الكتاب
رسالة حي بن يقظان
المؤلف
دار النشر
دار صادر للنشر
الطبعة
(1) 2017
عدد الصفحات
95
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/18/2020
التصنيف
الموضوع
الإيمان بالله فطرةً .. وقلباً.. وعقلاً
درجة التقييم

رسالة حي بن يقظان

تعمل الفلسفة عملها إذا أراد الإنسان التعرف على الله عز وجل بالعقل الذي وهبه، لكن يتفرغ القلب بعد ذلك في الوصول إليه .. في ذهول لا يخفت وعشق سرمدي وترقٍ في نور لا حد له.

لا يكفِه الإنسان أن يكون حياً، بل لابد من اليقظة .. ومتى أعمل الإنسان عقله أو قلبه أو كلاهما معاً، فستتكفل الفطرة السوية معهما لهدايته نحو الاعتقاد بالخالق الواحد الأحد، تحرسه في ذلك العناية الإلهية.

ينبثق عن النظرة الاستفهامية نحو الوجود نوع من المعرفة العقلية، التي ما تلبث أن تترقى إلى حالة من الشوق نحو خالق هذا الوجود! وعند نقطة التقاطع تلك بين الفلسفة والتصوف، يكتمل الإنسان، ليحمل لقب (العارف بالله). ليس البرهان وحده ما يحقق كمال الإنسان وسعادته المنشودة، بل سبيله في هذا هو أيضاً بالترفع عن الحاجات المادية والاكتفاء بالحد الأدنى منها .. عندها تترقى النفس مع استمرار عملية التطهير هذه في مسالك العارفين، لتتصل بمن هو أصل الوجود في نهاية المطاف.

يضع هذه التحفة الصوفية (أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي 1110 : 1185)، المعروف لدى العرب بـ (ابن طفيل) أو بكنيته (أبو جعفر)، وعند غير العرب باسمه الأول (أبو بكر Abubacer)، والذي يلقّب كذلك بالأندلسي والقرطبي والإشبيلي. وعلى الرغم من نسبه الذي يعود إلى بني قيس من قبيلة مضر العربية، فهو مولود في مدينة غرناطة الأندلسية، حيث تلّقى فيها علوم الطب والفلك والرياضيات والأدب والفلسفة والقضاء، وتقلّد منصباً وزارياً إبان حكم دولة الموحدين فترة ازدهار الأندلس. تظهر أول ترجمة باللغة اللاتينية للقصة الملهمة عام 1761، وتفوق شهرتها الآفاق الأوروبية خاصة في عصر التنوير، بالإضافة إلى تأثيرها الكبير على الفلسفتين الإسلامية الأصولية والغربية الحديثة، والتي تظهر في صور مختلفة في أفكار الفلاسفة الأوروبيين أمثال هوبز ولوك ونيوتن وكانت .. حيث يُعتقد أنها ألهمت الروائي الإنجليزي دانيال ديفو في كتابة قصته الشهيرة (روبنسون كروزو) والتي تحكي قصة شاب انقطع عن البشر فوق جزيرة نائية لسنين طوال، ورواية (ماوكلي فتى الأدغال) للكاتب الإنجليزي رديارد كيبلينج، والتي تحكي قصة طفل رضيع يضيع في غابة وتتكفل قبيلة من الذئاب بتربيته، وكذلك كتاب (عقيدة القس من جبل السافوا)، للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، والتي يحدّث فيها كاهن السافوا شاباً وهو يرسم له طريقاً نحو الفطرة السليمة التي تقود الإنسان إلى الإيمان بالله، ويطلب منه حتى يعقل كلامه أن يستفتِ قلبه.

ومن الطريف أن يعود أصل هذه القصة في التراث العربي إلى عدة مصادر! حيث يُشار ابتداءً إلى الفيلسوف ابن سينا كأول واضع لها، وذلك أثناء سجنه في قلعة قديمة لقلائل سياسية أثارتها إحدى كتبه، وهي القصة التي قام الشيخ شهاب الدين السهروردي -وهو أحد أعلام متصوفة الإسلام- بإعادة بناءها فيما بعد، والتي تلقّفها من ثم الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل وأعاد كتابتها، حتى ينتهي بها المطاف مع الطبيب المسلم ابن النفيس -مكتشف الدورة الدموية الصغرى- والذي وجد في بعض مضامينها ما يخالف معتقداته الفلسفية، فعمد إلى إعادة صياغتها، وطرحها من جديد باسم (صالح بن كامل) وفي رواية أخرى باسم (فاضل بن ناطق) .. بدلاً عن (حي بن يقظان)!.

ونقلاً عن مصادر أخرى بعيدة بُعد الصحاري القاحلة، فقد تصدى أحد المجتهدين في الدين الإسلامي للقصة، والذي عُرف عنه اجتهاده في درء شبهة معارضة العقل للنقل .. وذلك بوصم ابن طفيل بالإلحاد!.

وعن مضمون القصة التي حصدت رصيد أنجمي الخماسي كاملاً .. أسرد ما يلي:

في أساطير الصوفية، ينشأ (حي) على جزيرة نائية، بعد أن وصل إليها في تابوت عبر البحر، ألقته أمه الأميرة فيه بعد أن أنجبته من زواج سري، حيث ينشأ وحيداً في غابة تسكنها الحيوانات!. تتكفل براعيته ظبية رؤوم، وقد أدرك حي بوعيه الفطري تمايزه عن غيره من الكائنات رغم قدر بسيط من التماهي مع طبيعتها. تموت الظبية -وقد حسبها أمه- عند بلوغه سن السابعة، فيتفتق عن ذهنه رؤيا مختلفة تطرح أسئلة عن أصله والوجود. قبل أن يقوم بعملية دفن الظبية كتقليد شائع بين الحيوانات، يهتدي إلى تشريح جسدها ليكتشف أن تجويف القلب فارغاً، وليستنتج تلقائياً أن ثمة مادة لابد وقد ملئته من ذي قبل، فلما فارقته، صار الجسد إلى ما صار إليه. تحتدّ شرارة هذا الشغف لتقود حي إلى خوض رحلة استكشافية للنفس غائرة، في مراحل تشتد عمقاً وحكمة، حتى يتجلى الإيمان الخالص بالله وحده في نهاية المطاف.

عند بلوغ حي مرحلة اليقين وقد أدرك الخامسة والثلاثين من عمره، يقابل مصادفة (أسال) العالم الزاهد الذي جاء من مدينة ما بغية الانقطاع الروحي والاعتزال، وقد اختلف مع قومه في تشددهم لظاهر الدين، في حين أنه مال إلى التعمق نحو الباطن من النصوص، بغية إدراك جوهرها. يتقابل الاثنان ابتداءً ليهاب كل منهما الآخر، ثم يتعارفا لتنشأ بينهما صداقة قوامها النفحات الإلهية، ويستيقنا بأن طريقة كل واحد منهما وإن اختلفتا، تقودان إلى ذات الإيمان. لقّن أسال حي اللغة التي ما لبث أن أتقنها سريعاً، ثم ما لبث أن أخذ حي بأسال كل مأخذ وقد اطلع على مداركه الربانية، ففتح على يديه ما كان مستغلقاً فهمه، واستنارت بصيرته، حتى ارتأى أنه ولي من أولياء الله الصالحين، فعرض عليه زيارة مدينته علّ وعسى يهدي به قومه المتعنتين. قد تم ما أراد أسال، غير أن قومه لم يواجهوا حي ودعوته الحكيمة إلا بانقباض الوجوه والقلوب، فما كان من حي إلا أن تظاهر بالتوبة أمامهم، وعاد وأسال أدراجهما نحو الجزيرة.

إن هذا هو شأن العوام في الظاهر .. التمسك بحرفية النصوص بتعصّب لا يحيد، وتعطيل العقول، والتسليم لما جاء به السلف شبراً بشبر وذراعاً بذراع، غير أن من اختصهم الله بالعقل البرهاني تختلف لديهم تأويلات النصوص بين المحكم والمتشابه والمجاز والمثل ….، تستلزم حكمة وبصيرة ورؤية في الكشف عن دلالاتها الحقيقية، وهم إذ ينئون بأنفسهم عن التقليد، يحاربهم المتعصبون ويُكَفرّون!.

ومن أصدق تجلياتها، أقتبس في نص بلون السماء (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) الآتي:

  • عن معرفة الله: “فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل ما يوصف بها دونه. وتتبع صفات النقص كلها فرآه بريئاً منها، ومنزهاً عنها، وكيف لا يكون بريئاً منها وليس معنى النقص إلا العدم المحض، أو ما يتعلق بالعدم. وكيف يكون العدم تعلق أو تلبس، بمن هو الموجود المحض، الواجب الوجود بذاته، المعطي لكل ذي وجود وجوده، فلا وجود إلا هو: فهو الوجود، وهو الكمال، وهو التمام، وهو الحسن، وهو البهاء، وهو القدرة، وهو العلم، وهو هو، و “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ” “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ”.
  • عن معرفة ذاته: “وكذلك رأى أنه بجزئه الاشرف الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه من حيث هو منزه عن صفات الأجسام، وكما أن الواجب الوجود منزه عنها، فرأى ايضاً انه يجب عليه أن يسعى في تحصيل صفاته لنفسه من أي وجه أمكن، وان يتخلق بأخلاقه ويقتدي بأفعاله، ويجد في تنفيذ إرادته، ويسلم الأمر له، ويرضى بجميع حكمه، رضى من قلبه ظاهراً وباطناً، بحيث يسر به وان كان مؤلماً لجسمه وضاراً به ومتلفتاً لبدنه بالجملة”.

ختاماً .. وفي قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل الأندلسي، يتفوق حي (العارف) على حي (الفيلسوف)، إذ لم يكتف بالبراهين التي أسفرت عنها مشاهداته العقلية نحو إدراك الخالق، بل تحرّق إلى التواصل مع هذا الخالق تواصلاً وجدانياً عن طريق الكشف والمشاهدة.

إنها قصة رمزية تعكس بريقاً من شعاع العشق الإلهي، وترسم طريقاً مستقيماً نحو النور التام .. لمن سمح للبريق بعثاً في روحه!.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (51) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2018 ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (يونيو)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

حافل بالقراءة وبإعداد مراجعات الكتب المقروءة .. مع استمرار الحجر الصحي“.

 

تاريخ النشر: يونيو 5, 2022

عدد القراءات:128 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *