الكتاب
خمس دقائق وحسب: تسع سنوات في سجون سورية
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Just Five Minutes: Nine Years In The Prisons Of Syria - By: Heba Dabbagh
المترجم/المحقق
زينب الغزالي
دار النشر
أفق للدراسات والنشر
الطبعة
(3) 2018
عدد الصفحات
360
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
08/18/2020
التصنيف
الموضوع
الوحشية تعيد نفسها في سجون الأسد
درجة التقييم

خمس دقائق وحسب: تسع سنوات في سجون سورية

وما أرخص الإنسان في عالمنا العربي!.

إنها ليست سوى جريمة مكتملة الأركان عندما تُزهق تسعة أعوام من عمر إنسان في غياهب سجن بوحوشه .. بلا جريمة! والأشد إجراماً أن يأتي التكفير بعفو رئاسي بعد أن “صار مع الرئيس خبر” .. إذ لم يكن فخامته يدري .. وما علم أنه إن كان يدري فهي مصيبة، وإن كان لا يدري فمصيبته أعظم!.

بينما يموت أفراد عائلتها كاملة في مجزرة حماة الكبرى عام 1982، تنجو هبة الدباغ وقد تم اعتقالها من قبل القوات السورية كرهينة عند نظام الأسد لحين تسليم أخاها نفسه كناشط في جماعة الإخوان المسلمين .. وذلك في اليوم الذي توقف فيه عناصر شرطة عند باب بيتهم ليلاً، لأخذها بأمر رئيس المخابرات نحو المركز، من أجل اجراء وعدها أنه لن يستغرق سوى (خمس دقائق وحسب)، فتقضي بناءً على هذا الوعد تسع سنوات عجاف تبدأ من عام 1980 وتنتهي عام 1989، لتخرج بعدها .. لا لتروي قصة اعتقالها واستجوابها وتعذيبها وحسب، بل لتروي -كشاهدة عيان- قصص بشعة عن جرائم ارتكبت في حق رفيقاتها المعتقلات، لا لذنب سوى أنهن كنّ أمهات أو أخوات أو زوجات لرجال اشتبه أو لم يشتبه بهم كأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين! قد يؤخذ على الكتاب كثرة الأسماء والروايات والأحداث والأوجاع والإعدامات والأموات، والتي جاءت جميعها في قالب سردي مختصر، غير أنها تُسجّل كشهادة توثيقية لما جرى من تنكيل في حق عدد لا يقدّر من الأبرياء!.

يظهر هذا التوثيق التاريخي من خلال الفهرس الطويل الذي يقسّم السنوات التسع إلى ستة فصول رئيسية، يحظى معها الكتاب بثلاث نجمات من رصيد انجمي الخماسي، وقد تم ترجمته للغة الإنجليزية، وهي:

  • الفصل الأول: خمس دقائق وحسب
  • الفصل الثاني: كفر سوسة .. رحلة خارج الرزمان
  • الفصل الثالث: سجن قطنا .. الموت البطيء
  • الفصل الرابع: سجن التحقيق العسكري في غيابة الجب
  • الفصل الخامس: سجن دوما .. معركة مع الزمن
  • الفصل السادس: الفرج والإفراج

ومن (بساط الريح) الذي طار بالسجينة في الفصل الثاني إلى سجن تدمر، أقتبس في نص من دم ما حدثّت فيه عن أولى جلسات التعذيب التي تعرضت لها (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

تقدم العنصر مني وطرحتي على لوح من الخشب له أحزمة طوّق بها رقبتي، ورسغي، وبطني، وركبي، ومشط رجلي، ولما تأكد من تثبيتي رفع القسم السفلي من لوح الخشب فجأة، فبات كالزاوية القائمة، ووجدتني وأنا بين الدهشة والرعب مرفوعة الرجلين في الهواء وقد سقط الجلباب عنهما ولم يعد يغطيهما إلا الجوارب والسروال الشتوي الطويل، ولا قدرة لي على تحريك أي من مفاصل جسمي، وبكل وقاحة صاح العنصر يقول: انظر سيدي .. أرأيت؟ قالت: إنها ليست من الإخوان، ولكن انظر كيف أنها منهم، ومجهزة نفسها للفلقة، ولا حاجة لها للبنطلون! حاولت دفع أي من القيود الجلدية عن مفاصلي فما استطعت، وقبل أن أحاول إعادة لوح الخشب إلى استقامته طلبا للستر، كانوا قد علقوه من جنزير مثبت به إلى السقف، وتقدم رئيس الدورية التي اعتقلتنا وبيده خيزرانة طويلة رفيعة، وسألني بلهجة تهديد صريح: شو ما بدك تحكي؟ قلت له: ليس لدي أي شيء لأحكيه. في نفس الوقت كان الرائد ثلجة فوق رأسي يجهز مولداً كهربائيا مربع الشكل موصولاً بالفيش، وله يد يدار بها، وملاقط قربها مني وأطبقها فجأة على أصابع يدي. وفيما هوى ذاك بالخيزرانة على بطن رجلي، أطلق هذا شحنة من الكهرباء سرت كالنار في بدني، فقال دون أن يلتفت لصرختي: هه! لسه ما بدك تحكي؟ صرخت: قلت لكم ما عندي شيء للحكي. قال ببرود: أرأيت كم كانت الكهرباء قوية؟ هذه أخف الموجود لدينا! دس الرائد ثلجة الأوراق بوجهي وهو يقول: ألا ترين؟ هذا كله مكتوب هنا .. كله من اعترافات الرجب .. هو الذي تكلم عنك بهذا، وهو من الإخوان مئة في المئة، ويعرف عنك كل شيء، ولا بد أنك تعرفينه أيضاً. عدتُ إلى قول: كلا، وعاد التعذيب من جديد، وصار رئيس الدورية يضرب قدمي بكل عزمه، حتى أصبحت الخيزرانة عندما تهوي عليهما تشق الهواء بصوت كالصفير، وجاء عنصر آخر بخيزرانة ثانية وجعل يشارك معه الضرب، فيما عاد عبد العزيز ثلجة فقبع فوق رأسي وجعل يكوي أصابعي بالكهرباء من جديد. كان الألم أشد من أن يوصف، وكنت في البداية أصيح: يا الله .. لكنني لم أعد أستطيع آخر الأمر أن أخرج صوتي، فصرت ألوح برأسي فقط، ولم أعد أحس بشيء، ووجدتهم بعد عشر دقائق تقريباً من الضرب المتواصل يتوقفون فجأة، ومع الشتائم والعبارات البذيئة طرق سمعي عبارة: إلى تدمر”.

وعلى الرغم من قساوة سنوات المهجع التسع التي ذاقت فيها الحرة (هبة الدباغ) الأمرّين، وهول ما لاقته السجينات الأخريات وأخوتهن من الرجال، فقد وجدتها أخف وطأة مقابل ما قرأت في أدب السجون وأصالة وحشية النفس البشرية، ما شاب له رأسي قبل الأوان .. لا سيما (تدمر شاهد ومشهود: مذكرات معتقل في سجون الأسد) و (القوقعة: يوميات متلصص).

لقد كان من أصداء الشجن أن تقدّم الحرة (زينب الغزالي) لكتاب أختها في بطش الظالمين، وقد تم اعتقالها وتعذيبها بتهمة الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين، فلم تكن سجون الأسد أكثر رحمة من سجون عبدالناصر، وقد قرأت كتابها (أيام من حياتي) وأنا في سن مبكرة ولازلت أمطر باللعنات الظالمين وهم في ضيق القبور ومراتع الدود.

يبقى بصيص الأمل يشع في جنبات الظلام مستمداً عزائمه بعظيم الإيمان بالله .. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (71) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام ضمن (90) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (أغسطس)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

لا جديد غير القراءة .. ويستمر الحجر الصحي“.

 

تاريخ النشر: يونيو 17, 2022

عدد القراءات:11 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.