الكتاب
حديث العصافير: مقالات حبيسة الأدراج تنفست الصعداء
المؤلف
دار النشر
دار دريم بوك
الطبعة
(1) 2017
عدد الصفحات
217
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/28/2019
التصنيف
الموضوع
مقالات في أروقة الحياة .. منها ما يلامس شغف القلب
درجة التقييم

حديث العصافير: مقالات حبيسة الأدراج تنفست الصعداء

كتاب يضم بين دفتيه مجموعة مقالات يتنقل فيها الكاتب بين أروقة الأدب العربي، ليسرح مع نسائم الحب المحلّقة بأصحابها، ويطرق معها أبواب من الواقع المرّ. تتوقف المقالات بين نبضات الكاتب، ليجود فيها من بعض خواطره، قد يجدها القارئ -عجباً- تشبه خواطره.

يحمل الكتاب عنوان رهيف لموضوع ضمن مجموعته، فبعد معسول الكلام عن أهل العشق وأحوالهم، يخلص الكاتب إلى المغزى فيحث الكلام لأن يكون كـ (حديث العصافير)!.. فهي تتحدث طوال الوقت لكن لكل حرف تنطقه معنى، وللحديث هدف، ولبدايته ونهايته حدود معلومة.

وقد صدق الكاتب فيما اعتنق، فوضع كتابه، وجاء اختيار العنوان -من ضمن كل المواضيع المعنونة فيه- موفقاً.

وكمتيمة بالعصفور وحديثه الغرّيد، وبما أن المقالة بدأت بوَلَه المحبين وخُتمت بحديث العصافير، ولئن الشيء بالشيء يُذكر، استحضر حكاية في الموروث يذكرها البيهقي عن سليمان بن داوود عليه السلام عن عصفور يدور حول عصفورة: “… فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها لنفسه ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت. قال سليمان: وأنه عرف أن قصور دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب”.

يهدي المؤلف كتابه للمنكسرين في الأرض .. قد آثروا الصمت وقد كُسرت أحلامهم. هل جلّهن (قوارير) كما يحدثني قلبي؟؟ .. لا بأس “إن الله مع المنكسرة قلوبهم”.

يقدم الكاتب نفسه في مقدمته ليتحدث مع القارئ “صديق الهواية المشتركة”، حيث يعتقد أن كل قارئ لا بد وأن يحمل في داخله “أديب صغير” .. وليكبر، عليه أن يتمرس على الانفتاح في المخاطبة والحوار، ويغوص صامتاً في أعماقه، ليستنبط مما يقرأ حديث آخر.

كما يتداخل الليل والنهار ليُسفر عن شفق، ويتداخل يسار المخ المنطقي بالأيمن الإبداعي فتصدح الموسيقى .. كذلك، امتهن الكاتب الرياضيات وهوى الأدب، فجاد بأحاديث يرويها في كتابه الأول هذا.

تحظى المقالات بنجمتين من رصيد أنجمي الخماسي، أعرض من جميل ما علق في ذهني بعد قراءتها في الأسطر القادمة، وباقتباس في نص سماوي كسماء العصفور (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • في موضوع (أنانية البشر)، يطلق الآدمي لشطحاته العنان في تصور نعيمه في الجنة، بين الأنهار والفاكهة والطيور والقصور والنمارق والكواعب والولدان، بينما زيارة الأخلاء والتسامر مع الأصحاب وإقامة محافل شكر النعم …، لا نصيب لها في تلك الشطحات!. أهي أنانية متأصلة كما يرى الكاتب؟ أم أن كل منهم قد علم بما سيشترك به والآخرين فلا داع لذكره؟ أم أنه اكتفى بمخالطتهم في الدنيا، فلا مكان لهم عنده في الآخرة؟.
  • وفي مقالة (تجزئة القدوة) التي تليها، يرى الكاتب أن (تجديد) القدوة أمر صحي، فكوكبنا يحمل سبع مليارات إنسي، قد يجد أحدنا قدوته بين أبسطهم، ويستطيع التنقل بينهم كلما تفاضلوا. وكما بدأ الكاتب موضوعه بالسؤال عن القدوة والذي كثيراً ما يُطرح، والذي قد يتردد المرء في إجابته إلا بعد حين، تأتي الإجابة اللافورية تنم عن عدم وجود قدوة حقيقية -كما أعتقد- كما أن القدوة لا يجب أن يكون تمثالاً من ذهب، فيتحطم في ناظر من اتخذه قدوة مع أول مثلبة يجدها فيه.
  • يخلص الكاتب في موضوع (أهم دقيقة) إلى حقيقة أن 1+1 ليست بالضرورة تنتهي بـ2. نعم وبكل تأكيد .. فهنالك غلطة بألف، وكلمة عن جوامع الكلم، وامرأة عن عشرة نسوة.
  • ينعى الكاتب نفسه والقوم وهو يتساءل عن (كيف سقطت الأندلس؟)، إلا أنه يمتنع عن الاستزادة في نبش التاريخ وفتق الجروح!! فهموم اليوم تكفي للطم الجيوب وسمل العيون و “ارتداء ملابس النساء” كما عبّر بنفسه!. وأتساءل بدوري: لم لا يكون التعبير بـ (وحلق شوارب الرجال) فيكون أحكم وأبلغ؟ ومن معشر النساء أمة، لو نودي للحرب لسابقن الرجال إلى تحرير الأرض والمقدسات.
  • ومع (حضارات)، وبقدر ما يثير الكاتب من إعجاب بحضارات على كوكب نسكنه، بقدر ما يثير من الشجن على حضارة عربية-إسلامية، شعت لتنطفئ .. ولعلها تعود.
  • في ومضة (علمني أفريقي)، تنطفأ عينا القارئة عندما تقعان على حكمة خسارة العمر في (امرأة عبوس) تزوجها ذاك الأفريقي المغدور ليصاب قلبه في مقتل، كمداً أبدياً وحزنا!!!!.. ليت شعري ما حال تلك المكلومة في (ذكر) يموء خارج بيتها لينبح داخله وقد تلبّس في دور (رجل)؟!. أما كان الأجدر بابن الأفارقة أن يسعى لتبديل عبوس زوجه إلى ابتسامة؟ أو أن يكون أكثر حكمة ليتقصى عما جعلها (عبوس) وهي في كنفه؟ …. وعجبي!.
  • وفي ومضة (جرأة)، يفرّق الكاتب بين قول الحق وبين وقاحة المقال، فيقول: “الجرأة لا تعني أن تكون وقحاً، بل أن تكون منصفاً، وأن تقولها بصوت عال”. كم تلاقي هذه المعاني صدى واسعاً في نفسي، وقد لاقت ما لاقته وهي تقف عند مبادئ لا تحيد عنها.
  • أصاب الكاتب كبد الحقيقة عندما وصم قبيح الأفعال بـ (الرجولة المقنعة)، وخصوصاً في ممارساتها ضد نصف المجتمع! فالحرام يختلط بالحلال، وتعدد القلوب يقابل تعدد الأكاذيب، والمودة والرحمة استُبدلت بتنفيس شهوات فحسب. تقوى الله هو الحل الأمثل.
  • وفي الحديث الشجي عن (شخصياتنا)، ومعترك الحياة الذي يجود على المعدم بلقمة يسد بها رمق أطفاله، تحضرني (قصيدة الحزن) حين أدرك ابن قباني: “أن الدمع هو الإنسان .. أن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان”.
  • يعترف الكاتب على لسان معشر الرجال في موضوع (الكويت-إيطاليا-الكويت) قائلاً: “أننا لا نبالي كثيرا بدموع أنثى تعشقنا” وقد اعتبرها ميزة، لكنهم يخشون من قرار نهائي عليهم اتخاذه مرغمين، يكونون فيه هم الخاسرون ولا تنفعهم حينها المكابرة! ويقول بصيغة الـ (أنا): “ولكني أعود محملاً بكميات لا بأس بها من الحنين، سأرميه تحت أقدامها، وأعتذر عن الرحيل، وأقدم لها باقة من حب ستقبّلها وتقبلها ونعود لوضعنا الطبيعي، مركوم مع العمل المتعب، وهي التي ستتولى مسألة إراحتي”. هكذا على مذهب “وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا” .. إذ يشرّق أحدهم ويغرّب ليعود تحت أقدامها في نهاية المطاف، طالباً العفو والغفران. فليعلم بأنها تغفر، ليس غفلة أو عشق بسم قاتل .. بل لأن قلبها هو “السكن” .. يتسع لأعتى رجل بقلبه الذي يسع ملعب تسكنه المئات .. يحمل (جين الخيانة) وراثياً في حمضه النووي.
  • وقد قاسيت في الغربة ومنها، أردد مع موضوع (ذاكرتنا المرتحلة) صدى الصوت القادم من أعماقي، ليصبح الصاحب في السفر، والأنيس في الغربة. وليست الغربة فقط في البعد عن الأوطان، بل الغربة في الروح، عندما تحيا في زمن .. لا يشبهها. يقول الكاتب في لغة ندية: “الغربة .. اكتشاف صوت صمتك! عندما تستمع إلى نفسك كثيراً وتبدأ بالتيقن أنك لن تجد أحداً يسمعك إلّاك”.
  • يومض قلمي مع (الوردة) لأستزيد مع الكاتب في غزله وأقول: حرة .. أحاطت نفسها بأشواك تدمي أصبع من تسول له نفسه مسّها .. وقد قال في (معلّمته): “يعجبني في الوردة كثير من الصفات .. فهي صامتة! والصمت أبلغ من الكلام أحياناً .. مليكة الغنج! تتمايل مع نسائم الهواء بدلال”.
  • من تعاظم عقله في شموخ ووطأ نبضات قلبه بقدمه، ظاناً أنه في ثبات على صراط مستقيم، قد خسر (الحب) خسراناً مبينا. بهذا المعنى يفتتح الكاتب موضوعه (تبارك). يقول في قول حكيم لا يعبّر سوى عن (الإنسان): “المتتبع لنبضه، والمتحكم بعقله، والمطمئن على نفسه، أولئك الذين لم يجربوا الحب قط (وأولئك هم الخاسرون) .. ونحن الذين خلقنا ضعفاء مجبولين على فطرة الحب، فتتوه في الشوق نبضاتنا، ونفقد في لحظات الوصل الدافئ عقولنا، ونشك في أنفسنا كثيراً، ونسقط في هوة الهوى .. !! ؟ أراك في زاوية جنوني وألحق ظلالك، فلا النفس الأمارة بالهوى تهدأ، ولا العين اليتيمة تبكي ثكلى أحلامها التي ارتبطت بك، ورفيقك صامد بين سماء لا نور بها وأرض لا مستقر لها”.

بالإضافة إلى ما سبق، حصدت قراءتي عدد من الملاحظات في طبعة الكتاب، منها ما يلي:

  • يعرض فهرس الكتاب موضوعاته بدون الفصول الثلاث الرئيسية التي تتضمنها الموضوعات، رغم أن الكاتب أشار إليها في مقدمته، وهي: (1) نوافذ أدبية. (2) كلام ليل. (3) تخاريف.
  • في فهرس الكتاب أيضاً، وابتداءً من موضوع (شهد الحب) تصبح أرقام الصفحات الخاصة بكل موضوع زائدة برقم، فالموضوع المذكور يبدأ من صفحة 115، إلا أن الفهرس يحدده برقم 116 .. وهلم جرا إلى نهاية الفهرس.
  • في موضوع (خمسة أعمار)، جاء في صفحة 37-فقرة 4، وعن (العمر الخامس)، عبارة (حدائق مما تشتهون). يُحبذ استبدال الحدائق بما تشتهيه الأنفس كشهوة الوصال أو الطعام، فالحدائق لا تُشتهى وإن كان امتلاكها مرغوب. وأيضاً، وردت عبارة (جزاء بما كنتم تكسبون) في ثواب المحسنين وكاقتباس من القرآن الكريم!، غير أن كلمة (يكسبون) ارتبطت في عاقبة الكافرين، بخلاف كلمة (يعملون) والتي ارتبطت بجزاء المؤمنين. لا أدعي العلم ولست من أهل الذكر .. وهذه الملاحظة تتطلب البحث والتحقق.
  • في موضوع (جن الكتابة) صفحة 52، ترد “أكاد يخفيها” كخطأ مطبعي، إذ أن الآية الصحيحة هي: “أكاد أخفيها”.

على الهامش: كم كان لطيفاً أن ألتقي بالكاتب في معرض للكتاب بإحدى المدن العربية عام 2019، وأحصل على الكتاب مع إهدائه الذي قال فيه: “حلقي معي إلى السماء .. واستمعي لحديث العصافير .. فهناك أسرار بالأعلى .. تستحق السمع”.

أخيراً ..
هو كتاب يرق معه الحديث
وتستمر العصافير بحديثها
ولنستمر بالإنصات لها .. والتبصر
………………. كتاب يُنصح بقراءته!.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (82) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتها عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته موضع تحدي للعام كان (80) كتاب فقط!

 

تاريخ النشر: ديسمبر 8, 2021

عدد القراءات:216 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.