الكتاب
حديث الصباح
المؤلف
دار النشر
دار كلمات للنشر والتوزيع
الطبعة
(37) 2017
عدد الصفحات
348
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/21/2018
التصنيف
الموضوع
خواطر في الحياة تثري العقل وتروي الروح
درجة التقييم

حديث الصباح

كتاب يُقرأ في أروقة الصباح، تتدفق خواطره كالسلسبيل بقلم كاتب لمّاح .. تثري العقل وتروي الروح.

رغم صفحات كتابه المطولة، يعرض الكاتب مادته بـ (المختصر المفيد) وهو يتنقّل بين أمور الدين والأخلاق والتاريخ والسير والأدب والشعر والحب والغزل … بأسلوب سهل ممتنع، يضيف إلى متعة القراءة اختزال كم من المعلومات برتم أسرع.

يطغى الوازع الديني بشكل عام على حديث الكاتب، إذ أن جلّ المواضيع التي تطرق لها سواء كانت استلهامات قرآنية أو دروس من سير الصحابة أو تاريخ ماض وحديث، تصطبغ بلون ديني وتحثّ على التحلي بالمكارم من الأخلاق ونبذ ما عداها. كذلك، يجد القارئ اقتباسات الكاتب القرآنية واجتهاده في استنباط الدروس واستخلاص العبر حية ماثلة أمامه في شخوص من يعاشرهم، وفي معاش حياته.

يخصص الكتاب في آخره ثلاث صفحات ونصف لعرض فهرسه الذي حوى عناوين مشوّقة، لا يهم بأيّها ابتدأ القارئ. اذكر منها على سبيل المثال: هذيان قلب / تعالوا نتفق أننا مختلفون / مفاهيم خاطئة / صباحك سكر / تعالوا نأخذ بالأسباب ونتيقن بالله / اقرأ برجك / الملافظ سعد / قسماً بالله أحبك / تعالي أكذب عليك / كانوا قوماً ظرفاء / عن الحقوق والعقوق / دين المظاهر ومظاهر الدين / الأخطاء الطبية / عن ست النساء / كونوا لهم رجالاً يكنّ لكم نساء / الجاحظ وذكاء النساء / أبو بكر .. الإنسان والخليفة / ما يعتقده الرجال عن النساء / عجوز بني اسرائيل / كانوا عشّاقاً / عن العفة والشرف / دروس زوجية .. محمد وخديجة.

يحظى الكتاب -الذي استلهم فيه الكاتب أقواله من قهوة صباحه- بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، والذي استلهم منه بدوري ما علق في خاطري بعد قراءته، وباقتباس في نص من قرنفل (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • غالباً ما يتداخل مفهوم الإعالة مع مفهوم التربية عند الأبوين، كالإطعام والكسوة، غير أنه “لو اقتنى أحدنا قطاً فسيطعمه ويسقيه ويعتني به. التربية قيم ومفاهيم، والإعالة جزء من التربية لا التربية كلها”. هكذا يقول الكاتب عن (مفاهيم خاطئة). ثم يسرد في موضع آخر قول أستاذ الفلسفة جوستاين غاردر بأن “الحيوان يولد حيواناً، أما الإنسان فلا يولد إنساناً وإنما عليك أن تربيه ليكون كذلك”. ويحض الوالدين في موضع ثالث على تربية أبنائهما وفق الطاعة لا المذلة .. على الاحترام لا الخوف، “على قول الحق ولو كان المُخاطب عمر”. وفي هذا يروي عن ابن الخطاب حين كان ماشياً في الطريق فأبصره الصبية فهربوا، ما عدا عبدالله بن الزبير وأسماء ابنة الصديق “فسأله عمر: لِمَ لَمْ تهرب كأصحابك؟ فقال له: ما جنيت شيئاً لأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة لأفسح لك”.
  • وفي حديث مطول (عن الحقوق والعقوق) يبدأه الكاتب بالحوار الذي دار بين عمر الفاروق والأب الذي ادّعى على ابنه بالعقوق أسفر عن عقوقه هو لابنه، يدعو الكاتب الوالدين لاختيار أحسن القصص من أجل خلق قدوة صالحة لأبنائهما، فيعتبر أن “قصة ماشطة ابنة فرعون أجمل من قصة سندريلا .. وقصة بلقيس أجمل من قصة بياض الثلج .. وقصة الغلام في أصحاب الأخدود أجمل من قصة روبن هود .. وقصة أصحاب الكهف أجمل من قصة علي بابا والأربعين حرامي .. وقصة حب خديجة ومحمد أجمل من قصة نور ومهند .. وقصة الخضر وموسى عليه السلام أجمل من مغامرات السندباد .. وقصة أصحاب الجنتين أجمل من أبطال الديجيتال .. وقصة آسيا زوجة فرعون أجمل من قصة رابونزيل .. وقصص فاطمة وعائشة والخنساء أجمل من فتيات القوة .. خالد بن الوليد أعظم من جيفارا .. وأبو بكر أعظم من مانديلا .. وعمر أعظم من غاندي .. وعثمان أعظم من بيل غيتس .. سعد ابن أبي وقاص أعظم من نابليون .. الخنساء أعظم من أغاثا كريستي .. وخديجة أعظم من مارغيت تاتشر”.
  • يستشهد الكاتب بعمر الفاروق في موضعين تحت (كانوا قوماً ظرفاء) وقد عُرف بصلابته، إذ سمع ضوضاء قادم من ناحية أحد البيوت فسأل عنه فأجابوه “عرس يا أمير المؤمنين. فقال: فهلا قرعوا دفوفهم؟” ويسمع ذلك الأعرابي يدعو الله بأن يزوجه من الحور العين بعد صلاة خاطفة لم يتم ركوعها ولا سجودها، فيقول: “لقد أقللت المهر وأعظمت الخطبة”.
  • تظهر أمارات الدهاء على معاوية بن أبي سفيان مبكراً، فيُرى يصلح بين أقرانه المختلفين ويوقع بين آخرين متصالحين، فيتنبّه له أحد العرب ويتنبأ بسيادة قومه، فتؤكد أمه قائلة: “ثكلته إن لم يسدهم ويسد غيرهم”. والعبرة هي أن “الأطفال دفاتر بيضاء ويكبرون وفق ما نكتبه على هذه الصفحات”. ويكبر وتذهب (شعرة معاوية) مضرب مثل، فقد كان يقول: “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين العامة شعرة لما انقطعت. فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: إن جذبوها أرخيتها وإن أرخوها جذبتها”.
  • يستخلص الكاتب من الدروس ما لم يتعرض لها المفسرون في قصة موسى مع الخضر، منها ما يتحدث عن نوع مختلف من التأمين على الحياة، إذ: “يرسل الله عبداً أعطاه علماً غزيراً ونبياً من أولي العزم ليقيما جدار أيتام كان أبوهما صالحا. ببركة الطاعة سخر الله عالماً ونبياً. أمّنوا على حياتكم ببنك رضى الله، يسّخر لمن بعدكم من يخدمهم”.
  • يذهب شموئيل “الشخص الذي أسماه الله” مضرب المثل عند العرب قاطبة في الوفاء بالعهد فتقول “أوفى من السموأل”، وهو شاعر عربي من قوم يهود ضحّى بابنه الذي قتله ملك كندة الغسّاني مقابل تسليم تركة امرؤ القيس بن حجر إلى مستحقيها، وقال قولته الشهيرة في الأمانة: “إن ذبح ولدي أمام ناظري أهون عندي من أن تقول العرب لقد خان السموأل”. ويعقّب الكاتب: “إن كنّا في غنى عن دين السموأل، فإننا فقراء لوفاء كوفائه”.
  • وعن المخبر لا المظهر الذي طغى في أيامنا على صورة أخذت من النفاق طابعها الأكبر، يمزّق الكاتب زيف تلك الصورة فيرفع كساء ويحلق كثّّ لحية، إذ أن “العباءة السوداء ليس بالضرورة أن تحتها امرأة فاضلة، واللحية الطويلة تغدو زي عمل أحياناً. هناك عصاة يحبون الله ورسوله أكثر من دعاة كثر تعرفونهم، ولكنهم لم يجدوا من يأخذ بأيديهم إلى الله، ولكن الدعاة فُتحت لهم المنابر وشاشات التلفزة”. لا عجب إذاً ألا يظهر النفاق في مكة حيث كان الإيمان اختياراً يجابه به المؤمن مجتمعاً بأكمله، كبلال الذي عُذّب على الملأ، في حين أن المصلحة السياسية كانت محل اعتبار عند أهل المدينة، كابن سلول الذي كان يصلي الفجر في المسجد. ثم يبرأ الكاتب لنفسه من تهمة انتقاص الحجاب أو انتقاد اللحية، إنما أراد التوصية على التبصر بعد الإبصار، فيستطرد قائلاً: “وإني لا أنتقص من الحجاب معاذ الله، ولكني على يقين أن كل واحد منكم يعرف سافرة لا ينقصها من الإسلام إلا الحجاب، ويعرف محجبة ليس فيها من الإسلام إلا الحجاب. ولا أنتقد اللحية ومعاذ الله أن أفعل، ولكن كل واحد منكم يعرف حليقاً لا ينقصه من الإسلام إلا اللحية، ويعرف ملتحياً ليس فيه من الإسلام إلا اللحية”.
  • وفي موضع آخر من الكتاب، يتطرق الكاتب من جديد إلى مظاهر النفاق في مجتمعاتنا، بإظهار عكس ما هو باطن، فيقول: “نحن الذين نكتب عن الحب ونكره كل من حولنا .. نحن الذين نريد العدل ونظلم كل من تحت أيدينا .. نحن الذين نكتب عن زوجاتنا في مواقع التواصل كأننا مجنون ليلى ونعاملهن في البيوت كأنّنا أبو جهل .. نحن الذين نُظهر عكس ما نُبطن .. وهذا ليس إلّا تعريفا مقتضباً للنفاق”.
  • الدين يسر فلمَ هذا التعقيد؟ ورحب فلمَ هذا التضييق؟ يستمر الكاتب في الإشارة إلى تلك المظاهر ويتساءل عنها قائلاً: “ما بالنا إذا صلى أحدنا ركعتين في المسجد قطّب حاجبيه؟ وإذا أطلق لحيته أمسك قلبه؟ وإذا قصّر ثوبه أطال لسانه؟ وإذا فتح كتاباً أغلق باب ابتسامته؟ ما بالنا أعزة على المؤمنين وننسى أنه لو كان فظّاً غليظ القول لانفض الناس من حوله؟” وأتساءل بدوري: ما بال من انتقبت ظنت في أخواتها (السافرات) سوءاً؟ وما بال من جلس على مقهى يضحك ملء شدقيه يحسب على المرأة الجالسة أمتاراً عنه مليمترات ابتسامتها؟.
  • يحدث في مجتمعنا أن يظهر الأطباء كالضرائر يتبادلون الشتائم، فيشتم هذا من كان قبله ويشتمه بدوره من سيأتي بعده!. يتمنى الكاتب ألا يضطر المريض منا الطواف حول عشرة أطباء مع كيس يحمل أدوية ووصفات سابقة لكي لا يُسأل: “من الحمار الذي وصف لك هذا الدواء؟” وإن لم يأت السؤال حرفياً جاء بمعناه!. إن هذا خطأ أخلاقي يتداوله الأطباء بلا حرج، يعقّب عليه الكاتب ناصحاً كل منهم: “إن استطعت أن تصلح ما أفسد من قبلك فهذا جميل، وإن لم تستطع وخجلت أن تخبرني أنك لا تستطيع أن تشخّص حالتي فاكتب لي أي دواء من الأدوية التي تتقاضى عائداً مادياً نظير وصفها للمرضى، وليكن هذا بكل أدب، فأنا سأشتري الدواء الذي وصفته ولو لم تخبرني أن من عالجني قبلك حمار”. ثم يُكمل وكأنه يغمز بعينيه: “بالمناسبة، لو لم أكن متأكداً من هذا لما تركته وأتيت إليك .. فتأدبوا”.
  • يقول المثل الشعبي الدارج (عط الخباز خبزه لو أكل نصه)!.. فالمرض يختص به الطبيب، وبناء المنزل يختص به المهندس، وعطل السيارة يختص به الميكانيكي، أما المسألة الفقهية فالكل فيها مفتي! وبينما يحذّر الأثر النبوي بأن (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)، يصبح حكم الإسلام فيمن أفتى في أمر يجهله “إن أصاب فله إثم وإن أخطأ فله إثمان”.
  • ومن الأمثال الشعبية كذلك في مجتمعنا العربي (لا قيني ولا تغديني). هذا ما عناه الكاتب في موضوعه عن التبسط للناس قبل بسط الموائد لهم، “فقد جلس أعرابي على مائدة أحد الخلفاء وكان الطعام تيساً مشويّاً وكان الأعرابي جائعاً فأخذ يأكل بشراهة، فقال له الخليفة: ما لك تأكله كأن أمه نطحتك؟ فقال الأعرابي: وما لك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك؟”.
  • لا يخرج حديث أي منا عن: (موضوع) و (أسلوب) “فإذا كان مضمون حديثك جميلاً فلا تُفسده بقبح أسلوبك، وإن كان مضمون حديثك قبيحاً فلا تُضف لقبح المضمون قبح الأسلوب، فإذا جمع المرء بين قبحين صار لا يطاق”.
  • لا نختار أقدارنا التي تتشكل منها أشكالنا وألواننا وأعراقنا، فـ “لا تسخر من خلقة أحد فلم يخلق أحد نفسه، ومن عاب خلقة فقد اتهم الله بسوء الصنعة، وإن الله ما خلق قبيحاً لعجز منه، ولكنه سبحانه قسّم الجمال بين الناس كما قسّم الأرزاق والأعمار لحكمة اختص بها نفسه .. فإن أعطاك الله أكثر من الناس فاحمده، وإن أعطاك أقل منهم فارض بعطائه”.
  • الحياة مثقلة بغصص الحرمان، فلا يعني امتلاكك كل ما تريد امتلاك الآخرين ما يريدون! “هل سمعت بقصة التلميذ الذي قال له معلمه: إن أمك مهملة ولا تهتم بك كبقية الأمهات. فذهب في ذات اليوم إلى قبر أمه وقال لها: قومي راجعي لي دروسي، يقول المعلم أنكِ لا تهتمين بي”؟.
  • وفي حديث الكاتب عن تعاظم المناصب وما ينبغي أن يصاحبها من أخلاقيات ومثاليات وسلوكيات، يضرب المثل فيه ﷺ ولله المثل الأعلى حين قال (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ): “تذكّر أن محمدا صعد إلى السماء السابعة ووصل إلى سدرة المنتهى واقترب حيث لم يقترب مخلوق من قبل .. ولما عاد إلى الأرض كان في خدمة أهله وكان يحلب شاته ويخصف نعله، ويأتي العبد يطلب أن يتوسط له عند سيده فيفعل، وتأتي الجارية الصغيرة تجره من يده ليشفع لها عند أهلها فيمضي معها .. صعد إلى السماء السابعة وبقي يأكل في صحن واحد مع المساكين، ويركب بغلة، ويأمر جيشه ألا يقطعوا شجرة ولا يقتلوا طفلا ولا امرأة، وأن يتركوا الرهبان في أديرتهم هم وما يعبدون .. كان كبيرا قبل أن يصعد وظل كبيرا بعد أن نزل .. كبيرا دون تكبر .. عظيما دون تعاظم”.
  • يحذّر الكاتب في قول من مسك قائلاً: “قبل أن تأتي مكة عليك أن تعرف أنه يمكنك أن تغادرها متى شئت ولكن مكة لن تغادرك! ستحزمها في حقيبة قلبك .. ستصعد بها الى الطائرة .. ستخفيها عن رجال الامن والجمارك .. ستشعر بسعادة عارمة أنك قد سرقت مدينة ولكنك ستكتشف لاحقاً أن مكة هي التي سرقتك من نفسك .. مكة لا تُنسى .. لها عشاق كثر .. ولكن رغماً عنك ستكون حبيبتك”.

ومن جزيل الحكمة ما أقتطف وأسرد هنا نصاً كما في الكتاب جاء:

  • في القيادة “أسوأ القادة من يستأثر بالنجاح وحده إن حصل .. ويلقي اللوم في الفشل على غيره إن حصل”.
  • في اللباقة “اختاروا مفرداتكم كما تختارون ملابسكم .. فالكلام أناقة أيضاً”.
  • في المعدن “إذا طمع أحد بعفوك فلأنه علم طيبة قلبك .. سهل جداً أن يخافك من حولك، الصعب أن تفرض احترامك”.
  • في الروح “الزمن عدو النساء .. أما أنت فالزمن صديقك. لم تصبحي أكثر عمراً .. أصبحت أكثر قيمة”.
  • في التعامل “الافراط في القوة كالإفراط في الضعف .. كلاهما مضر”.
  • في الرياء “مصيبة أن تكون صلاتنا رياضة وتحريكاً للمفاصل ونحن نتلو (تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) ولا ننتهي”.
  • في التقوى “إذا زنيت فلا تقل إن الذين لا يزنون ليس لديهم شهوات، فالبعض يتركون ما يشتهون مع قدرتهم عليه .. لله فقط”.
  • في البركة “الغنى الذي تنقصه البركة فقر آخر .. والفقر الذي تزينه البركة غنى آخر”.
  • في الرزق “يدفعنا تحصيل الرزق لفعل حاجات لا نستلذ بها .. فحفّار القبور لا يعتاش إذا لم يمت أحد”.
  • في القدر “ثق أنه لولا لطف الله كانت الأمور السيئة لتكون أسوأ، وإن الإنسان يحكم على ما يشاهد، فكن حسن الظن بالله، فقد رد كثيراً مما لم تشاهده”.
  • في التصوف ليس شرطاً أن تصل إلى الله .. المهم أن تموت في الطريق إليه“. 

يكنّ الكاتب للأنثى الكثير من الاحترام قد بدى من خلال حديثه المتشعب حول مواضيع تخصها .. في الحقوق والمساواة والمكانة والعزة والفطرة التي فطرها الله عليها .. في قول عذب وآخر حق لصالحها وجهه إلى كلا الجنسين، والذي قد يتحفظ عليه الكثير من بني جنسه. تحمل الأسطر التالية عبق منها كما يلي:

  • يقطف الكاتب من (دروس زوجية .. محمد وخديجة) باقة من معانٍ في السكن والمودة والرحمة، لا يلتفت إليها عادة وعّاظ السلاطين، إذ يقول: “عندما نزل عليه الوحي وأصابه الخوف والبرد .. كان عنده قبيلة كبيرة، وكان عنده أقرباء كثر، وكان عنده أصدقاء مخلصون .. ولكنه احتمى من خوفه وتدفأ من برده بحضنها، كان كأنما يقول لها: أنت قبيلتي”.
  • وعلى منهج (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا)، يقول الكاتب في (كونوا لهم رجالاً يكنّ لكم نساء) قولاً في الصميم بأن: “لا تحارب أماً بأولادها .. الأبوة بالتجربة أما الأمومة بالغريزة. قد ينجب الرجل عشرة أولاد ولا يستحق أن يدعى أباً .. أما المرأة فهي أم ولو لم تنجب”.
  • وبما أن (الطيور على أشكالها تقع) يظن الرجل بالمرأة الظنون .. لا لعيب بها بل لأن جبلّته هي المعيبة!. ومرة أخرى يوجعهم الكاتب في (ما يعتقده الرجال عن النساء) فيقول أن معظم الرجال يعتقدون بأن: “المرأة ستذهب مع أول حبيب بعد حبيبها .. وستقبل بأول زوج بعد زوجها” وأقول: حقها .. وما يغيظك؟ إنك (تذهب) و (تقبل) قبل وأثناء وبعد زوجتك .. فاصمت يا صاح ولا تقذفها بحجر وبيتك من زجاج! يكمل الكاتب ويعترف في شهامة رجل حق: “غير أني على المستوى الشخصي أعرف عشرات الرجال ممن فقدن زوجاتهن ولم يبق أحد منهم أعزباً بعد وفاة زوجته، وأعرف عشرات النساء اللائي فقدن أزواجهن وكثيرات منهن اخترن أن لا يتزوجن وآثرن أن يربين أولادهن ويعشن على ذكرى أزواجهن .. مع أن هذا من حقهن إن فعلن وليس في الأمر خيانة. الأمر حق للرجل وحق للمرأة بعد زوجها، ولكن هذا ما يعتقده الرجال عن النساء”. وكلنا يعرف العشرات والمئات من هكذا نماذج لمخلوقات ذكورية قد أخذت في نفسها مقلبا كبيراً .. فأباحت لها ما حرّمته على غيرها.
  • لأولئك الذين يتغنون بآيات وأحاديث لا تجاوز حناجرهم، لقد علمتموهم أن “هم البنات إلى الممات” لكن “علمنا النبي أن البنت تأشيرة سفر إلى الجنة”.
  • وللماديين والليبراليين وقصار النظر، يوجه الكاتب سؤالاً استنكارياً لكل منهم: “من قال لك أن المحجبة جاهلة بالموضة؟”.
  • في دعوة الكاتب بـ (تعالوا نأخذ بالأسباب ونتيقن بالله)، يستدل بسارة والبشارة بإسحق، ونوح وطوفان النجاة، وموسى وشق البحر طريقاً، وابراهيم والنار التي لم تحرق، ويونس وحفظه في جوف حوت، وأيوب والشفاء من البلاء، وعيسى والرفع للسماء، ومحمد ورحلته إلى سدرة المنتهى، ورزق مريم وهي تتعبد في المحراب “هو من عند الله”.
  • للأصمعي في أشعاره قصص عن عشق وعشّاق لم يشهدوا احتفالات الفالانتاين كما يقول الكاتب في (كانوا عشّاقاً)، لكن “كان القوم عشاقا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كان الحبيب يُعرف بين الناس بحبيبته فيقولون قيس ليلى وجميل بثينة وكُثير عُزة .. كانت امرأة واحدة في عين حبيبها كل النساء، وكان رجل واحد في عين حبيبته كل الرجال .. كان الحب جميلاً وقتذاك”. والقوم الآن يتلبّسهم العار وتلحق بأحدهم سبّة الدهر إن عرف نفر اسم أمه الذي قد يستخدمه كمستمسك أخلاقي يذّله به، بل أن مجرد السؤال عن اسمها قد يراق على جوانبه الدم!.. ينسحب هذا على كل (إناث) القوم.
  • وعن مفهوم (العمل والبطالة) عند الزوج الذي يعمل خارج البيت ظاناً أن زوجته التي تعمل داخله عاطلة، يستنبط الكاتب خمسة دروس يوجهها له في نبرة تهكم. أولها: في ساعات عمله المحددة، يقول: “أما اللواتي يعملن كالنمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع فهن عاطلات عن العمل”. ثانيها: في واجباته المحددة، يقول: “أما اللواتي يعملن في البيوت مدرسات وممرضات وداعيات وخبيرات اقتصاديات ومرشدات اجتماعيات فهن عاطلات عن العمل لأنهن ليس لديهن مهمة محددة”. ثالثها: في حقوقه كعامل، يقول: “أما أولئك اللائي يجلين بالماء البارد لا تأمين صحي لهن، واللائي يستعملن السكاكين الحادة لا يوجد في حياتهن ما يُسمى اصابة عمل لأنهن لا يعملن، اللائي لا ينمن ساعات كافية ليس لديهن تأمين صحي، السهر على ولد مريض ليست وظيفة تستحق”. رابعها: في راتبه، يقول: “أما أولئك اللائي لا يتقاضين راتباً عن كل ما يقمن به فعاطلات عن العمل يعملن سخرة، وهذا يعني أنهن لا يعملن! لو كان لهن عمل لكان لهن مرتبات”. خامسها: في حوافزه، يقول: “بينما الزوجة تعد الحلويات مثلاً ولا تستحق على هذا تحفيزاً، الذين يستحقون التحفيز هو العاملون وهي عاطلة عن العمل، والتحفيز إنما يكون لـ (نافلة) قام بها الموظف فوق (فريضة) العمل، أما أولئك اللائي ليس لهن فرائض فمن باب أولى ليس لهن نوافل”.
  • ينتقل الكاتب إلى إيران لينتقد منع الانترنت عالي السرعة فيها “لأنه يساعد على جلب المفاسد”! ويستمر في نبرة ساخرة عن كيفية استغلال بطء الانترنت في الحوقلة والتسبيح وذكر الله و “اللهم طولك يا روح”. وفي معرض الحديث عن الانترنت ومفسدته، أتعجّب بدوري!.. إذ كم يشبه هؤلاء الملالي فقهاء وأد المرأة حين تنطّع منهم اثنان -على الأقل- بفتوى تشبّعت شبقاً يقول نصها: (فإن النساء مخلوقات كسائر مخلوقات الله لكن فيهن ضعفا بيّناً وهوى يأخذهن نحو الحرام إن لم تجعل الضوابط الشرعية قائمة في المجتمعات التي يقمن فيها. وحكم دخول المرأة للإنترنت حرام حرام حرام، ففي هذه الشبكة من مواضع الفتنة ما قد لا تتمكن المرأة بضعف نفسها على مقاومته، ولا يجوز دخولها إلى مواقع الشبكة ما لم يكن برفقتها أحد المحارم الشرعيين ممن يعرفون بواطن النساء ومكرهن وضعفهن أمام الجنس والهوى)!!!. وأتساءل (بخبث حواء) إن شاءا: إن كان هذا حال المرأة فما حال الرجل الذي أباح له الشرع أربعة يشبعن جموح شبقه الجنسي العارم؟؟؟ حقاً (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ). لكن السؤال الأوجه الموجه للثائرين: ما سيكون دور المحرم الشرعي وهو يرافق دخول إحدى محارمه الانترنت في الوقت الذي تثور فيه ثائرتها؟ همممم يبدو أن (زنا المحارم) جائز في مثل هكذا حالة سعار ولا حرج!. يا أمة بصقت من روث عقولها الأمم!.
  • بعد عرضه لأربع مواقف مع نساء، يقول الكاتب قولاً شاعرياً مطولاً .. قد لا اتفق مع بعضه خصوصاً في استخدام الأسلوب العاطفي وتزويق الكلمات وتحليتها بالسّكر لصرف المرأة عن بلوغ ما تصبو إليه -من ضمنه الولاية العامة شاء من شاء وأبى من أبى- بحجة أنها ربة الخصب وآلهة الحب وفينوس الحياة والممات، أو كما يحلو لفقهاء الوأد تشبيهها بالدرة المصونة واللؤلؤة المكنونة وغيرها من السذاجات .. لكنه إجمالاً قول عذب. يقول: “تعمدت في اختيار القصص أن يكن لنساء مختلفات، فالمرأة هي المرأة في تركيبها النفسي بغض النظر أين وضعتها الحياة، غير أن الرجال يعتقدون أن النساء أقل عقلاً منهم، وهذا خطأ فادح .. المرأة عاطفية، وقد خلقها الله لتكون النصف الرقيق للانسان، وإن كانت عاطفتها تؤثر على أحكامها العقلية أحياناً فهذا لا يعني أن عقولهن أقل من عقول الرجال في المواقف التي لا تتدخل فيها العاطفة .. تتساوى المرأة بالرجل تماماً .. مخطئ من يعتقد أن المرأة عاطفة والرجل عقل .. المرأة عاطفة والرجل عضلات .. ولكن عقول الرجال أثرها أوضح لأن تركيبهم النفسي يختلف عن تركيب النساء، وهذه البشرية ذكورية بامتياز، لأن الذكور هم من يسيطرون على هذا الكوكب .. يكتبون التاريخ ويديرون الاقتصاد ويستأثرون بالسياسة، ولكن ما اعطيت المرأة فرصتها يوما إلا وأثبتت نفسها. عندما قرضت الخنساء شعرا في سوق عكاظ قال النابغة: الخنساء أشعر العرب، وعندما بدأ أمر السماء كان أول من أُعلم به امرأة، وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بحلق رؤوسهم يوم الحديبية فأبوا أولاً حيث أخذتهم الحمية لله، قالت له زوجته: قم فاحلق أمامهم، فلما فعل فعلوا .. صحيح أن الإسلام قد منع المرأة من تولي بعض المناصب في المجتمع كأن تكون خليفة مثلاً ولكن هذا ليس انتقاصا من قدراتها ولكن لأنها خُلقت لشيء مهم وعظيم غير هذا .. لقد أراد الاسلام أن لا يكلفها ما لا تطيق .. فالحكم للعقل والعضلات والمرأة كائن حساس ورقيق، إنه بهذا لم يزدريها بقدر ما أكرمها، فمساواة المرأة بالرجل مطلقاً ظلم للمرأة المساواة في الحقوق والكرامة أمر دافع عنه الاسلام بشراسة، ولكن الوظائف في الحياة أعطى فيه كل ذي حق حقه وفق ما خُلق به وله .. الذين يُطالبون بمساواة المرأة بالرجل مطلقاً هم في الحقيقة يظلمونها من حيث لا يدرون! على المرأة أن تقف ضدهم دفاعا عن أنوثتها فهذا أجمل ما فيها، وعليها أن تقاتل كي لا تخسره، وعلى الرجال أن يفهموا أن المرأة مختلفة عنهم وليست متخلفة عنهم .. كل رجل ناجح بقي في بطن امرأة تسعة أشهر طفيلياً يقتات غذاءها وصحتها وعافيتها ثم قطعة لحم بين يديها ترضعه وتنظفه وتحنو عليه ثم تربيه وتعلمه وتصقله وتعده للحياة .. هذه التي أقل شأنا هي التي رفعت شأنك ولو فكرت بعقلها دون عاطفتها ما كنت ما أنت عليه الآن .. لو لم تكن المرأة عاطفية ما كانت لترضى عند أول كلمة بعد كل خصام .. لو لم تكن عاطفية أين سنذهب بحثا عن حنان؟ خلق الله المرأة أكثر عاطفة ولكنه لم يخلقها أقل عقلاً ولكنه سبحانه لتستمر الحياة أعطاها فيض عاطفة .. خلقهن الله مختلفات لنكتمل بهن وليكتملن بنا .. الأقطاب المتشابهة في المغناطيس تتنافر والأقطاب المختلفة تتعانق .. المرأة هبة وليست لعنة .. هدية وليست مصيبة .. افخرن بأنفسكن أنتن النصف الرقيق والحساس للبشرية .. ابقين نساءً .. لا تسمحوا لهم أن يسلبوا منكن أجمل ما فيكن .. دافعوا عن أنوثتكن حتى الرمق الأخير .. هذا العالم لا يحتاج إلى جنود أكثر ولا يحتاج إلى وزراء أكثر ولا يحتاج إلى تجار أكثر ولا يحتاج إلى مزارعين أكثر .. هذا العالم يشكو نقصاً حاداً في الحب وهذه وظيفتكن وهذا ما خُلقتن له وإن لم تقمن بوظيفتكن سيغدو هذا العالم عاطلاً عن الحياة”.
  • يقول لها في (صباحك سكر) .. مع عقارب الساعة وكحل العين وشمس الصباح وفنجان القهوة والسرير ووسادته وغطائه: تشتاق إليك سجادتك وسبحتك وثوب صلاتك الذي يسمعه يأنّ منادياً: “جف قلبي بانتظارك .. فتصدقي عليّ بركعتين”.
  • وكمسك الختام، يكتب الكاتب (عن ست النساء) بحبر مرهف رغم استسلامه، قائلاً: “أعرف مسبقاً أن الكتابة عنكِ شيء محكوم بالفشل مهما حاولت .. امرأة مثلك يستحيل تحويلها الى أبجدية .. امرأة مثلك أكبر من أن تُعتقل في نص .. امرأة مثلك أكبر من أن تُحبس بين فاصلتين .. لا يمكنني تحويل العطر الى لغة مهما حاولت .. العطر يُشم ولا يُكتب”. 

…… يبدو أن الكاتب فعلاً يحمل روحاً شاعرية خاصة تبدو جلية من خلال (الترانزيت) المتكرر بين موضوع وآخر، يبث فيه إلى توأم روحه دفقات من ود ووجد وغزل، ما يجعل إحداهن تبتسم سراً وإن لم تكن المعنية ….. يا وعدي!. يقول في (هذيان قلب): “انشغلت عنك فلم تكّفي عن انشغالك بي .. كأنك أنجبتني .. كنتُ دوماً أحب أولادك إلى قلبك”. 

بالإضافة إلى هذا الكتاب القرنفلي العبق، تحمل أرفف مكتبتي الجوداء كتب أخرى للكاتب، منها ما قرأت ومنها ما لم أقرأ حتى الآن، هي: حديث المساء / عن شيء اسمه الحب / خربشات خارجة عن القانون / مع النبي ﷺ / عندما التقيت عمر بن الخطاب

وعلى الهامش .. استرجعت في محطات كثيرة أثناء قراءتي للكتاب الصباحي، كتابي (زنزانة) و (أنا واخواتها) للداعية د. سلمان العودة (فك الله أسره)، إذ يسبح كل كاتب منهما في بحر الحياة .. يلتقط من أصدافها معلومة أو خاطرة أو لفتة أو ذكرى .. وعندما يغوص القارئ في أعماق الكتاب يجد نفسه وجهاً لوجه أمام كلماته المختلفة المذاق .. الحانية .. المعاتبة .. القاسية، وكأنه المعني دون غيره!.

ختاماً .. يقول حكيم العرب في الجاهلية (قس بن ساعدة الإيادي) وخطيبها وشاعرها: (وما قد تولى فهو لا شك فائت .. فهل ينفعني ليتني ولعلني)؟ .. غير أن إهداء الكاتب جاء تفاؤلياً إلى (البؤساء) في الحياة .. ممن لم يتمكنوا من قراءة كلماته أو سماع حديثه .. وكل منّا يحمل بؤساً قل أو كثر!.

د. أدهم شرقاوي .. قد وصلت كلماتك لنا جميعاً فشكراً جزيلاً ومديدا .. وعسى أن على نيتك تُرزق.

 

تاريخ النشر: أغسطس 19, 2021

عدد القراءات:139 قراءة

التعليقات

  1. السلام عليكم مها
    فعلا ابدعت في الاختيار والسرد ..سلاسة وجمال في الطرح …رسائل جميلة بعبق لا ينفد… ….. احسنت ….احسنت …احسنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *