيفة فتحت جزءاً كبيراً من العالم الروماني القديم بأسرع ما يمكن”.

وبالإضافة إلى هذا الكتاب، تحظى مكتبتي الغرّاء بكتب أخرى للمؤرخ، هي: حياة الحقائق / سيكولوجية الجماهير / حضارة العرب / حضارة بابل وآشور .. وأسعى للحصول على كتاب: اليهود في تاريخ الحضارات الأولى، الذي أمتلك منه حالياً نسخة إلكترونية.

ختاماً، ومن خلال صفحة (الخلاصة)، يقدم المؤرخ عصارة جهده في تحليل الثورة الفرنسية، نفسياً واجتماعياً وسياسياً .. وهو إذ لا ينكر دور الثورة الفرنسية في إحقاق حقوق أبناءها، ومن ثم حقوق الأمم الأخرى وقد ساهمت في إذكاء روح الثورة لدى البشرية جمعاء، ما توّجها بالتخليد التاريخي ضمن سير الحضارة، إلا أنه يقرّ، مع غيره من المؤرخين، بأن الانحلال الأدبي والخسائر المادية وأعمال التخريب التي اقترفتها، ليست من البساطة بقدر ما تتطلب إصلاحاً تدريجياً ممنهجاً عبر سلسلة تاريخية من الزمن، وهو الإصلاح الذي لم يعتقد بتحققه وقت توثيقه لهذا الكتاب المرجعي.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً من المفكّرة: جاء تسلسل الكتاب (11) في قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لهذا العام .. 2022، وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية، منذ أعوام مضت، حيث ركنته، حتى حان الوقت لقراءته الآن. قد يكون كتاب (معذبو الأرض) السابق له سبباً لالتقاطه من على الأرفف العتيقة، حيث تطرّق المؤلف، وهو طبيب فرنسي مناضل، إلى الاحتلال الفرنسي البغيض لأرض الجزائر .. فعجباً، كيف أن الشعب الذي ثار على العبودية عاد واستعبد شعب آخر!

أنشطة شهر مارس: ومع هذا الكتاب، قرأت كتابين آخرين.

 

تاريخ النشر: أغسطس 21, 2022

عدد القراءات:29 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.