الكتاب
رقصة الحياة: الزمن الثقافي والزمن المعيش
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
The Dance of Life: The Other Dimension of Time - By: Edward T. Hall
المترجم/المحقق
د. قاسم المقداد
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2022
عدد الصفحات
280
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/30/2024
التصنيف
الموضوع
الزمن كعنصر أساسي في تشكيل الثقافة
درجة التقييم

رقصة الحياة: الزمن الثقافي والزمن المعيش

بينما يبدأ عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي كتابه بالثناء على جهود “الأجداد الروحيين” في فهم السلوك البشري عبر القرون السابقة، والذين يدين لهم بالفضل في بلورة تكوينه الفكري الذي هو عليه اليوم، والذين لولاهم لم تكن كتاباته تساوي شيئاً .. فقد خصّ كتابه هذا للحديث عن الزمن كعنصر ثقافي تعبّر عنه مختلف الثقافات بل وتستخدمه بوعي أو من غير وعي، إذ تجعل الثقافة من الزمن أحد المنظومات الأساسية التي تتشكّل عليها والذي لا يمكن فصله عن المستويات الأخرى، لا سيما المستوى الثقافي البدائي، وذلك في تناوله مادة الكائن البشري وسلوكه، والسؤال الحائر بينهما عن الكيفية التي يرتبط من خلالها الأفراد ببعضهم رغم عزلتهم في نسيج من إيقاعات حياتية وخلف جدران خفية من الزمن! ذلك الزمن الذي يمكن وصفه كـ (لغة) للتخاطب والتواصل، و (مبدأ) لتنظيم النشاط، و (وسيلة) لترتيب الأولويات، و (آلية) لمراقبة سير الأحداث عكسياً، و (معيار) للحكم على الكفاءة، و “منظومة من الرسائل” تكشف عن تلك الكيفية التي يتبادل فيها الأفراد النظر إلى أنفسهم، ومن ثم تحديد مقدرتهم على التوافق فيما بينهم.

يحدد العالم الأمريكي الغرض من كتابه في البحث عن الطريقة المعيشية التي تحيا بها الكائنات البشرية وتتواصل جميعها في عالم واحد، غير أن تلك الطريقة تتخذ مسلكين: الكلمات والتصرفات، أو بمعنى آخر “الكلامي وغير الكلامي”. وفي حين تشكّل (الكلمات) الجزء الأصغر من العالم كوجه وحيد الاتجاه للتواصل البشري، والذي يبدو في الادعاءات القانونية والخطابات المسوغة وشئون العلاقات المختلفة، فإن (السلوكيات) التي تشكّل الجزء الأكبر تدلل على الكيفية التي من خلالها يفهم الأفراد بعضهم بعضاً على نحو متبادل، والوسائل التي يتخذونها لتحاشي المواجهات، والمبادئ المتأصلة والقناعات الراسخة لدى كل فرد منهم. بيد أن الساسة والقادة ورجال الأعمال وأصحاب السلطة يتخذون من (الكلمات) وسيلة أولى للتواصل، والتي تصبح (الكلمة) بناء على هذا التفضيل “أداة للسلطة”، وذلك على حساب (السلوك) وهو “الجزء غير الكلامي من منظومة التواصل”، والذي هو في الأصل يعبّر عن كينونة الفرد وإرثه ككائن بشري يرشده في حياته المعيشة .. وأصحاب السلطة بهذا يكونون قد عمدوا إلى تجاهل “الفعل المتبادل القائم على الحكمة الشعبية والشعور، أو يقللون من شأنه”. عليه، يطرح الباحث سؤالاً عريضاً وقد وضع كتابه كاملاً للإجابة عليه، هو: كيف بالإمكان الحفاظ على استقرار العالم إذا كان الفعل -وهو الجزء الأعظم من التواصل- متجاهَلاً؟

على هذا -ورغم استصعابه المهمة- يحاول الباحث في كتابه استخدام الزمن كأداة تساعد على فهم ثقافة ما بصورة أفضل، مع حرصه الأخذ بعين الاعتبار تأصل الثقافة في التطورات البشرية المتتابعة، في الوقت الذي يتصف مستوى معين من الثقافة “بالكمون والخفاء” وبجملة من قواعد الفكر والسلوك المضمرة التي تحكم الأقوال والأفعال. لا غرابة إذاً أن تحدد هذه “القواعد الثقافية المخفية” طرق البشر في الإدراك، واعتناق القيم، وضبط الإيقاعات الحياتية، وذلك من غير وعي تام بهذه العملية عن طريق الأغلبية من البشر، وهي القواعد الخفية التي حددها الباحث بـ “مستوى الثقافة الأول (البدائي)”. ولتقريب المعنى، يشبّه الباحث هذا المستوى الأولي للثقافة بـ (القرص الصلب) في الأنظمة المعلوماتية، في حين يشبّه المستوى الواعي للثقافة بـ (القرص الناعم)، بحيث تصبح الاختلافات في العلاقات الثقافية “طفيفة” على مستوى القرص الناعم، بينما تنعدم على مستوى القرص الصلب، وبالتالي تجعل تلك الثقافة الصريحة من جميع الناس متشابهون! غير أن البشرية في تقدمها لم تعد تتجاهل حقيقة اختلاف العوالم الثقافية التي تحيا من خلالها، وقد نحّت جانباً الحضارة البادية للعيان وتجنّبت النظر في الثقافة التحتية، إذ لن ينجم عنها سوى المزيد من العنف العالمي، الأمر الذي اعتقد معه الباحث بضرورة “اكتشاف أنفسنا” والوقوف على اختلافاتنا، كأحد الحلول الفعّالة الممكنة.

وعلى الرغم من تقدير الباحث قوة النظريات الفيزيائية والرياضية والفلسفية في تفسير العالم المادي، إلا أنه لا يتمالك نفسه من التفكير في الحياة نفسها وبحياة الجنس البشري عليها، و “هي القيمة العليا التي ينبغي قياس الأشياء على هديها”، بحيث يصبح الجنس البشري ولا أحد سواه القادر على حل المشكلات العالمية، لا الآلات التي لا تعدو عن كونها مساعدة له! فعلى الرغم من نجاح الآلة التكنولوجية في تطوير الجنس البشري خارج جسده، وتحقيق نتائج باهرة، إلا أن الوقت قد حان لتوجيهه نحو ذاته ككائن بشري يحيا ضمن مؤسسة اجتماعية، وقد طوّر تلك الآلة بنفسه. إن تولية الاهتمام للمحيط الخارجي يحرف البشرية عن هدفها الحقيقي في “فهم الحياة نفسها والتمكّن منها”.

يتناول الباحث الزمن من خلال منظورين رئيسيين، الأول (الزمن بما هو ثقافة) والثاني (الزمن بوصفه تجربة)، واللذان يمتد بهما البحث في أحد عشر فصلاً، وقد أهدى الباحث كتابه (The Dance of Life: The Other Dimension of Time – By: Edward T. Hall) إلى زوجه (ميلدرد ريد هول). ومنه -وقد استقطع من رصيد أنجمي الخماسي واحدة- أقتبس في نص حي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) ما ورد في (الفصل الرابع: الرسائل الغنية بسياقها والرسائل الفقيرة بسياقها) عن الرسائل الطويلة والبطيئة التي يحملها التاريخ، والتي تأتي الصداقة كشكل من أشكالها وهي تنعقد بشكل عابر لدى الأمريكيين في حين تنعقد بعد وقت طويل لدى الثقافات الأخرى .. كما أن الرسائل الدعائية وهي لا تتجاوز ستين ثانية تعطي انطباعاً بأن المنتج المعني لا يدوم طويلاً، وهي بهذا تمثّل صيغة تواصل سريع ذو سياق فقير .. فيقول الباحث: الدبلوماسية والبراعة السياسية، والتفكير حول الحياة، والحبّ، والبحث عن السعادة، ترتبط أكثر بالصيغة البطيئة ذات السياق الغنيّ مثل الكتب والمسلسلات المتلفزة التي تبثها محطّة BBC. لقد عمد كلّ من بوذا وكونفوشيوس ومحمد والمسيح وشكسبير وغوته ورامبرانت جميعهم إلى نقل رسائل لا نزال نفك رموزها حتى اليوم بعد مرور مئات السنين عليها. بالنسبة إلى هذا النوع من التواصل، تُعد الرسالة المنقولة عبر أي وسيط لغوي مكتوب أو شفهي بالغة البطء، وهو ما يصح قوله على الثقافة بوجه عام. الكائنات البشرية تدرس أنواعاً مختلفة من اللغات منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وبدأنا لتوّنا في اكتشاف ما هي اللغة. ويلزمنا المزيد من الزمن كي نعرف الثقافة على نحو حقيقي، ولا سيّما الثقافة الأولية“.

أخيراً، وبينما يختم الباحث كتابه بفصل (الله يكمن في التفاصيل) .. على عكس ما هو دارج -بأنه الشيطان- في الثقافة الأمريكية، وهو يقرّ بأنه لم يتمكّن سوى من وضع “زاوية صغيرة من الطبيعة البشرية” تحت المجهر والتي وجدها تأخذ بالتوسع نحو أبعاد أخرى وأخرى يجب تقصّيها .. فقد كان البحث متعمقاً وفلسفياً وشائكاً، بحيث يحتاج إلى قدر مضاعف من التركيز والتقصّي والتفكّر.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (11) في شهر يناير، وضمن قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لعام 2024 والذي أرجو أن يكون استثنائياً بحق في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية العام الماضي ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

وعلى رف (الفكر والحياة) في مكتبتي، يصطف الكثير من الكتب، بعضها قديم وبعضها حديث .. أذكر منها: (مهزلة العقل البشري) – تأليف: د. علي الوردي / (أينشتين والنسبية) – تأليف: د. مصطفى محمود / (أبي آدم: من الطين إلى الإنسان) – تأليف: د. عمرو شريف / (الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة) – تأليف: أوليفييه روا / (امرأة تحدق في الشمس) – تأليف: د. نوال السعداوي/ (العقل ضد السلطة) – تأليف: نعوم تشومسكي / (خطاب إلى الرجل الصغير) – تأليف: فليهلم رايش / (الكل يكذب) – تأليف: سيث ستيفنز / (عن التعب) – تأليف: بيتر هاندكه / (محنة الإنسان بين العلم والفلسفة والدين) – تأليف: د. علي الجابري

من فعاليات الشهر: ومع الأمنيات التي حمّلتها العام الجديد مع انقضاء العام الفائت .. فلقد افتتحت في أول يوم قناة لطيفة على موقع يوتيوب، والتي سأخصصها لنشر مراجعات الكتب صوتياً.

ولا زلت أترقّب شحنة الكتب التي طلبتها من متجر نيل وفرات للكتب، والتي ستحمل لي أكثر من ستين كتاب. كم يبدو العام مثمراً بالخير مع تباشيره!.

تسلسل الكتاب على المدونة: 461

تاريخ النشر: فبراير 7, 2024

عدد القراءات:253 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *